الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 580الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب العربي, نصر بن سيار

Share

حينما عبست الأيام للأمويين ، وتخلى عنهم الحظ ، وماجت بهم الفتن ، واشتعلت نيران الثورة في كل ناحية من نواحي ملكهم العريض ، وتنكر لهم الصديق ، ولم يرع عهدهم الولي ، وتهاوت معاقلهم النبعة ، وتوالت الهزائم على جيوشهم ، كان يقف إلى جانبهم وبثبت في صفوفهم رجل كالطود الراسخ ، وهذا الرجل هو نصر بن سيار حاكم الإقليم الذي هبت عليهم من نواحيه العاصفة العاتية ، وأصابتهم من جوانبه الضربة القاضية ، وهو خراسان .

ولد نصر في سنة ٤٦ هجرية في عهد خلافة معاوية ، وكان أبوه سيار من رجال مصعب بن الزبير ، وقد اتهم أبوه بسرقة عيبة ، وقطعت يده فكان يقال له الأقطع ، وطالما عير نصرا أعداؤه بهذه الهفوة التي ارتكبها أبوه ؛ وربما كان من البواعث التي حفزت نصرا علي حب المخاطرة والرغبة في ابتناء المجد ونيل المكانة السامية حرصه علي أن يرحض عن أسرته هذا العار ، ويستنقذها من سوء القلة والهوان . ولا تزودنا المراجع التي يمكن الاعتماد عليها بمعلومات عن نشأة نصر ؟ ولكن علاقة أبيه بمصعب بن الزبير الذي كان حاكما للعراق من قبل أخيه عبد الله تميل بنا إلي ترجيح أن نصرا كان عراقي النشأة ، وترجيح سلسلة نسبه إلي بطن من بطون كنانة ، فهو مضري سليب وقد تلقى نصر الدراسة التي كان يتلقاها أمثاله في ذلك العصر ، وهي دراسة الفقه الإسلامي والأدب ؛ وكان لنصر ملكات أدبية ممتازة ، ولكنه لم يكن بطبيعته ميالا إلي حياة الفكر والتأمل أو الانقطاع للشعر والكتابة . كان رجلا طموحا جم الحيوية محبا للسيطرة والنفوذ ، وقد وجد منفذا لنشاطه في الانضمام إلي جيش الفاتح الكبير والفائد المقدامة قتيبة بن مسلم الباهلي الذي اختاره الحجاج

لولاية خراسان ، وهو الذي وثب من خراسان لغزو بلاد ما وراء النهر ، وأوغل في بلاد الترك حتى وصل إلى حدود الصين . وفي سنة ١٠٦ هجرية اشترك نصر مع مسلم بن سعيد الكلابي أمير خراسان في غزو فرغانة ، ولما تقاعدت قبيلتا ربيعة والأزد عن مناصرة مسلم اعتمد على نصر في محاربتهما وارغامهما على طاعته والانضواء تحت رايته ، وقام نعم بأعباء هذه المهمة مما عرف عنه من حماسة وكفاية وشدة ومضاء . ثم استعمل خالد القسري حاكم العراق أخاه أسد بن عبد الله على خراسان ، وأبلى نصر بلاء حسنا في محاربة خاقان الترك مع أحد القسري ولكن اسدا كان شديد التعصب لليمنية متحاملا علي المضربة ، فلم تشفع لنصر عنده مواقفه المشرفة وحسن بلائه ، وأساء معاملته وضرب هو ونفرا معه بالسياط ، وحلقهم وسيرهم إلى أخيه خالد ، وكتب إليه أنهم أرادوا الوثوب به ؟ وقد أثار ذلك خاطر الشاعر الفحل الفرزدق ، وكان من المعجبين بنصر ، القادرين لبطولته ، فقال منددا يخالد القسري :

أخالد لولا الله لم تعط طاعة

ولولا بنو مروان لم يوثقوا نصرا

إذا للقيم عند شد وثاقه

بني الحرب لا كشف اللقاء ولاضجرا

ولم يرض هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي حينذاك عن سياسة أسد في خراسان ، وكتب إلى أخيه خالد بعزله فرجع أسد إلى العراق في سنة ١٠٩ ، واستعمل هشام أشرس بن عبد الله السلمي واليا على خراسان ؛ وقد رد أشرس لنصر اعتباره ، واختاره واليا على بلخ . وظل نصر واليا عليها حتى عزله عن ولايتها الجنيد حينما ولى خراسان ، واستعان به في محاربة الترك في ما وراء النهر ، وحضر نصر

