الوحدة حالة نفسية ، أو أزمة نفسية أليمة تعتري الشاعر وترافقه في حياته فترة ما ، فتصحبه في تطورات شعوره وانفعالات نفسه ، وتقلبات أفكاره ، فهي تتخذ من شعره مسرحا تظهر عليه الوانا مختلفة ، وأزياء كثيرة متباينة . وهذه الوحدة التي عند نعيمة جعلته صوفيا متزهدا ، ففي شعره مسحة من الصوفية ، ومراجعة قصائده يتبين ذلك فالمطالع مثلا لقصيدة : لو ترك الأشواك سر الزهور ؛ وقصيدة الآن ، وحبل التمني يجد فيها رنة من رنات الوحدة ونغمة من نغماته ، وهي ملازمة لروحه تأبي أن تفارقه . والشاعر لا يتأفف من وحدته فحسب ، بل يتبرم من هذه الحرب الضروس المستعرة نارها في نفسه ، بين جسمه الأرض وروحه العلوية السماوية ، والصراع بين كيانه الخفي وكيانه الظاهر . .
تعرض الحياة مشاهد شتي علي الناس ، ولكن ليست كل عين تري ، وليست كل نفس تشعر وتحس ، فما تراه هذه العين ، قد لا تراه تلك ، مع انهما ينظران إلي مشهد واحد .
فهذا يري أشياء لا يراها صاحبه ، وقد يمر كلاهما بدودة صغيرة تدب على سطح الارض فلا يراها احدهما ، ولا تخطر في ذهنه ، ويمشي في سبيله ، وينطلق إلى حاله ؛ وقد يمر الثاني بها ، فتستوقفه الدودة ، ويري فيها معاني كبيرة في حركاتها ، ثم لا ينشب أن ينصرف ، وفي نفسه معان ، وفي ذهنه أشياء . ويمر امام ذهنه شريط سينمائي ، ويصبح رأسه مسرحا لاشباح وصور متعاقبة ، وقد لا يطول الوقت حتى تري هذه الأشباح المتعاقبة صورها في ذهنه قد تآلفت ، واندمجت تلك الرسوم وخرجت في مقال او قصيدة ، فتطالعها فتشعر كان اشباحها سرت امام عينيك ، ورسومها وضحت أمامك ، وأصواتها رنت في أذنيك.
ونعيمة قد مر بدودة تدب علي الأرض ، فأوحت إليه بقصيدة فيها كثير من المواقف الفلسفية والتأملات العميقة ) ١ (
وشاعرية نعيمة كالرحالة ، فهي دائمة التجوال بين ظواهر الحياة ويواطنها ، فوق الروابي والآكام ، وعلى قمم الجبال السامقة وفي المنخفضات والوديان السحيقة ؛ وفي كل سياحة من هذه السياحات ، وفي كل جولة من جولاته يعود بآثار طريفة ، وذكريات قد حفرت في قلبه فلا سبيل إلى نسيانها.
فهو قد رحل إلي أوربا سنة ١٩١٨ ضمن الجيش الأمريكي ليحارب في صفوف جيش الحلفاء ولم يلبث هناك كثيرا حتى رجع إلي الولايات المتحدة وقد تحطمت مثله العليا على صخرة الحقيقة القاسية . رجع نعيمة وفي جعبته كثير من ذكريات الحرب واثارها ، وقد تأملت نفسه لهذه الذكريات المرة ؛ فهو في تلك الفترة لم يكن يسمع إلا دندنة الرصاص أو زئير المدفع ، أو زفير الجرحي وانين المحتضرين . وقد تجمعت هذه الذكريات والفت فيما بينها قصيدة أخي ) ١ ( ، وفي هذه القصيدة يقول :
أخي! إن ضج بعد الحر ب غربي بأعماله
وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش أبطاله
فلا تهزج لمن سادوا ولا تشمت بمن دانا
بل اركع صامتا مثلي بقلب خاشع دام
لنبكي حظ موتانا
أخي! إن عاد بعد الحر ب جندي لأوطانه
وألقى جسمه المنهو ك في أحضان خلانه
فلا تطلب إذا ما عد ت للأوطان خلانا
لأن الجوع لم يترك لنا صحبا نناجيهم
سوى أشباح موتانا
أخي! إن عاد يحرث أر ضه الفلاح أو يزرع
ويبني بعد طول الهجـ ـر كوخا هده المدفع
فقد جفت سواقينا وهد الذل مأوانا
ولم يترك لنا الأعدا ء غرسا في أراضينا
سوى أجياف موتانا
أخي! قد تـم ما لو لم نشأه نحن ما تما
وقد عم البلاء ولو أردنا نحن ما عما
فلا تندب فأذن الغير لا تصغي لشكوانا
بل اتبعني لنحفر خنـ ـدقا بالرفش والمعول
نواري فيه موتانا
أخي! من نحن؟ لا وطن ولا أهل ولا جار
أخي! من نحن؟ لا وطن ولا أهل ولا جار
إذا نمنا، إذا قمنا ردانا الخزي والعار
لقد خمت بنا الدنيا كما خمت بموتانا
فهات الرفش واتبعني لنحفر خندقا آخر
نواري فيه أحيانا
فهو هنا قد وقف على كثير من حقائق الحياة وخداعها ، وذاق من مرها الشئ الكثير ، وقاسي من المها ما قاسى، وخلص من تأملاته العميقة ومن اختباراته بأن السبب في نكبات الإنسانية إنما هي الاطماع التي لا حدود لها ، والتي تسيره حسبما شاءت فيسير طائعا وراء الأطماع.
