الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 584الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب العربي :, الكويت وحالة الشعر

Share

. . من الشعراء من ينظم الشعر للذة نفسه وإسعاد روحه دون ما نظر إلى تداوله بين الناس ، ومن هذا الصنف معظم شعراء الكويت العربية ، فهم ينشدون الشعر للشعر نفسه حينا ولنفوسهم أحيانا ، إذ يعجب الواحد منهم بتدوين ديوان لأشعاره . ثم هو بعد ذلك يودعه صندوقه لا يريغ أن يطلع عالمه عليه ، ولا يحاول أن يضيف إلى الذخيرة العربية ذرة أو عقدا ، فهو يهرع إليه في ظلمات الليل إذا ألم به أرق ، وهو يحتضنه ساعة فراغه إلى صدره ، لبثه جديدا من الشعر والألحان ، أو ليردد ما على صفحاته من أنغام وأوزان .

وهنالك من الأسباب ما حدا بالشعر الكويتي لأن يكسب هذا الحظ القليل من الشهرة والبحث والإكبار فإن الكويتي بحكم بيئته وفطرته دائب العمل والجد ، فإن كانت لديه الملكة الشعرية اخذ من نظم الشعر حلية يتحلى بها ، وقيثارة يبثها لواعج نفسه إذا هزه الشوق إلى اللحن أو رفرفت حوله الذكريات . . وهذا فريق من شعراء الكويت ، إذ يوجد أفراد على غير هذه الشاكلة . والذي لحظته أن الكويتين يعتبرون من كانت له هبة الشعر بعمله التكسبي الأصل قبل أن يعتبروه شاعرا ، ولعل الشاعر لا حاول أن ينال أكثر من ذلك ، وكل هذا على عكس ما في مصر مثلا ؛ ففيها متفرغون للأدب كما أن الصيغة الأدبية تغلب على صفة العمل التكسبي في الأدباء ، فقد تسأل المصري مثلا عن أدبب معروف ، فلا يعرف عنه إلا أنه أديب ، أما وظيفته في ديوانه ، فهذا ما لا يحس به  وما لا يسعى إلى معرفته في أغلب الأحوال .

ومن هذا نستنتج ميزة جليلة من ميزاث الشعر الكويتي ، فقد خلا من التكلف ، لأنه ليس الميدان الوحيد للشعراء ، ولأنه هو الذي يدفعهم إلي نظمه في وقت فراغهم أو في

فراغ مناسباتهم ، ولأنهم لا يفكرون فيمن عسى أن يستمع إليه أو يبحث فيه .

ويتعطش الشعب الكويتي لكل نتاج جديد من الشعر ، ولا يلاقي الشاعر الناشئ كثيرا من التعب في سبيل الشهرة إذا كان شعره جيدا يستهوي الألباب .

والشعر الكويتي خير ما يعبر عن نفسية الكويتيين . وهذه النفسية قد يستعصى فهمها على عابر . لأن أعظم صفة نصب بها الكويتي الجمود والبرود ، وهم في ذلك يشبهون إلى حد كبير الإنجليز ، وبذلك فالشعر طريق مختصر لا حب لتفهم تلك النفسية الممتعة الدراسة في عالم النفسيات . .

والشعر الكويتي يخلو من السرقات ، وذلك لأن أكثره ، متداول بالرواية على طريقة الشعر الجاهلي ، فيسهل على الكويني ملاحظة السرقة ووضع صاحبها في قفص الاتهام ، وبذلك يخشى كل شاعر أن يسطو على شعر سواه من الشعراء ، ثم إنه لم يتكسب بشعره إلا في النادر ، فلا حاجة به إلى السرقة .

ويمتاز الشعر في الكويت بأنه من خير الأشعار العربية الأخرى من حيث عدم التكرار ووضع كل كلمة ذات معنى خاص بها ، وهو بهذة الميزة أدنى الأشعار العربية إلى الشعر الجاهلي في هذا الصدد ، ولعل ما يجعل ذلك سائدا وسهلاً أن الكويتين يفهمون العربية ، بل ويستعملون في كلامهم بعض الكلمات الفصحى ضمن لهجتهم ، فصار من السهل عليهم أن يتفهموا الأشمار ويرددوها بسهولة ويسر . .