مع الجنيد وقعة الشعب التي كاد الترك أن يهزموا فيها جيش المسلمين الفاتحين ، وأبلى في هذه الوقعة بلاء حسنا ، وذكرها في شعره فقال :

إني نشأت وحسادي ذوو عدد

يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا

إن تحسدوني علي مثل البلاء لكم

يوما فمثل بلائي جر لي الحسدا

يأبى الإله الذي أعلى بقدرته

كعب عليكم وأعطي فوقهم عددا

هلا شهدتم دفاعي عن جنيدكم

وقع القنا وشهاب الحرب قد وقدا

ومدحه أحد الشعراء المعاصرين له بهذه الآيات ، وقد أشار فيها إلى مواقفه في وقعة الشعب فقال :

يا نصر أنت فتى نزار كلها

فلك الآثر والفعال الأرفع

فرجت عن كل القبائل كرية

بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا

يوم الجنيد إذ القنا متشاجر

والبحر دابر والخوافق تفع

ما زالت ترمهم بنفس حسرة

حتي تفرج جمعهم وتصدعوا

فالناس كل جسدها عتقاؤكم

ولك المكارم والمعالي اجمع

وأعيد نصر إلى ولاية بلخ . ولما ولي أسد بن عبد الله خراسان للمرة الثانية في سنة ١١٧ هجرية اشترك نصر معه في إخماد ثورة الحارث بن سريج الذي خلع طاعة الأمويين وانضم إلى الأتراك واستعان بهم . وكان أسد يستشير نصرا ويستنصحه ويعمل برأيه ويقبل نصيحته . وفي سنة ١٢٠ مات أسد حاكم خراسان وعزل أخوه خالد من ولاية العراق وأسندها هشام إلى يوسف بن عمر الثقفي ، وكان هذا الرجل غريب الشأن عجيب الأطوار ، ومزيجا من القسوة والتعصب والخبث والآثرة . وأراد الخليفة هئام أن يختار حاكما لخراسان ، فكتب إلى يوسف يأمره أن يوجه إليه رجلا له علم غرراسان وأحوالها . فأرسل يوسف إليه

عبد الكريم بن سليط . ولما دخل عبد الكريم على هشام وسلم عليه بالخلاقة دارت بينهما هذه المحادثة

هشام : من أنت ؟ .

عبد الكريم : أنا عبد الكريم بن سليط بن عطية الحنفي

هشام : كيف علمك بخراسان وأهلها .

عبد الكريم : أنا بها جد عالم ، وقد أرسلني إلى يوسف جعفر بن حنظلة البهراني لأخبره بما حدث في خراسان .

هشام : إني أريد أن أولي أمرها رجلا من القواد الذين هم مرتبون بها ، فمن ترى أن أولي أمرها منهم ! وأيهم أقوم بها ؟ .

عبد الكريم : يا أمير المؤمنين ، أين أنت عن رجل من قوادها ذي حزم وبأس ومكيدة وقوة ومكاتفة من قومه ،

هشام : ومن هو ؟ .

عبد الكريم : جديع بن علي الازدي المعروف بالكرماني

هشام : وكيف سمي بالكرماني ؟ .

عبد الكريم : سمي كذلك لأنه ولد بكرمان ، فقد كان أبوه مع الهلب عند محاربة الأزارقة فولد هذا هناك .

هشام : لا حاجة لي في اليمانية ( وكان هشام قد بدأ يبغض اليمانية ويتحول عنهم إلى المضرية ) .

عبد الكريم : يا أمير المؤمنين فأين أنت من المجرب البطل النافذ المسن ؟

هشام : ومن هو ؟

عبد الكريم : يحيي بن نعيم .

هشام : لا حاجة لي فيه ، إن ريعة لا تسد بها الثغور .

عبد الكريم : يا امير المؤمنين عليك بالكساجد اللبيب الكامل الحسيب ، عقيل بن معقل الليني . ولمح عبد الكريم أن هشاما قد لاحت على وجهه علامات القبول ، فاسترسل يقول : هو يصلح إن اغتفرت فيه هنة .

هشام : ما هي هذه الهنة ؟

عبد الكريم : ليس بعفيف

هشام : لا حاجة لي فيه .

عبد الكريم : المجشر بن مزاحم السلمي ، عاقل شجاع له رأي مع كذب فيه .

هشام : لا خير في الكذب .

عبد الكريم : هناك ذو الطاعة لكم المستمسك بعهدكم المقتدي بقدوتكم محي بن الحضين .

