لقد ترعرع الأدب الانكليزى ونما نموا عجيبا فى الثلث الأول من القرن التاسع عشر ، ولا عجب ففيه بزغت نجوم سكوت وبايرن وكولردج وكيتس وشلى ولام ووردزورث . وكان النتاج الأدبى لهذه الفئة متنوعا ، بدأ به وردزورث وكولردج اللذان وضعا مبادئ رد الفعل للأدب السابق المتأخر ، وأثرا على من تبعهما من الأدباء مع أنهما ظلا دون شهرة مدة طويلة . أما سكوت وبايرن فقد سبقا فى الشهرة وذياع الصيت بين جميع الطبقات ، فتمكنا من تحويل الرأى العام والذوق الأدبى من الشعر الرزين والأدب الواقعى إلى الشعر الخيالى والأدب الرومانتيكى .
أما والتر سكوت فهو من قبيلة اسكتلندية قضى أيام صباه بين مناظر اسكتلندة الجميلة ، وكان يسلى نفسه بقراءة الكتب المتنوعة . ولما شب وترعرع تعلم القانون لكنه لم يندفع إليه بميل ، وإنما ثابر على القراءة وخصوصا قراءة قص الحدود أى الوقائع التى كانت تحصل على حدود انكلترا وأسكتلندة ، ثم بدأ تأليف القصائد والروايات منذ ١٨٠٥ ،
واشتهر على الأخص منذ ١٨١٤ حين نشر رواية وافرلى التى ذاع صيتها فى أنحاء الإمبراطورية ، وصارت روايات سكوت تترقب باهتمام من قبل القراء كما لو كانت بشائر النصر . ومع أن حقوق التأليف لم تكن معروفة فى تلك الأيام إلا أن الأرباح الطائلة جعلت سكوت غنيا فعاش عيشة الأمراء وشغل مراكز عالية ؛ منها أنه كان عمدة مدينة سلكرك وكان فرحا بهذا المركز لا لما يناله من الرواتب ولكن لاستطاعته
الاتصال بالشعب والتعرف إلى خصاله ، ولم يقعده ذلك عن متابعة التأليف بجد ونشاط
واشتهر سكوت بكثرة إنتاجه ، فكان يكتب نحو مجلدين كل عام ، وساعده على ذلك تنظيم أوقاته ونهوضه مبكرا حيث كان يكتب فصلا كاملا قبل الإفطار . وقد بلغ من أرباحه أنه كسب من تأليفه نحو ٢٨ ألف جنيه فى عامين ، لكنه كان مسرفا شديد الإسراف ، واشترك مع الناشرين فى نشر مؤلفاته ومؤلفات غيره حتى بلغ دينه فى عام ١٨٢٦ نحو ١٤٠ ألف جنيه فقابل الصدمة برباطة جأش وأخذ يكد ويؤلف ليسد العجز حتى أنهك قواه ، وفى خلال ذلك توفيت زوجته وأصيب بنكسات عائلية لكنه عاش سبع سنوات فى عمل شاق تمكن فى خلالها من تسديد ٩٠ ألف جنيه ثم سدد باقى المبلغ من التأمين والنشر ، وهكذا انتهت حياة سكوت بمأساة مروعة .
والمعروف عن سكوت من الناحية الأدبية أنه قصصى بارع ، وإن لم يكن كاتبا مسرحيا ، ترك لنا كثيرا من القصص نظما ونثرا . فإذا بحثنا عن عبقريته الشعرية نجد من خصائصها الميل إلى الأسلوب القصصى ؛ فهو من هذه الناحية قد أحيا أسلوب تشوسر الذى اختفى نحو أربعة قرون . وكان يرى أن التعمق فى القصيد والغوص لاستخراج المعانى الغامضة والتشابيه والاستعارات والتنميقات اللغوية لا ضرورة لها لأنها تضيع وقت الكاتب والقارئ . ومع هذا فيجب ألا نهضم الشاعر حقه ، لأنه فى كثير من الأحيان قد أخرج
للأدب الانكليزي قصائد رائعة ذات معان عميقة . وكان يحاول تقليد شكسبير ، غير أن النقاد من الأدباء أخذوا عليه اختياره لشخصيات رواياته فجعلهم أناسا مثاليين أصابوا فى تصرفاتهم ، وأحكموا تدابيرهم مما جعلهم غير جذابين للقراء . خلاف شكسبير الذى كان يدخل فى رواياته أشخاصا فيهم شذوذ وغرابة تلفت النظر وتثير الضحك والاستهجان .
