وقف " مستر آرا " أمام دكانه في " أناكا " بولاية كاليفورنيا ، ومستر آرا ، رجل طويل ، نحيف الوجه . تبدو عليه الكآبة وإن كانت ملامحه يمازجها شئ من اللطف والبشاشة .
وقف أمام دكانه لحظة ، وحين هم بالدخول ، خرج منه طفل صغير له ملامح " مستر آرا " ووقف إلي جانبه .. قال الطفل : بابا . . - ها ، جون ؟ . قال الطفل في جد يشوبه الحزن : أعطني تفاحة .. أمسك الأب بيد ابنه ودخلا معا ، ووقفا أمام أكوام الفاكهة وتناول الأب أحسن تفاحة في الكوم وأعطاها للطفل .
- تفاحة ؟ حسنا هاهى ذي تفاحة . . وسار الأب إلى منضدته ينتظر زبونا ، وأخذ يسترق النظر إلى ابنه من حين لآخر ، وبدا له الطفل حزينا مثله على الرغم من الأربعين عاما التى تفصل بينهما . . قضم الطفل قطعة كبيرة من التفاحة وأخذ يمضغها ببط ، ثم ابتلعها ، وبدا لحظة كأنه يفكر فيها أيضا ، ولم تسعده التفاحة فوضعها على المنضده أمام أبيه ثم نظر إليه وعاد ينظر إلى الأرض .
في " أنا كا " بولاية كاليفورنيا جلس الأب والأبن في دكان " مستر آرا " بعيدين عن وطنهما بنحو سبعة آلاف ميل ، وليس هناك ريب في أن الكآبة والوحشة كانت تشيع في نفس كل منهما ، ولكن أحدا لم يكن ليعلم يقينا أن هذه الكآبة بعينها ما كانت لتملأ نفس كل منهما لو لم يكونا بعيدين عن الوطن بنحو سبعة آلاف ميل .
نظر الأب إلى ابنه ، إلى وجهه هو في وجه الطفل ،
إلى عينيه هو ، ومن وراء العينين إلي كآبته هو أيضا . لم يكن إلى جانبه إلا " مستر آرا" نفسه ولكنه أصغر قليلا ، وتناول الأب التفاحة التي تركها الابن ، والتفاح شئ أجمل واندر من أن يضيع هباء . حسنا ، إن كان ابنه لا يريد أن يأكلها فليأكلها هو رغما عنه وإن كان لا يشعر في داخل نفسه بأي رغبة أو ميل إلى التفاح أو حتى إلي رائحته . وتابع " مستر آرا " قضم التفاحة ومضغها ثم بلغها . ولكن لم يستطع بعد لحظة أن يستمر ، فالقي ما بقي منها في صندوق القمامة بشئ من الأسف .
قال الابن مرة أخرى : بابا . - ها ، جون ؟ - أعطني برتقالة . . تخير الأب أكبر برتقالة وناولها للطفل . - برتقالة ؟ حسنا ، ها هي ذي برتقالة .
وأعمل الطفل أسنانه في القشرة ثم أخذ يتم ذلك بأصابعه . فعل ذلك ببط ولكن بمهارة أول الأمر ، ثم أخذ نشاطه يضعف بعد لحظة . . لم يكن وراء هذه القشرة مجرد عصير ، بل كانت هناك ذروة السعادة لهذا الطفل . وضع الطفل القشر على المنضدة أمام أبيه ، وقسم البرتقالة نصفين ، ووضع نصفا في فمه وأخذ بمضغه ثم بلغه .
ولكنها لم تكن غير برتقالة ، ولم تكن فيها ذروة سعادته . وتوقف الطفل برهة ثم وضع ما بقي من البرتقالة أمام أبيه . ومرة اخري تناول الأب البرتقالة وبدأ يتم العمل في سكون. وبعد لحظة ألقي إلى القمامة قطعة لا تقل عن النصف كثيرا .
