الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 605الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب العربى :, صور طريفة من معلقة قديمة، الغزل

Share

لنصغ إلى هذا الصوت الذي يأتي إلينا من بعيد ، من بعيد جداً ، رفيقاً رقيقاً ، ولتصغ إلى هذه الآبيات التي يترنم بها هذا الصوت ، بل لتقبل معى ولتقدم شيئا فشيئا ليكون لنا حظ في الرؤية كما يكون لنا حظ في السماع .

ها هو ذا امرؤ القيس يمضى مع صاحبيه في الفلاة لا يكاد ينبس ببنت شفة ، ولكن ماذا ؟ ما هذا الذي أخرجه عن صمته ودفعه إلى الحديث دفعاً ؛ ها هو ذا ينظر إلى الديار التي أمامه ويطيل النظر ، ويفكر ويطيل التفكير ، ثم ها هو ذا يدعو صاحبيه أن يقفا في هذا المكان ليبكى امرؤ القيس وليبكي صاحباه أيضا إن لم يجدا في البكاء بأساً . ولم لا يكون هذا ، وهم أمام ديار الأحباء الأعزاء . تلك الديار التي انتشرت الظباء البيضاء في ساحاتها الوساع زمناً ما ومواطن الماء فيها ، وهبت عليها ريح الجنوب تارة ، وريح الشمال تارة اخري ؛ فعبثت بمعالمها ، ولكن صورتها برغم ذلك جاثمة في قلبه . باقية في فكره . راسخة بين جوانحه ، لم تبل جدتها ولم تذهب فتنتها....

ثم ها هو ذا امرؤ القيس يذكر لصاحبيه ذلك اليوم الذي ودع فيه صواحبه عند هذه الشجرات الشوكية المعروفة في الصحراء ، ويذكر لصاحبية ما ذرفته عيناه من دمع ، فبدا يوم ذاك كأنه ذلك الرجل الذي يجمع الحنظل من شجره . فعيناه دامعتان من فرط حرارته وحدة عرفه .

ثم ها هو ذا امرؤ القيس يلحق بصاحبيه الذين تقدما عنه بعض التقدم ، وها هو ذا يعيد عليهما أن يقفا وألا يدفعا بنوقهما إلى الأمام ، وان يشاركاه ما يجد من حس وشعور نحو هذه الديار ؛ فقد دعته صواحبه ألا أسف وألا يبأس ، ولكن امرأ القيس برغم ذلك كله يبكي ويبكي . فهو يجد في

الدمعة التي تسيل على خديه متنفساً له من كربته ، ومفرجاً له من همه وغمه . لبيك إذا ما استطاع إلي البكاء سبيلاً ، بل ما استطاع البكاء إليه سبيلاً ، ولكنه لا يريد أن يبكي هو ويضحك صاحباه ولا يريد أن يحزن هو ويفرح صاحباه ، فيدعوهما إلى الانتحاب ! ألا يحلو الانتحاب على الطفل الذي ذهب بعضه وبقى بعضه الآخر ؟ ألا يحلو على الطفل الذي ارتحل عنه الأحبة وقبع فيه خيال الأحبة نشيج البكاء ومسيل العبرات ؟

اكبر الظن أنه يحلو ، فلندع امرأ القيس وصاحبيه يبكون ويعولون ما شاءوا من البكاء والعويل ، ولننتهز هذه الفرصة لنحلل هذه الصور التي أتى بها امرؤ القيس لصاحبيه ولنا أيضا . صورة البكاء هذه صورة معتادة في الشعر الجاهلي ليس فيها جدة وليس فيها خلق . الشعراء الجاهليون يبدأون معلقاتهم أو قصائدهم بالبكاء علي الديار في اكثر الأحابين اللهم إلا عمرو بن كلثوم الذي بدأ معلقته يوسف الحمر ، ثم عاد بعد ذلك في بيت مصرع إلي النسيب وبكاء الديار . ويزعم بعض الرواة أن هذا البيت المصرع هو مطلع المعلقة

ولكني لم اكتب هذا الفصل لأتحدث لك عن عمر بن كلثوم ومعلقة عمرو بن كلثوم ، فقد يكون لهذا كله فصل آخر ، وإنما اكتبه لأتحدث عن معلقة امرئ القيس ، ولأبين لك أيضا أن البكاء على الديار صورة معتادة في الأدب الجاهلي ، بل فيما بعد الأدب الجاهلي كذلك ، فابو نواس الذي لام الشعراء لبكائهم على الديار قد بكي علي الديار قبل ذلك ، ويحضرنى الآن مطلع قصيدة له انشدها في حضرة البرامكة :

أربع البلي إن السكون لبادي

                      عليك وإني لم أخنك ودادي

فالصورة إذا صورة معتادة في الأدب الجاهلي قد أثقلتها هذه الأسماء التى كان يحرص على ذكرها العربي ، بل التي ظل يحرص على ذكرها وذكر غيرها من الأسماء حتى العصر الحديث ، برغم أن الشاعر لم يكن قد رآها ، إنما سمعها سماعاً فانطلق لسانه بالحديث عنها أو الإشارة إليها ، ليحفظ بذلك طابع الشعر العربي .

