الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 281الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب المعاصر :، ٣ - ميخائيل نعيمة، الشاعر (١)

Share

ميخائيل نعيمة شخصية متعددة المناحي ، فهو قد جمع في شخصيته شخصيات عدة ؛ فهو يضرب في الشعر بكعب عال ، وشعره يجيء في الطليعة بين شعر الجيل الحديث ؛ وهو إلي جانب هذا قاص متمكن من فنه ، ينفذ من خلاله إلي أعماق النفس البشرية ، محاولا سبر ما في السرائر ، وما يدور في الضمائر ، ويختلج في النفوس من شتى المشاعر ومختلف الأحاسيس ؛ ثم هو بعد هذا وذاك ، ناقد بارع ، يعرف كيف يغربل الآثار الأدبية وينزل بها إلى قاعدة في النقد صادقة ، ويبين استنادا إليها نواحي الكمال ، ويظهر جوانب النقص ، فيما يتناوله من الآثار الأدبية ، وهو من هنا من خير النقاد الذين عرفتهم لغة الضاد في مختلف عصورها . وهو أخيرا وبعد كل هذا ، فيلسوف يفرغ فلسفته في فصول يمتزج فيها الأدب مع الفلسفة ، ويودع في مقالانه خلاصة تأملاته في الكون والحياة ، وزبدة تجاريبه في الدنيا ، وما وصل إليه تفكيره وهداه إليه عقله .

ونعيمة يعد من المجددين في شعره ، ومن حاملي لوائه ، وله قصائد ومقطوعات في العربية والإنجليزية ؛ اما قصائده العربية فقد نظمت كلها في الولايات المتحدة ، ما بين عامي ١٩١٦ و ١٩٢٦ ، ونشرت في حينها في مجلات المهجر ، وعلى الأخص في مجلتي الفنون والسائح ، وعن هاتين المجلتين ، تناقلت تلك القصائد الصحف والمجلات في سائر الأقطار العربية ، فكثير من تلك الفصائد نشرتها الهلال ، والمقتطف ، والإمام ، والرسالة ، والحديث ، وغير هذه المجلات.

وهذا الشعر لم يجمع بعد في ديوان ، ولم ينشر في مجموعة ،

اللهم إلا بعض القصائد جمعها السيد محي الدين رضا في كتابه "بلاغة العرب في القرن العشرين" ، والبعض الآخر جمعت في مجموعة الرابطة العلمية .

أما شعر نعيمة الإنكليزي ، فهو وإن كان أقل من شعره في العربية ، إلا ان له نفس الروح والرواء ، وكلها منظومة في نيويورك بين سنتي ١٩٢٥ و ١٩٣١ ، وقد نشر بعضها في صحيفة " نيويورك تيمس ، والبعض الآخر في " سبرنجفيلد ربيا بليكمان " .

يرجع الشعر في مصدره - على رأي نعيمة - إلي ينبوع واحد ينبع منه ، وعين واحدة يخرج منها ويفيض ، وهذا الينبوع هو الحياة ، وأنت إذا نظرت إلى الحياة نظرة عميقة لوجدتها واحدة في كل شئ ، متفقة في كل شئ ، فلا يختلف منها شئ عن شئ ؛ والحياة في أكبر حيوان في هذا الكون الفسيح الواسع ، إلي أصغر حشرة تدب على ظهر الأرض وتدخل في شقوقها ، واحدة . فهي في الفيل الضخم ، هي هي في النملة الصغيرة المتناهية في الصغر ، فهما سواء من ناحية الجوهر والأصل . وفي هذا المعنى يقول ميخائيل نعيمة في قصيدته إلي " دودة " (١)

تدبّين في حضن الحياةِ طليقةً

ولا همَّ يُضنيكِ بأسرارِ أكوان

فلا تسألي الأرضَ مَنْ مدَّ طولَها

ولا الشمسَ من لظّى حشاها بنيران

ولا الريحَ عن قصدٍ لها في هبوبها

ولا الوردةَ الحمراءَ عن لونِها القاني

وما أنتِ في عين الحياةِ دميمةٌ

وأصغرُ قَدْراً من نسورٍ وعُقبان

فلا القبرُ أغلى عندها من ترابِها

ولا الماسُ أسْنَى من حجارةِ صَوّان

هل استبدلت يوما غرابا ببلبل

وهل أهملت دودا لتلهو بغزلان؟

أما من ناحية العرض والمظهر الخارجي ، فالشعر كالحياة تماما ، يتفق معها في الأصل ، ويختلف في الشكل ، فتراه متنوع المظهر ، متباين الالوان ، كثير الاصناف والأشكال . وفي هذا التنوع والتباين يظهر الفرق بين شاعر وشاعر ، وتحدث المفاضلة بينهما ، على أساس اتساع المدي في العمق والعلو وانفراج الأرجاء

وما دامت الحياة ينبوع الشعر ، فيجب البحث عن الحياة الكامنة في قصيدة الشعر . وهذه الحياة تبدو في انعكاس الإحساس الباطني وما يعتمل في نفس الشاعر من أحاسيس ومشاعر ، والتي هي مظهر الحياة ، إلي كلام منظوم له حلاوة ورنة موسيقية في الالفاظ ، ورواء في الأسلوب .