قال الطفل : بابا . . وأجاب الأب مرة أخري : ها ، جون ! - أريد حلوى . . - حلوى ؟ . . حسنا ، ها هي ذي الحلوى . .
وتناول الأب من إناء الحلوي أحب قطعة إلى الطفل وتنأولة إياها . وتأمل الطفل القطعة قليلا ثم انتزع الورق وقضم منها قطعة كبيرة وأخذ أيضا بمضغها ببطء وابتلعها . ولكنه لم يجد فيها شيئا . لم تكن غير حلوى .
ومرة اخري أعاد الابن إلى أبيه شيئا آخر من هذا العالم لم يفلح في أن يجلب له سعادة ، ولم يبد على وجه أبيه حنق ، والتقطها منه وأخذ يقضم منها ، ثم ادار وجهه وألقى بالحلوي في صندوق القمامة . .
ولسبب ما شعر " مستر آرا " بغضب مرير ، وأخذ يلعن سرا في قلبه بعضا من الناس يبعدون عنه بنحو سبعة آلاف من الأميال بدت له قلوبهم مرة خالية من الإنسانية أو على الأقل بدوا له جهلاء . . وهتف من أعماقه : هؤلاءالكلاب !
قال الطفل : بابا . - ها ، جون ؟ . - أعطني موزة . تنهد الأب هذه المرة ، ولكنه تمالك نفسه . - موزة ؟ حسنا ، ها هى ذى موزه ...
وأخذ يقلب بيديه سباطة الموز المعلقة فوق أكوام الفاكهة ، ثم وجد أخيرا واحدة بدت له ناضجة وحلوة ، فاقتطفها وناولها للطفل .
وأخيرا جاء رجل يطلب شيئا ولم يكن " مستر آرا " قد رآه من قبل ، وأحني" مستر آرا " رأسه محييا فأحنى له الرجل رأسه .
- كعك ، هل عندك كعك ؟ . قال " مستر آرا " في دهشة : كعك ؟ أي كعك تريد ؛ - كعكا ، كعكا محشوا . - كعكا محشوا ؟ .
وأخذ " مستر آرا " يقلب نظره على الأشياء التي يكتظ بها دكانه ، وهمس مرة أخري متسائلا : كعكا محشوا ؟ ووضع الطفل الموزة على المنضدة أمام أبيه . - بابا . .
نظر الأب إلي ابنه ، وحدق فيه ، ثم أخذ يصيح في سرعة غريبة :
- طلبت تفاحة فأعطيتك تفاحة ، طلبت برتقالة فأعطبتك برتقالة ، أردت حلوي فأعطيتك حلوي ، طلبت موزة فأعطيتك موزة ، ماذا تريد الآن ؟ ! .
قال الطفل : كعك . قال الرجل لابنه : أي كعك تريد . . قالها لابنه دون أن ينسي الرجل ، بل قالها في الواقع للرجل وفي الوقت نفسه لابنه . وفي الوقت نفسه لكل إنسان ، لكل إنسان وفي أية بقعة ، كل إنسان يريد شيئا ... قال الطفل : كعكا محشوا ...
قال الرجل لابنه في عصبية : ليس عندي كعك . . ولكنه بدلا من أن ينظر إلى ابنه نظر إلى الرجل . - لم تريد كعكا ؟ عندي كل شئ . ولكن ليس عندي كعك ، لم تريد كعكا ؟ .
قال الرجل في هدوء : كعكا لطفل صغير . . - ليس عندي كعك ، وأنا أيضا لي طفل صغير ، أعطيته تفاحا وبرتقالا وحلوي وموزا ، وأشياء طيبة أخرى . . وتوقف برهة ثم نظر إلى الرجل وحدق في عينيه وقال له : ماذا تريد ؛ لم تريد كعكا ؟
قال الرجل : ابن أخي أصيب بالأنفلونزا ، إنه يبكي ويصيح " أريد كعكا ، كعكا محشوا " . ولكن كل إنسان يعيش حياته هو ، ولكل حياة أشياء خاصة بها يجري وراءها .