ويرى بعض الأدباء أن سكوت تمكن من استخراج رواياته من بطون التاريخ ، فعرض علينا صفحات من التاريخ كأنه أحياها على شاشة سينمائية ، وصور لنا فى الوقت نفسه أساليب الحياة فى عهده تصويرا رائعا . وامتاز سكوت أيضا بأنه أقل الكتاب تصويرا للوقائع الغرامية والاعتماد عليها فى رواياته ، وأنه من أكثر الكتاب اعتمادا على علم النفس العقلى ومعرفة للطبائع البشرية بما فيها من خير وشر وهو محب لقصص الفروسية والبطولة
وأريد هنا أن أقدم ترجمة لثلاث قصائد متنوعة ، أولاها أغنية رثائية يقول فيها :
" لقد ذهب فى وسط الجبال ففقدته الغابة هو كالنبع يفيض ماؤه فى الصيف عندما تشتد الحاجة إليه لكن النبع يعود إلى الظهور بعد أن يستعير ماء المطر أما " دنكان " فلن يطلع عليه فجر يوم جديد ولن يثلج صدرنا برؤيته يد الحصاد تختار السنابل الناضجة غير أن صوت البكاة تندب الرجولة فى أوج شبابها ورياح الخريف الهوجاء تسقط أوراق الشجر الذابلة الجافة
غير أن زهرتنا التى قصفتها يد المنون كانت فى ريعانها لقد كان سريع الوثوب إذا دعا داعى الغوث وصائب الرأى فى وقت الشدة ومخضب اليد فى ميادين الوعى ولكن يا له نوما عميقا يرقد فيه الآن .
إنه كماء الطل على سفح الجبل ، أوكالزبد على وجه الغدير وكفقاعات الماء عند فم النبع زال من الوجود بسرعة وللأبد
وفى قصيدة ثانية يصف منظرا طبيعيا رائعا ، لكنه كان فى أيام بؤسه وإفلاسه فلم تستسغ نفسه ذلك المنظر ولم يبهره ذلك المشهد على روعته كما يظهر من قوله :
" أرى الشمس تنحدر على سفح تلة " وردلو " لتغيب وراء وادى أترك
والريح الغربية هادئة لا صوت لها ، والبحيرة ترقد نائمة عند أقدام التلة
غير أن هذا المنظر لجلال روعته لا يحمل بين طياته تلك الألوان البراقة والجاذبية الخلابة التى كان يحملها فى
زمان سلف وعهد غبر مع أن يد المساء تطلى بوهيجها شاطئ أترك فتكسبه صبغة أرجوانية
ألقيت نظرة على ذلك السهل لأرى تيار نهر " نويد الفضى ينساب متماوجا فى مجراه ، وأنقاض هيكل " ملروز " قائمة فى كبرياء إلى جانب البحيرة الوادعة
لكن الهواء العطرى والتلة والغدير والبرج والشجر ، مالى أراها تبعث الملل
فهل هى كما كانت بالأمس أم أن التغير هذا فى نفسى فقط
ويلاه كيف يمكن للوح المقوس المحطم أن تزخرفه يد الدهان
وكف يمكن للقيثارة ذات الأوتار المتشنجة غير المنسجمة أن تتناسق أنغامها مع صوت المطرب الشادى .