رأي امرؤ القيس بين انتشار بعر الآرام وحب الفلفل بعض المشابه والملامح فساق هذا التشبيه في معلقته ؛ ولست أدري هل كان هذا التشبيه حبيباً إلي نفس صاحبيه أم لا ؟ ولكن الذي أدريه هو أنى لا أعد لفظة الفلفل هذه لفظة شعرية رقيقة بادق معاني هذه الكلمة ، تحدث في النفس ما يحدث اللفظ الشعرى من جمال وخيال .

ولكن الصورة التى أتت في أعقاب الصورة السابقة قد علنها مسحة من الجمال والخيال ، وهذه المسحة قد أتها من أنها ليست صورة صامتة ، إنما هي صورة متحركة تدفع فكرك إلي التصور والتخيل . فشبه امرؤ القيس نفسه بعد وداع صواحبه بجامع حب الحنظل من الحنظل ، وشبه دموعه المنهمرة بدموع ذلك الرجل ؛ فأنت إذ تذكر هذا تتصور امرأ القيس ينتقل من فاتنة إلى فاتنة ، ينهمر الدمع عندما يسمع كلمة من هذه ويرفا الدمع عندما يلمح بسمة من تلك حتى إذا ما ودع أولئك الفواتن لم يملك جماع أمره ولا زمام قلبه ولا عنان دمعه ، فمضى يبكي غضبان أسفاً يسيل الدمع مدرارا على خديه ، وأنت إذ تذكر هذا تصور أيضا جامع حب الحنظل ينتقل من شجرة إلى شجرة ورائحة الحنظل الحادة تستدر مدارف دمعه حتى إذا انتهى من عمله وتنقله . كثر الدمع في مآ فيه وسال على خدوده ، على حين أن امرأ القيس كان ينتقل بين عيد ملاح وحور حسان ، لا بين أشجار الحنظل ؛ ولكن صورة دموع امرئ القيس من فراق هاتيك الحسان الملاح رائعة حقاً بارعة حقاً ، كصورة دموع جامع الحنظل ، وهذا ما أراده الشاعر .

ويدعو امرؤ القيس صاحبيه بعد ذلك إلي الوقوف ثم إلى البكاء كما قلت آنفا ، وهو لا يعمد في هذه الدعوة إلى تشبيه ،  إنما هو القول يرسله إرسالا ، ولكن ماذا ؟ لقد تركنا امرأ القيس وصاحبيه يبكون ويعولون ، ولعلهم الآن ضاقوا بالبكاء ، والعويل ، وها هو صاحب امرئ القيس يذكره بأن حاله اليوم كحاله بل كعادته في ذررف العبرات على ديار أم الحويرث وجارتها أم الرباب في هذا المكان الذي يطلقون عليه " مأسل " . ولكن ها هو ذا امرؤ القيس تهيجه الذكرى فيصور هاتين الفاتنتين وقد هيئا من مكانهما يفوح منهما عطر عبق جميل أو مسك شذي بديع ، فهو اشبه شئ بنسيم الصبا الوادع الناعم وهو يخطر على أشجار القرنفل فيحمل بين أعطافه فوح القرنفل العاطر ليعطر به الأجواء .

ولكن نسيم الصبا الذي يحمل بين أردانه ريحا القرنفل قد غاب ، وكذلك صاحبات امرئ القيس قد غبن ، وسكبت عينه الدمع عشقاً وشوقاً حتى خضل الدمع نحره وفاض على المحمل الذي يعلق فيه سيفه .