والشعر الكويتي خير ما يمثل لك التطور منذ النشأة إلى الحاضر ، بل ويعدو بك إلى المستقبل ، كما يمثل لك الفكر ونضجه والتأثرات التي طرأت في ذلك الفكر ، ولو هيئت له الحرية التامة لرأيته صورة صريحة للنفس لا شيبة

فيها ولا خدش بها ، وهذه الصراحة هي ميزة من ميزات نفسية الشعب الكويتي .

ويستفيد الشعر في الكويت من كل نهضة حوله ، ويتلون حيث أثر فيه الجديد ، فهو أميل إلى التجديد دائما ؛ وتلعب النهضة الأدبية في مصر دورها الخطير في هذا التلون والاستفادة في الشعر الكويتي ، كما تلعب فيه النهضة الأدبية في العراق والمملكة السعودية وسوريا والبحرين ؛ ولعل الشعر في الكويت يفيد أهله في هذا الصدد أكثر مما يفيدنا الشعر في مصر والعراق مثلا ؛ ذلك لأن الشعر الكويتي يستفيد من النهضة التي تدلف في قطره ، وتزيده استفادته من النهضات العربية الحاضرة إفادة لبيئته ؛ ولتبيان ذلك أقول : إن الشعر في مصر مثلا لا يتأثر بنهضة الكويت أو البحرين أو الحجاز بقدر ما يتأثر الشعر الكويتي بها وبالنهضة المصرية الأدبية ؛ وذلك لأن هذه النهضة الأدبية في مصر من المكانة والمتانة بحيث تلهي الشعر في مصر عن أن يتجه صوب الأشعار الأخرى ليتلون منها إلا قليلا ، كما أن الشعراء الكويتيين أكثر من سواهم اهتماما بتتبع تلك النهضات العربية المجاورة وجني ثمارها ناضجة يانعة . .

ومن عوامل رقي الشعر في الكويت انتشار الثقافة والعلم ذلك الانتشار الواسع وتعدد المدارس وملاقاة التشجيع والبيئة الخصبة لتلقي كل ما ينتجه الخيال لتحويله إلى الحقيقة ، وما تنتجه الحقيقة لتحويله إلي التطبيق العملي ، كما لا ننسى أن لسم امير الكويت اليد الطولى في تشجيع الشعر على النهضة والرقي . .

والإتزان والمغالاة ميزتان كثيرا ما نلقاهما في الشعر العربي المعاصر ، وهما يظهران بجلاء في الكويت ، بيد أن المغالاة أتت من الشعراء الذين اندمجوا في الحضارة والنهضة العربية الخارجة عن بلدهم ، فصدمهم الإعجاب بها للانفجار كالبركان ، كما لا ننسى أن هذا الفريق المغالي أغلبه من جمهرة الشباب ، وللشباب حيوية فيها بعض الطيش والاندفاع وفيها قوة وحرارة ، ولو تمعنا في الطيش والاندفاع والقوة والحرارة في شعر الشباب الكويتي ، لعرفنا ان الكويتي

دائما يكسب حماسته شيئا من الرزانة والتعقل ،ريخ حرارة الشباب أن تميتهما فيصطرعان ولا يصرعان ، ومن ثنايا هذا الصراع نشأت السياسة الشعرية التوجيهية التى يقلب بها شعر الشباب السكويتي الدنيا رأسا على عقب ثم لا تستطيع أن تأخذ عليه مأخذا . .