نظر الطفل إلى أبيه مرة أخرى وقال : بابا . . ولكن الأب في هذه المرة أبي أن ينظر إلي ابنه ، ونظر إلى الرجل الذي يشكو ابن أخيه من الأنفلونزا ، نظر إليه نظرة من يفهم شعوره ، نظرة فيها عطف ، ولكنها مملوءة بالغضب ، ليس غضبا على الرجل ولكنه غضب على العالم على المرض وعلى الألم وعلى الكآبة ، على القلب الذي يريد ما لا يستطيع أن ينالة كان " مستر آرا " غاضبا على نفسه هو الآخر ، لأنه على الرغم من أنه أقام دكانه هذا في " أنا كا " بكاليفورنيا بعيدا عن وطنه بسبعة آلاف ميل ، فإنه لا يملك كعكا محشوا ، لا يملك ذلك الذي يريده الطفل المريض بالأنفلونزا .
أشار " مستر آرا " إلي ابنه وقال : تفاح ويرتقال ، وحلوي وموز . ولكن ليس عندي كعك ، إن ابنى عمره ثلاث سنوات وليس مريضا ، ويريد أشياء كثيرة ، يريد تفاحا وبرتقالا ، ويريد حلوي ويريد موزا ، لست أدري ماذا يريد ، لا أحد يدري ماذا يريد ، إنه فقط يريد ، إنه
( البقية على الصفحة التالية )
يتلفت إلى الله ويقول : أعطني هذا وأعطنى ذاك . ولكنه لا يرضي أبدأ دائما يريد ، دائما يشعر بكآبة ، وإلهنا المسكين لا يملك شيئا يعالج به الكابة ، أعطانا كل شئ . العالم والضوء والأم والأب والأخ والاخت والعم وأبناء العم وأعطانا البيت والضيعة والفرن والمائدة والسرير ، أعطانا إلهنا المسكين كل شئ ولا أحد سعيد ، كل إنسان هو كهذا الطفل الصغير المريض بالأنفلونزا ، كل إنسان يقول : أريد كعكا محشوا ...
"وتوقف مستر آرا " برهة ، وتنفس تنفسا عميقا ، وزفر زفرة طويلة وهو يقول بأعلى صوت : ليس عندي كعك محشو . . وتحرك مستر آرا قليلا في ضيق وغضب ، وتناول كيسا من الورق وفتحه وأخذ يلتقط مما أمامه ويلقيه في الكيس :
- ها هو ذا برتقال ، أحسن برتقال ، هاهو ذا تفاح . هاهو ذا موز . . وبأدب شديد وعطف صادق على الرجل وعلى ابن أخيه المريض بالأنفاونزا ، تناول الكيس للرجل :
- خذ هذا لطفلك ربما ينقطع عن بكائه . خذ هذه الأشياء الطيبة لطفلك ، لا تدفع شيئا ، لا أريد نقودا .. وعاد مرة اخري فقال في رقة شديدة : ليس عندي كعك محشو . .
قال الرجل : إنه يبكي ، دائما يبكي ، يصيح دائما "كعك محشو ، أريد كعكا .." أشكرك على كل هذا ، ولكننا قد أعطيناه تفاحا وبرتقالا وأشياء كثيرة اخرى .
ووضع الرجل الكيس على المنضدة وهو يقول : الطفل يصيح : أريد كعكا محشوا ، لا أريد تفاحا ولا برتقالا".. معذرة ، سأسأل بقالا آخر . ربما كان عنده كعك محشو . .
همس مستر آرا : حسنا يا صديقي ، كما تحب ، لتذهب وتسأل بقالا آخر ، ولكن لا أحد عنده كعك محشو . . وخرج الرجل في خجل ، وظل مستر آرا دقيقة كاملة واقفا خلف منضدته يحدق في ابنه .