وتغرب صورة أم الحوبرث والرباب من ذهن امرئ القيس لتحل محلها صورة آخري . لتحل محلها صورة يوم جلجل ، صورة ذلك اليوم الذي عقر فيه للعذاري الحسان ناقته فظل العذاري يتهافتن على لحمها الطري وشحمها الشهى الذي بدا كالحرير الأبيض المفتل ، فيسجل امرؤ القيس هذا كله في بيت أو بيتين من الشعر ، حتى إذا ما انتهي من غذائه مضي على ناقته يضرب في الصحراء يجنح إلي هذه ويتشيب بتلك حتى وصل إلى عنيزة وسعى إليها في عقر دارها

وها هي ذي تدعوه أن يمتطي معها ظهر ناقتها فيغتبط امرؤ القيس بهذا ، ولكن ماذا ؟ ها هي ذي عنيزة تداعب امرأ القيس وتدعو عليه في رقة ودعابة ودلال أو تدعو له في زقة ودعابة ودلال . فهي تحبه وتوده قريبا منها لولا أن الناقة لا تستطيع أن تحتملهما ، فتدعوه إلى الهبوط حتى لا يعقر بعيرها كما عقر بعيره

ولكن امرأ القيس كان ينعم بقرب عنيزة ، وأكبر الظن أن عنيزة كانت تنعم بقرب امرئ القيس . والدليل على هذا هو أن امرأ القيس عندما دعاها إلى التخلي عن زمام الناقة صمتت ولم تتكلم ، والمرأة عندما تصمت تريد كما يقول

الفرنسيون وأمرؤ القيس لم يشر إلي حديثها من قريب أو بعيد .

ماذا يقول امرؤ القيس لصاحبته باترى ها هو يميل عليها ويهمس في أذنها . فلنقف إذا عند الصور الرائعة والتشابيه البارعة في أبياته السابقة

امرؤ القيس يعقر للحسان ناقته ، وهذا يتم عن غني وترف ويدل على كرم وسخاء وأمرؤ القيس يشبه شحم المطية بالحرير الأبيض المفتل ، وهذا يدل على غني وترف وكرم وسخاء في التعبير والتصوير كذلك .

وأمرؤ القيس يصور الهودج فوقي الناقة وقد تطوح جهة اليمين تارة وجهة اليسار تارة اخرى ، وصاحبته تدعوه أن ينزل فلا ينزل ولا يحب أن ينزل ، وهو يدعوها أن تقترب فلا تقترب وإن كانت تحب أن تقترب . لولا أنها تملك زمام الناقة في يدها ، فيدعوها أن تدع هذا الزمام إن كان يمنعها من الاقتراب وان تدنو منه علة ينعم بجسدها العاطر ، وعله يجني من خدها وثغرها شيئا كما يجني البستاني من روضه شيئا  . وهذه الصورة جميلة ما في هذا شك ، تصور جمال البادية أبدع تصوير ، وتبين غزل البادية في أجمل بيان . لا تعجبك فحسب ولا تعجبني فحسب ، إنما تعجب الأوربيين والأمريكيين من السياح الذين يرتادون منطقة الأهرام ومنطقة الحفائر ، ويعجبون بالنوق والجمال ويحبون ركوبها حباً جماً مع صواحبهم وخليلاتهم .

وقد أنبأ امرؤ القيس صاحبته بما دار بينه وبين امرأة حبلي وبما كان من إقبالها عليه داخل الدار وامتناع غيرها عنه خارج الدار أو علي سفح الكتيب بتعبير أدق وإمعانها في هذا الامتناع وتشبثها بالقسم الغليظ . فهي واقفة على سفح الكتيب تدل وتمعن في الدل وتتأبي وتمعن في التأبي ، وأمرؤ القيس يضرع إليها ألا تتمن في الدل ولا تسرف في التأبي ، فكأنه روميو عند شكسبير يناجي صاحبته جولييت وهي في الشرفة ، على حين أن صاحبة امرئ القيس تأبي وصاحبة روميو ترضي ، وعلي حين أن صاحبة امرئ القيس قد أخذها صاحبها إلي قمة الكتيب ، وصاحبة روميو قد سعي إليها صاحبها وهي في الشرفة . فيلح عليها امرؤ القيس ويرجو ، ولكن صاحبته ترفض وتعرض ، فيضيق امرؤ القيس بهذا الإلحاح

وينفر من هذا الرجاء ، ويدعو صاحبته مرة أخيرة أن تكون مشفقة بقلبه عطوفاً على حبه ، ولكنها إن اعرضت في هذه المرة ورفضت دعوته وسخطت على خلقه وسخرت من طبعه كان عليها ان تفرق ما بينهما من ود وتشتت ما بينهما من شمل ولا تدع الغرور يملأها لأنها تري حبها في قلبه غائرا وطلبها منه مستجاباً

ولكن صاحبته إزاء هذا كله تبكي ، ولكنها لا تبكي خوفا منه ولا رفقا به ، إنما تبكي لتلهب جذوة الحب في قلبه وتحرك لاعج الغرام بين جانحاته ، ولكى تضرب من عينيها نظرات كالسهام لتصوبها إلى قلبه المفتت . فلنتركها تفعل ذلك مع صاحبها ولتحلل الآيات السابقة ولنقف عند مواضع الجمال ومواطن الفتنة فيها .