والمناسبات مسرح منبسط لنتاج الشعر الكويتي ، فيها تشحذ الألسنة ويهبط الوحي وتتغنى الشفاء ، ومن الشعراء الكويتي من يقتفي أثر شاعر مجيد وبدلف على منهاجه ، ومنهم من يعدل خطته ، ومنهم من يجدد ومنهم من يجنح إلى القديم ، ولو قورن الشعر في الكويت بشعر جزيرة العرب لكان له مكان مرموق ؛ ومع أن الكويت متصلة باللغة الهندية والفارسية وسواها من اللغات الأجنبية ، إلا أن ذلك ثم يكن له أثر بين في الشعر هنالك ، ولكن أثره بدا جليا في اللهجة الكويتية ، وبالتالي في الأدب الشعبي وإن كان طفيفا وقد ساعدت الفطرة شعراء الكويت كل المساعدة ، وأذكر أنه منذ أعوام طغى الشعر في الكويت على النثر حتى كانت الخطابات الودية بين الخلان والخطب الرنانة في المجتمعات كلها قصائد شعرية من الجزل المتين ، وقد اتخذ بعض الدجالين الذين رزئت بهم الكويت فيما مضي من الشعر سبيلا لتمويه العقائد والمذاهب والمدارك ، مرتكنين على ما للشعر من أثر وتأثير في النفوس .

والشعر الحديث في الكويت شعر ينتزع من بين الأشعار العربية مركزا ساميا ؛ فقد لفظ الأغراض التافهة ، وانخرط في سلك رائع تحوم حوله حمائم القوة وتسنده ألسنة الشباب وترضعه أثداء المدنية وتمده النهضة والنضج العقلي بروح الثورة وروح الحياة

ولم يبد الشعر الكويتي كله جانحا إلى نواحي القوة والحماس ، بل إن هنالك تحت سماء الكويت شعراء بؤساء ، أرضعهم البؤس لبنا ، وغذاهم اللبن بؤسا ، فسكبوا الدمع الهنون ، وجاش صدورهم بأحاسيس الشقاء . واندلعت السنتم وقد أحرقها جدار الفاقة لتقول شعرا دامعا (حافظي) البؤس تثخنه الجراح . .

. . ولم تكن في مؤتنف نشأة الشعر الكويتي وسائل

حديثة للذيوع والانتشار والانتقاد ، فكان يدلف على الطريق الذي رسمته الشاعرية العربية في الجاهلية عن طريق الرواة وغيرهم ، حتى قبض الله للكويت تلك النخبة الكريمة التي ألفت (النادى الأدبي الكويتي ) منذ سنوات ليست بالكثيرة ، يحتشد فيه نوابغ الشعراء والأدباء والعلماء ليلقوا المحاضرات وليضربوا بأناشيدهم وشعرهم على أوتار القلوب ، فنهتز من ثمل ، وتتحول الأبصار في أنحام النادي تبحث عن عملة الثمل ، فإذا بها في الألسنة المشحوذة والشفاء المتلاعية تتفتح وتنطبق على خمر تستلذ منها الأذان عن طريق السماع لا التقبيل . .

وفاحت من النادي الأدبى هذه النفحات ردحاً من الزمن ، ثم انمحي لبذر اسواء من الوسائل سبيل البدو إلى معترك الحياة ، وتكونت على أنفاضه (الديوانيات)  أي (الصالونات) ، وفي كل ديوانية منها يجتمع فريق من الأدباء والشعراء ليتدارسوا كتب الأدب وليتغنوا بأغاريد

شعرهم ، فيتناشدونها وتسري مسري البرق في أوساط الكويت .

والملحوظ أن النهضة والحركة الفكرية حينما تطرقت إلي الحياة الكويتية سرعان ما تغلغلت في أعماق الشعر الكويتي ، ولتبيان ذلك تحليل نفساني فقد هاجر آل الصباح من موطنهم حتى استوطنوا الكويت ونعموا بها ووجدوا في دف السعادة والاستقرار ، فاصطدمت نفوسهم تلك النعمة والفرحة وألفوا أنفسهم يتنسمون الحرية ، فانتقلوا بذلك من حياة إلى حياة ومن مسئولية إلى مسئولية ، وانطبعت النفوس الكويتية بطابع التشوق للانتقال من الحمول إلى النشاط ومن الموت إلى الحياة في لحظات سريعة ؛ وذلك لأن هذا الانقلاب الذي ذكرته في حياتهم لم يستلب من الأيام دهورا عديدة ، وإنما كفنه الأعوام الطفيفة

اشترك في نشرتنا البريدية