وهذه الميزة تجدها في شعر نعيمة ، فاحساسه الباطني ، وما انطوت عليه نفسه من مشاعر ، تجدها في شعره ؛ ومن هنا كان شعر نعيمة نابضا بالحياة ، تجري دماؤها في عروقه ، وتهب نسماتها عليه . والحياة التي في شعر نعيمة متخذة لونا خاصا عنده ، اتى به مزاجه الخاص ، واستقراء هذا اللون يبين طبيعة نعيمة ومزاجه . والحقيقة انك تحس في شعره الصراع القائم في نفسه بين الواقع والمثال ، وبين كيانه الخفي وكيانه الظاهر ، وبين روحه العلوية السابحة في اجواء السماء ، وبين جسده الأرضي المثبت في الأرض بوتد ، والمشدود إليها . .

وشعره لا يدل في حال أبدا على أنه انتهي إلي حالة من الطمأنينة ، وإنما يدل على حالة نشدانها . ونشدانه الطمأنينة كنشدان الفيلسوف الألماني نيتشة الذي انتهي إلى فلسفة القوة ، كنتيجة لتماسك نفسه العنيفة . إزاء حالة حلول الجنون فيه ، والذي كان سائرا إليه ، وكان يحسه بغير واعية .

ح وشعر نعيمة كله يعبر عن هذه الحالة ، حالة نشدان

الطمأنينة ، فهي تتخذ أحيانا حالة شك . وفي هذا يقول في قصيدته إلي " دودة "

ولولا ضبابُ الشكّ يا دودةَ الثرى

لكنتُ أُلاقي في دبيبِكِ إيماني

فأترك أفكاري تُذيع غرورَها

وأترك أحزاني تكفّن أحزاني

وأزحف في عيشي نظيرَكِ جاهلاً

دواعيَ وجدي أو بواعثَ وجداني

ومستسلماً في كلّ أمرٍ وحالةٍ

لحكمةِ ربّي لا لأحكام إنسان

فها أنتِ عمياءٌ يقودكِ مُبصرٌ

وأمشي بصيراً في مسالك عُميان

لكِ الأرضُ مهدٌ والسماءُ مظلّةٌ

ولي فيهما من ضيق فكريَ سِجْنان

لئن ضاقتا بي لَمْ تضيقا بِحاجتي

ولكنْ بجهلي وادّعائي بعرفاني

ففي داخلي ضدّان: قلبٌ مُسلِّمٌ

وفكرٌ عنيدٌ بالتساؤلِ أضناني

توهّمَ أنَّ الكونَ سِرٌّ وأنّهُ

يُنال ببحثٍ أو يُباح بِبُرهان

وأنت في هذه الأبيات تلمس كيف أنه يري الفكر عائقا يقف في سبيل الإيمان ، والفكر من حيث يدور حول الحياة محاولا ان يستشف اسرارها ، فهو لا يخلص من هذا بغير الشقاء، لأن الوجود لا يلقي للانسان اسراره ، وهو لا يطلب إلي الإنسان السعي في سبيل الحصول على المعرفة الممكن تحصيلها ، وإنما يرجو له حالة من الاستسلام والإيمان ، حيث يحرك الإنسان احساسه الباطن بالأشياء .

ونعيمة لم ينل من الحياة الخارجية ما كان يأمل ، ولم يكن له فيها نصيب ، فعكف على الحياة في داخله ، يحاول أن يخلص من روحه ما علق بها من اوهام المادة وأباطيل

الدنيا ؛ وأخذت آلام شديدة تنتاب نفسه ، فناء تحتها ظهره ، وهذه الألام أخذت طريقها في شعره، فلا تكاد قصيدة من قصائده تخلو منها ، وكان أن أصبح حائرا مستوحشا ، لا يقر له قرار ، ولا يهدأ له بال ولا يطمئن له قلب . فيقول في قصيدته ) ( الآن ) (١) :