هشام : ألم أخبرك أن ريعة لا تسد بها الثغور ؟

عبد الكريم : الكامل النافذ البطل الشجاع فطن ابن قتيبة بن مسلم ، إن اغتفرت منه هنة .

هشام : وما هي ؟ .

عبد الكريم : لا آمنه أن أفضى إليه السلطان أن يطلب جنود خراسان بدم أبيه قتيبة ، فإنهم جميعا تضافروا عليه

هشام : لا حاجة لي فيه .

عبد الكريم : فأين أنت يا أمير المؤمنين من العفيف المجرب الباسل المحنك نصر بن سيار إن اغتفرت منه خصلة ؟ .

هشام : وما هي ؟ .

عبد الكريم : ليست له بخراسان عشيرة من جنودها ، وإنما يقوي علي ولاية خراسان من كانت له بها عشيرة من جنودها .

هشام : وأي عشيرة اكثر مني لا أبالك ! ) والتفت إلي غلام له وقال ( : " ياغلام انطلق إلى الكتاب فمرهم بإنشاء عهده وائتوني به " .

ولما تمت كتابة العهد دفعه إلي عبد الكريم وأمره أن يحمله إلى خراسان .

وأحسن نصر الولاية والجباية في خراسان ، وعمرت خراسان عمارة لم تعمر قبلها حتى قال بعض الشعراء :

أضحت خراسان بعد الخوف آمنة

من ظلم كل غشوم الحكم جبار

لما أتى يوسفا أخبار ما لقيت

اختار نصرا لها نصر بن سبار

وغزا نصر ما وراء النهر ، ورأى أن يحسن السياسة ليثبت أقدام المسلمين في هذه الأنحاء ، فوعدهم يكشف المظالم ورفع الحزية عمن أسلم منهم . وأعاد الكرة في غزو الترك وارتفع إلى فرغانة وأمعن فيها ، وتقدم منها إلى بلاد الشاش فتلقاه ملكها بالصلح ، واشترط عليه نصر إخراج

الثائر الشهير الحارث بن سريج من بلاده ، فأخرجه إلى فاراب .

وكان نصر لا يرجع إلى رأي يوسف حاكم العراق في شئ فساءه ذلك وحاول أن يفسد ما بينه وبين هشام ، واغتنم قدوم معن بن أحمر من قبل نصر ، وكان معن يريد زيارة هشام بعد زيارته العراق ، فقال له يوسف : " أيغلبكم الأقطع على سلطانكم ؟ " وأخذ يحرضه على نصر وأوصاه أن يقع فيه عند هشام ، والظاهر أنه مناه الأماني ووعده الوعود ؛ فما دخل على هشام قال له في عرض الحديث عن خراسان : " جند خراسان لهم طاعة ونجدة ، ولكن ليس لهم قائد " ! فعجب هشام وأجابه : " ويحك وماذا فعل نصر ؟ " فأجابه معن : " إن نصرا له يأتي ورأي ولكنه لا يعرف الرجل ولا يسمع صوته حتى يدنى منه ، وما يكاد يفهم منه من الضعف لأجل كبره " .

وكان أحد رجال الوفد القادم من خراسان حاضرا ولم يعجبه كلام معن فقال لهشام : لقد كذب والله معن ، إن نصرا ليس بالشيخ يخشى خرفه ولا الشاب يخشى سفهه ، بل هو المجرب ، وقد ولي عامة ثغور خراسان وحروبها قبل ولايته .

فأدرك هشام أن قول معن من وضع يوسف بن عمر ولم يلتفت إلي قوله . وهكذا أخفقت دسيسة يوسف ولم يستطع زحزحة نصر عن مكانته التي نالها بجهوده الجبارة ودأبه المتواصل .

ولما مات هشام وخلفه الوليد بن يزيد ، استأنف يوسف جهوده لعزل نصر عن خراسان ، واشترى من الوليد نصرا وعماله ، فرد الوليد إلى يوسف ولاية خراسان ؛ وكتب يوسف إلى نصر يأمره بالقدوم عليه مع أفراد أسرته ، وكتب الوليد إلى نصر يأمره بأن يستحضر له معه من خراسان برابط وطنابير وأباريق ذهب وفضة ، وان يجمع له كل صناجة بخراسان وكل باز وبرذون قاره ، ثم يسير بكل ذلك بنفسه في وجوه أهل خراسان ، وألح يوسف على نصر بالقدوم واستحثه ، فسار نصر إلى العراق ؛ فبينما هو يسير إلى العراق وافته أنباء مصرع الوليد ، فعاد أدراجه إلى خراسان . وساءت الأحوال بعد قتل الوليد واشتدت الخصومة بين اليمنية والمضرية ، واضطربت أحوال الدولة