وهكذا كل منظر رائع تتضاءل روعته فى نظر العين الموجعة
وكل نسمة عليلة من الهواء اللطيف تبدو للمحموم زوبعة قارسة
وكل عرائش البادية وجنات عدن قاحلة كهذا النظر فى نظرى .
وحتى لا نغفل الشعر القصصى أقدم ترجمة قصيدة قصصية قصيرة بعنوان لكنفار يصف فيها مغامرة فارس عاشق فيقول :
لقد قدم لكنفار الشاب من الغرب على جواد أصيل لم يخترق الحدود الاسكتلندية ولم يكن لديه من السلاح سوى سيفه العريض البتار ، وهكذا جاء وحيدا أعزل بقلب مفعم بالحب الصادق ، فلم يكن ثمة فارس مغوار بلغ من الجرأة ما بلغه لكنفار .
لم تعقه فى سيره غابة كثيفة أو صخرة عاتية ، بل إنه عبر نهر الإسك وهو خال من المخاضات ، ولكنه برغم ذلك جاء متأخرا ؛ لأنه قبل أن يصل إلى باب قلعة " نذربى كانت عروسه قد وافقت على الزواج من خطيب متخاذل ذى همة خائرة فى ساحة الوغى وميدان الغرام ، فكان وصوله يوم زفاف عروسه الشقراء " إلن " على ذلك الوغد .
اقتحم لكنفار ساحة القلعة بجرأة منقطعة النظير وسط أقارب العروس . أما العريس فإنه لم ينبس ببنت شفة ، فتقدم لمخاطبته والدها وقد وضع يده على مقبض سيفه : هل قدمت إلينا فى حرب لتقاتلنا ، أم فى سلم لتشاطرنا الأفراح ؟ .
فأجابه لكنفار : لقد خطبت ابنتك منذ عهد بعيد وكنت ترفض ذلك ، وحيث إن الحب كالنهر فى مد وجزر ، فإنى قد جئت بعد أن تراجع حبى لأحظى برقصة واحدة وأرشف كأسا واحدة من الخمر ، إذ هناك فى اسكتلندة فتيات كثيرات يفقن " إلن " جمالا ويرغبن من أعماق قلوبهن فى الزواج من لكنفار الشاب .
وما إن قبلت العروس كأس النبيذ حتى تناولها الفارس لكنفار وجرعها جرعة واحدة ، وألق بالكأس جانبا فطأطأت العروس وجهها الذى احمر خطلا ، ثم نظرت إلى الأعلى وهى تتنهد . وبينما كان الدمع يترقرق فى عينيها والإبتسامة تعلو شفتيها أخذ لكنفار بيدها ليراقصها قبل أن تتمكن والدتها من الحيلولة بينهما .
وكانت رقصة ممتعة لم تشهد صالة مثيلا لها ، لأنها جمعت بين فتاة فاتنة وفارس رشيق رقص كلاهما بينما كانت أمها تتميز غيظا ، وأبوها يرغى ويزبد ، وعريسها يداعب قبعته بيده ، وأخذت قريباتها يتهامسن ويقلن لبعضهن : لقد كان خيرا لنا أن نزوج فتاتنا " إلن " من هذا الفارس الشاب .
وبعد أن همس فى أذنها ولمس يدها وصل بها إلى باب القاعة حيث يربض جواده فعلا بها على صهوته ووثب وراءها قائلا : لقد فزت بها وسنجتاز البرارى والقفار مهما حاولوا متابعتنا بما لديهم من خيول سريعة .
وكان طرادا رائعا قام به فرسان القبيلة ورجالها فى السهل والتلال ، لكنهم لم يدركوا العروس المخطوفة لأنها اختفت عن الأنظار . فهل رأيت أو سمعت بفارس يدانى لكنفار من حيث جرأته فى الحب وبسالته فى الحرب .

