الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 646الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب الفرنسي:, العالم الوهمي لأناتول فرانس

Share

قرأت حديثا كتابا لشاعر فيلسوف يصور فيه عالما من البشر ، وقد تجرد من العواطف الإنسانية كالفرح والألم والفضول . والإنسان حينما يخرج من هذه السياحة في ذلك العالم الوهمى ، ويعود إلي عالمنا حيث يصطرع الرجال ويحبون ويتألمون ويأملون ، يجد نفسه مدفوعا إلي حب بني جنسه كما هم على علاتهم . ويحس بالسعادة في أن يتألم ويشقي معهم ، ويشعر شعورا قويا جارفا بأن في هذا وحده تكمن السعادة كل السعادة . فالسعادة في الأمم كالبلسم في جراح الشجرة الكريمة . لقد قضى رجال العالم الوهمي على العواطف ، فقضوا بذلك على كل شئ : قضوا على الفرح  والألم ، وعلى اللذة والشقاء ، وعلى الخير والشر والجمال وقضوا على الأخص على الفضائل . هم حكماء . . ولكن حكمتهم هذه ذهبت بقيمتهم كلها ، فقيمة الإنسان تقاس باجتهاده . وماذا يجدي طول الحياة إذا كانت فارغة ، بل ماذا مجدي طولها إذا عاش الإنسان حبا اشبه بميت ، عمرك الله . إنها لسعادة بائسة تلك التي يصورها الشاعر الفيلسوف ! . . لقد جرد شخصياته من العواطف ، فأصبحت بمعزل عن الفن ، وأصبحت بمعزل عن الوحي الوجداني الذي يلهم الشعراء ، فلم يعد في إمكانها أن تتذوق روائع الشعر الحماسي

الذي يوحى به الغضب أو الثورة ، ولا تعانس القصيد الذي يوحى به الحب والجمال . . لقد عموا وصموا أمام آيات ذلك الشعر الذي يؤله أرض البشر ، ومع ذلك يزعمون أنهم سعداء لأن بيوتهم قد زودت بكل وسائل الراحة والترفيه . ولكن بيتا واحدا من الشعر قد يفيد الإنسانية أكثر مما أفادته إياها كل المخترعات الحديثة العقيمة !..

السعادة لفولتير

من المسلم به أن الحمقى والمجانين سعداء في حياتهم المجردة من التفكير . ولكني لن أرضي أبدا بمثل تلك السعادة التى ثمنها فقدان العقل . ويشاطرني في هذا أكثر الناس . ولكن هناك ، رغم ذلك ، تناقض شديد في تفكيرنا ؛ ماذا نريد ؟ نريد السعادة . . فماذا يضيرنا إن كنا حمقي أو أذكياء ما دمنا سعداء ؟!.. ومن الجلى أنه يجب علينا تفضيل الحماقة على المنطق إن كان هذا الأخير كفيلا لنا بالشقاء !. . ولكني لم أجد بين الفلاسفة الذين حدثتهم في هذا من يرضي بالجنون في سبيل السعادة . فاستنتجت أننا ، نحن معشر البشر ، وإن كنا نقدر السعادة ، فإننا أعظم تقديرا للعقل .. يبد أنه ، بعد التفكر والتدبر ، بدا لي أن تفضيل المنطق في السعادة إنما هو في حقيقته ضرب جديد من الجنون !. . فكيف السبيل إلى تفسير هذا التناقض العجيب !..

اشترك في نشرتنا البريدية