صور امرؤ القيس نفسه مع المرأة الحبلي تصويراً فاحشاً فضاحاً لا أحب أن اشير إليه من قريب أو بعيد ، إنما أحب أن أقف وأن تقف معي قليلا عند التصوير الذي يليه ، وهو صورة صاحبة امرئ القيس وهي تدل عليه فيسوق إليها هذه الآبيات :

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل

                 وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي

وإن تك قد ساءتك مني خليفة

                              فسلي ثيابك من ثيابي تنسل

أغرك مني أن حبك قاتلى

                        وأنك مهما تأمري القلب يفعل

ألا تجد في هذه الآبيات رنة موسيقية عذبة ، فهي حلوة الجرس حلوة المعنى تبعث على الترجيح وتدعو إلى التوقيع وتشبه المنظومات في تركيبها . الا تجد في تشبيه امرئ القيس النظرات بالسهام تشبيها مصيباً بارعاً يصور البيئة العربية أصدق تصوير ويعبر عن خصال العربى أصدق تعبير . ولقد كثر في الشعر العربي تصوير النظرات بالسهام حتى العصر الحديث ، فأنت إذا تصفحت ديوان شوقي ومطران قابلت هذا التشبيه مرات متعددة في مناسبات شتى

وقد صور امرؤ القيس بعد ذلك موقفه مع صاحبة له سعى إليها والليل ساج وأنجم الليل قد انتثرت على صفحة

السماء الزرقاء كالزبرجد والخرز الذي يزين الرداء ويفصل بين مقاطعة . سعى إليها في عقر دارها بينما ود الأحراس أن يقتلوه شر قتلة ويطردوه شر طردة ، وصور صاحبته كذلك في ثوبها الجميل الطويل الذي ينساب ذيله على الرمال فيمحو ما تركت أقدامهما من أثر وما خلفته من معالم تساعد على معرفة سبيلهما وتتبع آثارهما . وقد وصف امرؤ القيس صاحبته أوصافاً شتى ؛ فهي نحيلة الخصر ممتلئة الساق ، وهي خفيفة اللحم والدم ييضاء ليست برهلة وليست بمسترخية . قد التمع موضع القلائد في جيدها كالمرآة الصافية اللامعة . وصاحبته حينما تخفض وجهها عنه وتصرف بصرها عنه لا تطيق على هذا صبراً ، إنما تلحظه بين الحين والحين ، وترعاه بنظرها كما ترعى المها أطفالها بنظراتها الفتانة الحناية

وليس من شك في أن امرأ القيس في كل هذه الأوصاف رجل عربي أولاً وقبل كل شئ ، ينتزع أوصافه من بيئته التي يعيش فيها ، إلى جانب أنه رجل مترف قد طوف في الآفاق فاتسع خياله وامتد أفقه الشعرى . كما أن أبياته تدل على جرأته وإمعانه في طلب اللذة والسعي إليها والتعلق بها غير هياب ولا وجل ، لا يحفل بالعواقب ولا يأبه بالنتائج . ولست أدري هل كان امرؤ القيس صادقاً فيما ذهب إليه من قول أم لا ؟ ولكن الذي أعلمه أنه كان رجلاً فاتكا لايتورع عن اقتراف المنكر ، زد على ذلك ما له من جاه وما له من عصبية ترهب منه القوم وتخيف منه الأحراس وتمهد له السبيل

وقد وصف امرؤ القيس المرأة وصفا ماديا حاسيا ، ولكن وصفه يوائم إلى حد بعيد ذوق الرجل العصري الذي لا يزال يحرص على دقة خصر المرأة مثلا لمراقصتها في المراقص ومصاحبتها في المحافل ، كما يحرص على امتلاء ساقها وخفة لحمها وما إلى ذلك من أوصاف . وجملة القول أن هذه الأبيات في هذه المعلقة تعطينا صورة واضحة عن الغزل في الجاهلية ، كما تعطينا صورة من نفسية ذلك الملك الضليل الذي كان يومه خمراً وغده أمرا ، حتى احتدم عليه الأمر ففرح ومات .

اشترك في نشرتنا البريدية