تزخر القلادة الإنجليزية بدور غوال ، تباهى بها الأمم الأخرى ، ولورنس بنيون شاعر يعتبر من أغلى دررها ، وهو آخر درة فى هذه القلادة المزدحمة بكبار الشعراء . ولا تعالى إذا قلنا إنه من أعاظم الشعراء لا فى بريطانيا فحسب ، بل فى الشعوب الناطقة بالأنجليزية ، وذلك لما يمتاز به شعره من غنائية وحساسية تعيد إلينا ذكرى ما كانت تفيض به شاعرية ) برس شيلى (١) ( أمير شعراء الانجليز فى القرن التاسع عشر فى هذا الميدان .
ولقد كان لشغف بنبون بشعر عظماء الشعراء الإنجليز وغيرهم ، وخاصة وليم بنيك الذى بعد أيدع شاعى بين متصوفى شعراء الأنجليز ، أثر فى شعره وما بلغه من منزلة ولقد كان ليليك خاصة أثر ملحوظ فى شعر نورنس وتوجيهه إذ أننا نجد فى شعره كثيرا من لمحات الفكر الصوفى ، قد صاغها فى أسلوب بارع وعبارات دقيقة ، تترك الفارئ غارقا في بحار التفكير ، سابحا فى عوالم الروح ، هائما فى قدسية هادئة ، مما كان يهيم بها متصوفو الشرق عندما تسبح أفكارهم فى ملكوت السموات العليى ، ولا عجب فى أن ينهج لورنس منهج متصوفى الشرق ، فلقد أعجب بهم ، وعرف مما قرأ لهم عوالم الروح الخالدة ونقاوتها وسموها على عوالم الماديات الزائلة .
ولقد كان لاشتغال بنيون بالفن الإسلامى خاصة والشرقى عامة دافع فى تأثر الفكر الشرقى وخياله الخصب ، فسلك فى
شعره ما سلكه شعراء متصوفة الإسلام ، فنجد ذلك واضحا فى قصائده التى نشرها فى كتابه المسمى ) نجم الشهال ( مثل قصيدته ) أنفكور ( التى يقص فيها قصة النبى سليمان والملكة يلقيس وما جرى بينهما ، وهى قصيدة طويلة يحول بيننا ضيق المقام وبين إبرادها ، ولكن لا بأس بتخير بعض منها وإن كان أكثرها يعد مختارا . ففى هذه القصيدة يظهر لنا لورنس مبدعا في نظمه رائقا فى شعره محلا فى سماء الخلود .
يرينا كيف أن عظمة الملك وفتنة بلقيس ودلالها . وما اجتمع لسليمان من قوة وسطوة ومن مال وفير وجاء عريض ، ثم تشغله كل هذه الماديات عن الروحانية القدسية التى تقربه إلى ربه ، ولم تحل بينه وبين إقامة الهياكل والمحاريب ليعبد فيها ربه فيقول :
أقبلت بلقيس مبينة جمالا وتفوح عطرا. ثم جلست إلي جنب سليمان على عرش شامخ الأركان ، وتجمعت حولهما الطيور الصداحة بألوانها المتعددة . وكان الملك يميز أسوائها ويعرف لغانها ، وكان أيضا ينصت إلي صوت الأسد فى الصحراء القاضية .
انتظرت بللقيس أن يتحدث إليها الملك عن ملكه الواسع وجاهه العريض ، وعما اجتمع له من الروعة والبهاء ولكنه لم يتحدث إليها عن ذلك ولا عن شئ مما يشبهه مما يفوق حد التصديق ولا يبلغه العقل .
بل تحدث عن الهيكل الذي أقامه حديثا ، تعظيما وتقربا إلى الله الذى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ، الله خالق السموات والأرض مبدع الكائنات مودح البشر جميعا ، الله خالق سليمان وحكته ، وواهبه ملكه وعظمته .
تحدث عن ذلك الهيكل الذي شاده ليبقى على كل الدهور والأيام ، يذكر الناس ويبعث فى قلوبهم نفحات الإيمان .
ولما انتهى من حديثه ران عليهما وما حولهما صمت رهيب وسكون مخيف ، وقد أخذت الشمس الزمعة الرحيل ترسل شعاعها النماوج إلى الهيكل الشامخ فى بيت المقدس فكسته حلة زادته روعة إلى روعته ، فبدا كأنه شمس الخلود يتماوج لهيها أمام أعينهما . وما لبثا أن أدركهما النساء فذهب كل إلى سبيله . . " .
وفى قصيدة أخرى سماها ) المستشفى ( قدمها بقوله : " أصاب الشاعر مرض ألجأه إلى أحد المستشفيات ، وبينما هو مستلق على فراش المرض ، يعانى شدته ويغالب وطاتهه ، أخذت أنوار الفجر الأولى تتسرب إلى الكون ، ونسماته اللينة تداعب الأشجار ، فتح الشاعر عينيه ببطء فرأى شبح رام سماوى يقف بين يديه ممسكا قوسه متأهبا للرمى " .