غــداً أردُّ هـبـاتِ الـنـاس للنـاس

وعن غناهمُ أســتغني بإفلاســـي

وأســـتردّ رهـونـاً لي بـذمّـتــهــم

فقد رهنت لهم فكري وإحسـاسـي

ورحت أتجر في أسواق كســبهـم

فما كسبت ســوى همٍ ووســــواسِ

وكـم فتحـتُ لهـم قلبـي فمـا لـبثـوا

أن نصّبوا بَعْلهم في قدس أقداسـي

غــداً أُعـيـد بـقـايــا الـطين للـطـيـنِ

وأُطلق الـروح من ســجـن التخامينِ

وأترك المـوت للمـوتـى ومن وَلَــدوا

والـخـيـرَ والـــــشـرَّ للدّنـيـا وللـديــنِ

وألبَــس العُــري درعــاً لا تُحطّـمـها

أيـدي الملائـك أو أيـدي الــشـياطيـن

فلا تــروّعـني نـــــار الـجـحـيـــم ولا

مجالـس الحـور في الفردوس تغريـني

غـــداً أجـوز حـدود الـــسـمـعِ والبصرِ

فـأُدرك الـمبتـدا المكنـونَ فـي خـبــري

فـلا كـواكـبُ إلا كـان لـي سُـــــــــبُـــلٌ

فـيـهــا ، ولا تــربـــة إلا بــهــا أثــــري

لـي فـي القضـاء قـضـاءٌ والمنـونِ مـنـىً

وفـي مُـلاحَــمَــة الأقــــدار لـي قــــدَري

غداً ؟ .. ولا أمـس لي حتّى أقـول غــــداً

فلتمحُها الآن من نطقي ومن فِكري

ويقول أيضا في قصيدته ترنيمة الرياح (١)

ما أنا يا ملاكي السعيد غير طيف شريد طريد

علمته الحنين   عاديات السنين

فاستطاب الأنين واسترق النواح

عجبا بالدموع تجيب  فإذن أنت مثلي غريب

أنت مثلي طريد  هائم تستعيد

ذكر ماض بعيد كان حلما وراح

ويقول في قصيدة " لو تدرك الأشواك سر الزهور " (٢)

يا ساقي الجلاس بالله لا تحفل بكاسي بين هذي الكؤوس

أترع لغيري الكاس ، أما أنا  فاحسب كأني لست بين الجلوس

واعبر . ودعني فارغ الكاس

لا . لا تقل ما طابت الخمر لي  أو أنني ما بينكم كالغريب

بل إن لي يا صاحبي خمرة ما مثلها يطفي بروحي اللهيب

أعصرها من قلبي القاسي . . الخ

من هذه الآبيات التي نقلتها ترى الحيرة ظاهرة ، والوحدة غير مستورة .

وكان نعيمة من الذين خرجوا من هذه الحيرة التي كانت تسد في وجهه المسالك ، ليكشف افاقا جديدة لم يكن يراها من قبل ، وليطلع على عوالم لم يكن يبصرها في الماضي ، فهو قد تحرر من قيود المادة التي تكبله ، وأزاح عنه أستارها الكثيفة ، وحجبها المسدلة التي تلصقه بالأرض ، وتستر عنه الروح . فهو حاول ان يتحرر من القيود التي تشده إلي الأرض ليكشف سر الحياة ، وليتغلغل في أعماق النفس ، ويسبر غور الروح ؛ فهو بذلك قد ترك العرض إلى الجوهر ، والقشور إلى اللباب ، وثانويات الحياة إلي أولياتها ، وخلف وراءه محسوسها إلي ما وراء الحس ، والمشاهد إلي غير المرئي .

فنجد في شعره ميلا إلى انعتاق النفس من الأوشاب والأدران ، والسمو بالروح إلي السموات العلا ، ففي قصيدته ابتهالات (١) يقول :

كحل اللهم عيني بشعاع من ضياك كي تراك

في جميع الخلّق، في دود القبور،  في نسور الجو في موج البحار

في صهاريج البراري في الزهور   في الكلا في القبر في رمل القفار

في قروح البرص في وجه السليم  في يد القاتل في نجع القتيل

في سرير العرس في نعش العظيم  في يد المحسن في كف البخيل

في فؤاد الشيخ في روح الصغير  في ادعا العالم في جهل الجهول

في غنى الثرى وفي فقر الفقير  في قذى العاهر في طهر البتول

وإذا ما راودتها         سورة النوم العميق  

فاغمض اللهم جفنيها   إلى أن تستفيق

ويقول في قصيدته يا رفيقي ( ٢ )

يا رفيقي ، رفيق جسمي وروحي     وشريكي في نعمتي وشقائي ،

قل رأينا طهارةً وجمالاً                لا فساداً في صنع ربّ السماء

فأبحنا للنفس كل مُناها               وتركنا الحرام للفقهاء

ويقول في قصيدته من أنت يا نفس (٢)

إيه نفسي أنت لحن    في قد رن صداه  

وقعتك يد أستاذ      خفي لا أراه

أنت ريح ونسيم       أنت موج أنت بحر

أنت شمس أنت رعد    أنت برق أنت فجر

أنت جزء من إله!

( له بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية