الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 600 الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب العربى :, الفكاهة فى الأدب العربى

Share

-٢-

تحدثنا قبل ذلك عن مجموعة من الفكاهيين فى الأدب العربى كانوا يحترفون تفكهة الخلفاء والوزراء ومن حولهم من الناس ، فكانوا متابع للفكاهة والضحك فى عصورهم . وهذه إحدى صفحات الفكاهة فى الأدب العربى ، وهناك صفحة ثانية نرى فيها أصحابها جادين كل الحد ، ومع ذلك فهم مضحكون كل الضحك ، لأنهم يبدون فى حركاتهم وفى أقوالهم كأنما ينقصهم شئ ؛ فهى حركات وأقوال عرجاء ، لأنها تخرج عن مألوفنا ، وتخالف ما نعتاده فى حياتنا ، فنظن حين نسمعها أو نشاهدها كأننا فى مسرح هزلى تمثل فيه مهزلة من المهازل ، يمثلها شخص بحركاته وألفاظه ، ويرينا من صور عدم التناسب واختلاط المنطق واضطرابه ما يجعلنا نغرق فى الضحك .

ومثل هؤلاء المضحكين لا يكونون أذكياء ، ولا من هؤلاء العقلاء العاديين فى فهمهم وسلوكهم ؛ إنما يكونون من صنف آخر ، صنف شاذ يعيش بغير منطق ، ويحيى بغير فهم ، ثم يحاول أن يؤدى ما يؤديه المنطقيون العقلاء ، فتأتى الشعوذة ، ويأتى الذهول ، ويأتى الاستغراق فى مجاميع من الأخطاء ، فكل ما يعبر به يعتربه الخطأ والنقص والعجز فى النطق والبلادة فى الفهم .

وهذه النماذج من المضحكين هم جماعة الحمقى والمغفلين الذين لا يستطيعون الخضوع لمنطقنا ، فتسقط منهم أقوالهم وعباراتهم وكأنها لعب تتدحرج على سفح المنطق ومنحدراته ، وهى لعب ما تزال تغرينا على الضحك منهم ، وعلى ما أصابهم من عوج فى العقل واختلاط فى الفهم وتشويش فى الفكر . وطبيعى أن هؤلاء المضحكين لا يصنعون الضحك عن عمد ، فهم لا يقصدون إليه ، ومع ذلك فربما كانوا أهم منحدراته ومساقطه ، إذ ما يزالون يأتون بالمفارقات والمتناقضات التى تشوه فهمنا ومنطقنا تشويها

كاريكاتوريا ، على نحو ما يشوه أصحاب الرسم الكاريكاتورى أجسام الناس والحيوان تشويها هزليا مضحكا ؛ فنحن لا نستمع إلى محاوراتهم وإجاباتهم الحمقاء وما تحوى من بلاهة وبلادة حتى نذهل عن أنفسنا ، ونضرب الأرض بضحكنا .

وأول من تنبه إلى هذه النماذج المضحكة عند العرب وروى نوادرهم وطرفهم الجاحظ ؛ فقد دأب على أن يحلى بهم كتبه الكبيرة الجادة من بيان وتبيين وحيوان وغير ذلك ، فتراه يترك مجرى الكلام فى الموضوع ليرسم لقارئه صورا هزلية من هؤلاء الحمقى والمغفلين . ويخيل إلى الإنسان أنه لم يترك صاحب حمق أو غفلة فى عصره إلا وجمع أقواله وما تناثر من حماقاته ، وكأنما كان يجوب كل مجتمعات البصرة وبغداد وطرقاتهما ليجمع هنات هؤلاء الحمقى من مثل ديسيموس اليونانى وجعيفران الموسوس ، وقد حكى عن الأخير أنه كان يتشيع لآل على ؛ فقال له قائل : أتشتم فاطمة وتأخذ درهما ؟ فقال : بل اشتم عائشة وآخذ نصف درهم ، ومنهم أبو عبد الملك ، وقد سئل : أيهما أفضل ، شخص يسمى سلاما وآخر يسمى أبا على ؟ فقال : بل أبو على ، لأنه لما مات سلام مشى أبو على فى جنازته ، ولما مات أبو على لم يمش سلام فى جنازته . ويحكى الجاحظ أن بعض السلاطين دعا اثنين من هؤلاء الحمقى ليحركهما ، فيضحك مما يجىء منهما ؛ فلما أسمعاه وأسمعهما غضب ودعا بالسيف ، فقال أحدهما لصاحبه ؛ كنا مجنونين فصرنا ثلاثة .

ولعل الجاحظ لم يتعلق بنموذج لهؤلاء العقلاء اللامنطقيين كما تعلق بنموذج المطين ، فقد قص عن حمقاهم طرفا ونوادر كثيرة ، روى عنه أنه قال : ألفت كتابا فى نوادر المعلمين وما هم عليه من التغفل ثم رجعت عن ذلك وهزمت على تقطيع ذلك الكتاب ، فدخلت يوما مدينة ،

فوجدت فيها معلما فى هيئة حسنة ، فسلمت عليه ، فرد على احسن رد ، ورحب بى ، فجلست عنده ، وباحثته فى القرآن فإذا هو ماهر فيه ، ثم فاحته فى الفقه والنحو وعلم المعقول وأشعار العرب ، فإذا هو كامل الآداب ، فقلت هذا والله مما يقوى عزمى على تقطيع الكتاب ، فكنت اختلف إليه وأزوره ، فجئت يوما لزيارته ، فإذا بالكتاب مغلق ولم أجده ، فسألت عنه ، فقيل مات له ميت ، فحزن عليه ، وجلس فى البيت للعزاء ، فذهبت إلى بيته ، وطرقت الباب ، فخرجت إلى جارية ، وذالت ما تريد ؟ قلت سيدك ، فدخلت وخرجت ، وقالت باسم الله ، فدخلت إليه ، وإذا هو جالس فقلت : عظم الله أجرك ، لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ، كل نفس ذائقة الموت ، فعليك بالصير ، ثم قلت له : هذا الذى توفى ولدك ؟ قال : لا ، قلت : فوالدك ؟ قال : لا ، قلت : فأخوك ؟ قال : لا ، قلت : فزوجتك ، قال : لا ، قلت : وما هو منك ؟ قال : حبيبتى ، فقلت فى نفسى : هذه أول المناحس ، ثم قلت : سبحان الله ، النساء كثير ، وستجد غيرها ، فقال : أتظن أنى رأيتها ؟ قلت : وهذه منحسة ثانية ، ثم قلت : وكيف عشقت من لم تره ؟ فقال : اعلم أنى كنت جالسا فى هذا المكان وأنا أنظر من النافذة ، إذ رأيت رجلا عليه يرد وهو يقول :

يا أم عمرو جزاك الله مكرمة

                   ردى على فؤادى أينما كانا

لا تأخذين فؤادى تلعبين به

                   فكيف يلعب بالإنسان إنسانا

فقلت فى نفسى : لولا أن أم عمرو هذه ما فى الدنيا أحسن منها ما قيل فيها هذا الشعر ، فعشقتها ، فلما كان منذ يومين مر ذلك الرجل بعينه وهو يقول :

لقد ذهب الحمار بأم عمرو

              فلا رجعت ولا رجع الحمار

فعلمت أنها ماتت ، فحزنت عليها ، وأغلقت المكتب ، وجلست فى الدار .      فقلت : يا هذا إنى كنت ألفت كتابا فى نوادركم معشر المعلمين ، وكنت حين صاحبتك عزمت على تقطيعه ،

والآن قد قويت عزمى على إبقائه ، وأول ما أبدأ ، أبدأ بك إن شاء الله تعالى .

ولم يصلنا هذا الكتاب الذى ألفه الجاحظ فى نوادر الحمقى من المعلمين ، ولكن وصلنا منه طرف كثيرة احتفظت بها كتب الفكاهة .

فمن ذلك أن الجاحظ قال : مررت بمعلم صبيان ، وعنده عصا طويلة وعصا قصيرة وصولجان وكرة وطبل وبوق ، فقلت : ما هذه ؟ فقال : عندى صغار أوباش ، فأقول لأحدهم : اقرأ لوحك ، فيصفر لى ، فأضربه بالعصا القصيرة فيتأخر ، فأضربه بالعصا الطويلة ، فيفر من بين يدى ، فاضع الكرة فى الصولجان . فأضربه فأشجه ، فتقوم إلى الصغار كلهم بالألواح ، فأجمل الطبل فى عنقى والبوق فى فمى ، وأضرب الطبل ، وانفخ فى البوق ، فيسمع أهل الحارة ذلك ، فيسارعون إلى ويخلصونى منهم .

ومن هذه النوادر الطريفة أن الجاحظ قال : مررت بدار خربة ، فإذا بها معلم ، وهو ينبح نبيح الكلاب ، فوقفت انظر إليه ، وإذا صبى قد خرج من دار ، فقبض عليه المعلم ، وجعل يلطمه وبسبه ، فقلت : عرفنى خبره ، فقال : هذا صبى لئيم يكره التعليم ويهرب ، ويدخل الدار ولا يخرج ، وله كلب يلعب به ، فإذا سمع صوتى ظن أنه صوت الكلب ، فيخرج ، فأمسكه .

ومن هذه النوادر التى حكاها الجاحظ عن حمقى المعلمين أنه قال : رأيت معلما فى الكتاب وحده ، فسألته عن الصغار ، فقال : داخل الدرب يتصارعون ، فقلت : أحب أن أراهم ، فقال : ما أشير عليك بذلك ، فقلت : لا بد ، قال : فإذا جئت إلى رأس الدرب اكشف رأسك لئلا يعتقدوا أنك أنا ، فيصفعوك حتى تعمى .

ونحن نضجك من هذه النوادر كلها التى يرويها الجاحظ عن بعض الحمقى من معلمى عصره ، لأنها تفقدنا توازننا العقلى وتغمرنا بلا منطقية مذهلة ، تهز فينا نفس الأوتار التى يهزها المهرجون الهزليون ، فنضحك ونغرب فى الضحك ، بل لعل هذه النوادر تضحكنا بأكثر مما تضحكنا النوادر التى تروى عمن اتخذوا الإضحاك مهنتهم ، فهؤلاء نقرأ نوادرهم ، ونحن نعرف أنهم يريدون أن يثيروا الضحك فينا ، فهو ضحك

مقصود ، قصد إليه أصحاب هذه النوادر . أما هؤلاء الحمقى من المعلمين الذين عاصروا الجاحظ وغير المعلمين ، فإننا نضحك من نوادرهم ، وهم لا يعرفون ، فهم مضحكون لا يشعرون بأنفسهم . ومن هنا تأتى شدة المفارقة ، ويأتى عمق الضحك ، وخاصة إذا كان هؤلاء الحمقى يمثلون لنا جانبا معنويا فى الحياة ؛ فحماقة المعلم والمثقف تضحك أكثر مما تضحك حماقة الجاهل ، لأنه يتسع فيها فقدان التناسب والتوازن فيبرز الخطأ بروزا يذهلنا ، وفى الوقت نفسه يضحكنا ، إذ ترى المعلم الذى يثقف الغش ، ويربيه ، يتخبط كل هذا التخبط ، وكأنما ركبت فيه من حيث لا يدرى خيوط الأراجوز وأسلاكه ، فقد أصبح لعبة الأطفال وطرفتهم ، ولهوهم وتسليتهم ، بل أصبح هزأة وسخرية ، يهزأون منه ويسخرون ، ويخيفونه بعدما كانوا منه يخافون . فالأوضاع قد اغلبت ، والموازين العقلية قد انتكست ، وأصبحنا من حيث لانحتسب بإزاء فوضى من المنطق تفوق كل فوضى ممكنة من الهزل والتهريج .

وهذا النموذج من معلمى الكتاب الذى ضربه الجاحظ مثلا للحمقى والمغفلين ، وما يجرى على أيديهم وألسنتهم من نوادر وفكاهات ، قد أضاف إليه نماذج أخرى من العلماء وأخطائهم والقصاص وأغلاطهم ، ودائما نراه يعرف كيف يعرض ذلك ويستخرج منه المفارقة التى تضحك ؛ فمن ذلك ما رواه عن قاص يسمى سيفويه من أنه أتى بنوع من الحاوى ، فابتلع منه لقمة حارة ، فأغمى عليه ، فلما أفاق قال : لقد مات لى ثلاثة بنين ما دخل جوفى عليهم من الحرقة ما دخل جوفى من حرقة هذه اللقمة . وكانت للجاحظ قدرة عظيمة على تتبع مثل هذه الأخطاء لا فى أقوال الناس وتصرفاتهم العامة فحسب ، بل أيضا فى سلوكهم وأخلاقهم ، وقد استطاع أن يكتب كتابا طويلا فى البخلاء وما يطوون فى بخلهم من نوادر وفكاهات .

وإنا تقدمنا بعد الجاحظ وجدنا التأليف فى حمق الناس وغفلتهم يتسع مع مر الزمن . فقد أخذ المؤلفون يتتبعونهم فى أصناف الناس المختلفين ، من أصحاب حرف ومثقفين ، ووزعوهم على فصول الكتب التى ألفوها فيهم ، ففصل لحماقات المتنبئين ، وفصل لحماقات المحدثين ، وفصل لحماقات القراء ، وفصل لحماقات الفقهاء ، وفصل لحماقات المؤذنين ،

وفصل لحماقات القضاة أو النحاة أو الحكام والولاة . وهى كلها فصول لا نكاد نلم بها فى كتبها حتى نغرق فى الضحك إغراقا . ونكتفى بهذه الحمافة لمؤذن وقاض ، فقد قالوا : إن جماعة شاهدوا مؤذنا يؤذن من رقعة مكتوبة ، فقالوا له : أما نحفظ الأذان ؟ فقال : سلوا القاضى ، فأتوه ، فقالوا : السلام عليكم ، فأخرج دفترا ، وتصفحه ، وقال : وعليكم السلام . فعذروا المؤذن !

وليس من شك فى أن هذه الصفحة من صفحات الفكاهة فى الأدب العربى خليفة بأن يرجع إليها من حين إلى حين من يجهدون أنفسهم فى أعمال عقلية أو جسمية حتى يرفهوا عنها بهذه المشاهد الهزلية .

اشترك في نشرتنا البريدية