الأموية اضطرابا شديدا مكن دعاة العباسيين من استغلال الموقف واغتنام الفرصة ؛ وابتلى نصر بثورة الكرمان وخروجه عليه ووثوبه به . وأزر الكرماني ال الثائر الخطير الحارث بن سريج ، ولم يغب عن عين نصر المبصرة ملابسات الموقف . ولما أفضت الخلافة إلى مروان بن محمد أبقى نصر حاكما على خراسان ، وشغل مروان بمحاربة الخوارج والخارجين عليه في بلاد الشام ، وقوى أمر أبي مسلم واشتد ساعده ، وتكاثرت جموعه ، ولاح لنصر شبح الخطر الرهيب ، فأرسل إلى مروان أبياته المشهورة محذرا ومنذرا ، وهي أبيات قوية التصوير بعيدة التأثير يقول فيها :

أري خلل الرماد وميض جمر

وبوشك أن يكون له ضرام

فإن النار بالعودين تدكى

وأن الحرب أولها كلام

فإن لم يطفها عقلاء قوم

يكون وقودها جثث وهام

فقلت من التعجب ليت شعري

اأأيقاظ أمية أم نيام

ولما تلقى مروان هذا الإنذار الصريح والاستغاثة الصارخة كتب إلى نصر يقول : " إن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب فاحسم التأول قبلك" فقال نصر لرجاله : " أما صاحبكم فقد اعلمكم أن لا نصر عنده ؟ . وأراد نصر أن يستعين بيزيد بن هبيرة والي العراق فكتب إليه بهذه الأبيات البليغة :

أبلغ يزيد وخير القول أصدقه

وقد تيقنت أن لا خير في الكذب

أن خراسان أرض قد رأيت بها

بيضا لو افرخ قد حدثت بالعجب

فراخ عامين إلا أنها كبرت

لما يطرن وقد سريان بالزغب

إلا تدارك يخيل الله معلمة

الهين نيران حرب أيما لهب

فاكتفى يزيد بأن يكتب إليه قائلا : " لا تكثر فليس لك عندي رجل " .

وهكذا تخلى عنه الخليفة وأكبر ولائه وتركاه ومصيره . وقد اضطر نصر إلى الفرار من خراسان . وكانت جيوش آبي مسلم تطارد هذا الشيخ الطاعن في السن من مدينة إلى مدينة من مدن خراسان ، وهو مع ذلك يقاوم في تقهقره ، ويعمل على إيقاف تقدم رجال أبي مسلم حتى قدم مدينة الري ، وأقام بها يومين ، ثم اعتراه المرض فكان يحمل حملا فلما بلغ ساوة أدركته الوفاة وأراحته من هذه المطاردة القاسية المرة ، والملاحقة التي لا تني ولا ترحم ، وكان قد شارف الخامسة بعد الثمانين

وقد هز مصرع نصر الشاعر المطبوع أبا العطاء السندي فرثاه بهذه الأبيات المؤثرة التي يقول فيها :

فاضت دموعي على نصر وما ظلت

عين تفيض على نصر بن سيار

يا نصر من للقاء الخيل أن لفحت

يا نصر بعدك أو للضيف والجار

الخندق الذي يحمي حقيقته

في كل يوم مخوف الشر والعار

والقائد الخيل قبا في أعنتها

بالقوم حتى تلف الغار بالغار

من كل أبيض كالمصباح من مضر

يجلو بسنته الظلماء المساري

ماض على الهول مقدام إذا اعترضت

سمر الرماح وولئي كل قرار

إن قال قولا وقتي بالقول موعده

إن الكتاني وأف غير غدار

وكأنما كانت حياة نصر موصولة بحياة الدولة الأموية التى وفي لها وأبلى في الدفاع عنها ؛ فقد ولد بعد ميلادها بأعوام قلائل ، ومات قبل أن يتقلص ظلها بأشهر معدودات . وقد كان هذا الرجل الذي افنى زهرة عمره في الجهاد جديرا بميتة أكرم من هذه الميتة ، ومصيرا أكثر إسماحا من هذا المصير ، ولكنها مشيئة الأقدار ، ولا مرد لمشيئتها ولا دافع لقضائها .

اشترك في نشرتنا البريدية