فى هذه القصيدة يصور لنا كيف يتعجل الإنسان أمره لا يقنع بما أفاء الله عليه من فيض أنعمه ، فيسعى وراء الآمال وهى برق خلب ، يلق فى سبيلها صنوف الأذى ، ويكابد مختلف الصعاب ، حتى إذا جاءها لم يجدها شيئا ، وربما أضاع فى سبيل ذلك ما فى بدء ، فتقتله الحسرة والندم فى وقت لا يفيد فيه التحسر ولا ينفع الندم .
كما يصور لنا ذلك الإنسان الذى يشوقه المجهول ويغريه البعيد إذا ظهر له منه شعاع ، كالفراشة تسعى إلى النار وهى لا تدرى أنها صائرة إلى نهايتها ، فيكد ويكدح ليبلغ ذلك المجهول ، ثم لا يعنيه أعاش بعد ذلك أم مات ، يسعى ومجاهد حتى إذا أصبح قاب قوسين أو أدنى من رؤية ذلك المجهول ، هوى إلى نهايته ولقى حتفه قبل أن تكتحل عيناء بما فى سبيله هلك ، فيقول :
" أيها الرامى العظيم ؛ القائم بين يدى ، مفتول الساعد ، مجدول العضل ، قوى البنيان ، لو أنك أحنيت قوسك وشددت السهم ببطء إلى محاذاة أذنك لأصبت الهدف . " مالى أرى جسمك المشدود يتبدل سريعا . " فما إن انطلق السهم الذى فى قوسك حتى هبط ساعداك وتراخى كتفاك إلى أسفل .
" أيها الرامى المجيد ! لماذا يظل وجهك مستترا عنى مختفيا عن ناظرى ، تبعد كلما حاولت الدنو منك ؟ . " إن قلبى يخفق خوف أن يظهر لى وجهك ، ولكنى أود أن تتجلى لى هائلا فى سكون وهدوء ، هائلا فى جمال وقوة .
" أيها الرامى القدير ! لماذا تولى وجهك بعيدا عنى ؟ آه لو استطيع رؤيتك ، إذا لكان لى نصر لا أبالى بعده أن يصرعنى سهم نافذ ، بعد أن تمتليء عيناي من صورتك وأتمتع بنصرى البمين " .
ولقد كان ينيون حيا حياته بوجه طلق مستبشر وروح فاضة بالمعانى الإنسانية ، يشرف على دنيا زاخرة بالجمال الروحى ، غنية بالمعانى السامية ، فقد عرف أن كل كائن حى ينطوى على الحق والخير والجمال ، ولكن تنقصه العوامل التى تحرك هذه الأشياء إلى الظهور ، وهذه العوامل هى الدوافع الإنسانية والمواطف السامية والتهوعات الروحانية فى عالم الخلود . فعاش أيامه فى صحبة الحق والخير والجمال . ينظر إلى الأشياء نظرة الخير رغم أن العالم الذى يحيط به مزدحم بالمآسى والآلام ، قد تعامي عن الحقيقة ورانت على بصره غشاوة المادية ، فحجبت عنه شعاع الروحانية الباهرة . فيقول :
. ما أكثر الأحلام التى مضت ولم يبق منها إلا الصورة الباهتة . ما كان أقل قيمة الحياة وأحقر منظرها ، إذ انعكست فى جدول من حمما مسنون . " أما الآن فإن نفسى قد ارتاحت من تلك الأحلام الخادعة ، فلا أطأطى الرأس فى خزى وخجل ، إذ أرى النفس مجردة من كل زخارف الحياة الكاذبة .
" ما أجمل جسد الأشجار عارية من أوراقها قد ارتفعت بلا زخرف أو حجاب ، وشمخت إلى أعلى فى السكون وفى العاصفة . إننى لأحبها أكثر مما أحب أستار الأوراق الناعمة اللنساء تحجب عنا وجه الحقيقة . " لقد انكشفت الحقيقة للعيون ، فلا شئ يخفى عاهة الطبيعة أو الزيف الذى أحدثته يد الإنسان .
" قد طهرت روحى من كل شائبة واشتاقت إلى مدارج السمو العلوى . " الريخ تكتسح الطريق فتجرف الأشياء عارية . وهذه نهاية كل حى ، والسبيل إلى المئوى الأبدى " .
ولقد كان للحربين الماضيتين أثرهما فى نفس الشاعر وفى إنتاجه الذى بلغ الذروة بقصائده التى رئى بها ضحاياهما ، الذين وهبوا دماءهم لأوطانهم المحبوبة ، وقدموا أرواحهم قربانا لإنقاذها من الأعداء ، فاسمعه يقول فى رثاء ضحايا حرب سنة ١٩١٤ فى قصيدة سماها ) إلى الضحايا ( وهى قصيدة نقشت على اكثر النصب التذكارية فى مختلف أنحاء الإمبراطورية وحفظها الكثيرون . وانتشرت بين الشعب البريطانى انتشارا كبيرا ، وذلك لما تمتاز به من سمو التفكير وسلامة الأداء وقوة التعبير ، كما أنها تعد من القصائد التى تملكت عواطف الشعب الإنجليزى واستثارت كوامن شعوره ، لأنها تعبر تعبيرا قويا فى ألفاظ تثير انفعال الناس وآلامهم على ذلك الدم الراق فى سبيل الأطماع الادية ، وقل أن نجد قصيدة استدرت دموع الشعب الإنجليزي المعروف عنه جمود العاطفة وعزة الدمع ، كما استطاعت هذه القصيدة . لقد استدرت من المآ فى الدموع ، ولكنها دموع ممزوجة بالعظمة والفخار . فيقول :
" ها هى الطبول تدق فى أمسى ولوعة ، والموسيقى تصدح فى حزن وألم ، والموت فى جلاله الملكى يبعث ألحان اللوعة فى أجواء الخلود .
" واجلترا تيكى ضحاياها بكاء يشوبه الألم والحزن وبمازجه التباهي والفخار . لقد كان أولئك الضحايا أولادها وفلذة كبدها ونفس روحها ، الذين سقطوا صرعى فى سبيل الحرية . إن دموعها للمعة المجد ونفئة العظمة .
" إن بين جوانحنا أملا عظيما وثقة بالغة عميقة ، كمين الماء المختفية عن الأنظار ، فى أن هؤلاء الأبطال باقون فى سويداء قلب أمهم إلى الأبد ، كما تبقى النجوم فى أحشاء الليل .
" إنهم سبقون إلى الأبد كما تبقى تلك النجوم تتألق نورا فى قبة السماء ، تلك النجوم التى ستظل تتالق وتدور
فى أفلاكها ، فى حين نكون نحن قد صرنا ترابا وعدنا إلى ظلام الدامس " .
يالها من مرتبة عظيمة وكلمات باسلة ! يحقق بها كل شعب عرف كيف يرد عن وطنه كيد الكائدين ، فظفر بالخلود وغاء الذكر على الزمن . وقد قدر للشاعر الذى بكى ضحايا الحرب الكبرى ذلك البكاء الحار ورثاهم الرثاء الخالد ورفعهم إلى أسمى الدرجات ، أن يعيش ليشهد البربرية المتوحشة تجتاح العالم وتهدده بالفناء فى الحرب العالمية الثانية ، فلم يملك نفسه من البكاء على الحضارة المنهارة والعالم الذى انتزعت منه الرحمة والشقة . ففاض براعه بقطع أخر تمثل فيها سمو العاطفة ورقى الإحساس ، فيقول :
" أيها النور الذى يفيض علينا الحياة وبهينا الحركة والقوة ، ليخترق شعاعك حجب القلوب وظلام الأرواح ، ونحن جميعا كائن حى واحد . املأ شفاف قلوبنا بنورك وقوتك ، امنحنا القوة والثبات فى الموقعة الفاصلة ، موقعة الروح " .
وفوق ذلك فإن بنيون يعتبر حجة فى الرسم الشرقى وخاصة المصغر منه ، الذى نبغ فيه الفرس ، فقد ألف فى ذلك عدة كتب تعتبر ذات قيمة نادرة فى هذا الفن ، كما كتب الكثير من المقالات والفصول الطريقة الخاصة بهذا الموضوع ، ومن يرى كتابه ) أشعار النظامى ( يدرك الذى وصل إليه بنيون فى هذا الفن ، فالكتاب محلى بصور كاملة الحجر ملونة أبدع تلوين ، وقد جاءت معبرة أقوى تعبير وأدقه لعصر النظامى الذى بعد العصر الذهبى للرسم الفارسى الجميل ، وقد أسند إلى بنيون منصب الإشراف على القسم الخاص بالمجموعة المتازة من الرسم الشرقى فى المتحف البريطانى ، مما أتاح له فرصة ذهبية لدراسة دقائق هذا الفن من مختلف وجوهه ، ولم يترك بنيون هذه الفرصة الطبية ، بل استغلها أطيب استغلال وأحسنه ، وأخذ ينشر على العالم دقائق هذا الفن فى تفسيرات بارعة بهرت أنظار العالم الغربى الذى كان يجحد فضل الشرق فى هذا الفن الجميل والتى جعلت عشاق الفن الشرقى وأبناءه ينظرون إلى بنيون نظرة تقدير وإجلال .
) أسيوط