ونعيمة يؤمن بجمال الطبيعة ويشعر بجمالها الأخاذ في نفسه ، ويرى خلف مظاهر الطبيعة الفاتنة ومشاهدها الخلابة //ومجاليها// الرائعة صورة الإله ؛ وهو يحاول ان يضم الحياة بأسرها إليه ، ويشعر بجمال الطبيعة تسري في نفسه ، فيحس بنشوة ، ويشعر بحالة نفسيه //تلوبه//، فينطلق ليمجد الله القدير ؛ وقصيدته النهر المتجمد ) ١ ( خير شاهد علي ذلك :
يا نهر، هل نضبتْ مياهك فانقطعت عن الخريرْ؟
أم قد هرمْت وخار عز مك فانثنيت عن المسير؟
بالأمس كنت مرنّماً بين الحدائق والزهورْ
تتلو على الدنيا وما فيها أحاديث الدهور
بالأمس كنت تسير لا تخشى الموانع في الطريقْ
واليوم قد هبطتْ عليـ ـك سكينة اللحد العميق
بالأمس كنت إذا أتيــ تك باكياً سلّيْتني
واليوم صرت إذا أتيتـ ك ضاحكاً أبكيتني
بالأمس كنت إذا سمعـ ت تنهّدي وتوجّعي
تبكي، وها أبكي أنا وحدي، ولا تبكي معي !
ما هذه الأكفان؟ أم هذي قيود من جليدْ
قد كبّلتْك وذلّلتْك بها يد البرْد الشديد؟
ها حولك الصفصاف لا ورق عليه ولا جمالْ
يجثو كئيباً كلما مرّ ت به ريح الشمال
والحوْر يندب فوق رأ سك ناثراً أغصانه
لا يسرح الحسّون فيـ ـه مردّداً ألحانه
تأتيه أسراب من الغر بان تنعق في الفضا
فكأنها ترثي شباباً من حياتك قد مضى
وكأنها بنعيبها عند الصـ باح وفي المساءْ
بوق يشيّع جسمك الصـ افي إلى دار البقاء
لكن سينصرف الشتا، وتعود أيام الربيعْ
فتفكّ جسمك من عقا لٍ مكّنتْه يد الصقيع
وتكرّ موجتك النقـ ية حرّةً نحو البحارْ
حبلى بأسرار الدجى ثملى بأحلام النهار
وتعود تبسم إذ يلا طف وجهك الصافي النسيمْ
وتعود تسبح في ميا هك أنجم الليل البهيم
والبدر يبسط من سماه عليك ستراً من لجيْنْ
والشمس تستر بالأزاهر منكبيْك العارييْن
والحوْر ينسى ما اعتراه من المصائب والمحنْ
ويعود يشمخ أنفه ويميس مخْضرّ الفننْ
وتعود للصفصاف بعــ د الشّيب أيام الشباب
فيغرد الحسّون فوق غصـ ونه بدل الغراب
قد كان لي، يا نهر، قلــ ب ضاحك مثل المروجْ
حرّ كقلبك فيه أهـــ واء وآمال تموج
قد كان يضحي غير ما يمسي ولا يشكو المللْ
واليوم قد جمدتْ كوجـ هك فيه أمواج الأمل
فتساوت الأيام فيه: صباحها ومساؤها
وتوازنتْ فيه الحياة: نعيمها وشقاؤها
سيّان فيه غدا الربيع مع الخريف أو الشتاء،
سيّان نوح البائســ ين وضحك أبناء الصفاء
نبذتْه ضوضاء الحيا ة فمال عنها وانفردْ
وغدا جماداً لا يحنّ ولا يميل إلى أحد
وغدا غريباً بين قو م كان قبلاً منهم
وغدوت بين الناس لغـــ ـزاً فيه لغز مبهم
يا نهر ذا قلبي، أر اه، كما أراك، مكبّلا
والفرق أنّك سوف تن شط من عقالك، وهو... لا
فهذه القصيدة أعدها من اروع الشعر العربي الحديث ولا اشك في خلودها وبقائها على الأيام ما بقيت في الإنسان عاطفة ، وما دام شعوره حيا.
وهذه القصيدة تصف الطبيعة الغربية ، وقد افتتن بها كثير من الأدباء والشعراء المعاصرين .
يري ميخائيل نعيمة ان الوزن ضروري للشعر ، لذلك نراه لا يخرج عن الأوزان المألوفة في الشعر العربي في مختلف عصوره . ولكنه يرى إلى جانب هذا ان القافية ليست من ضروريات الشعر ، ولا سيما إذا كانت كالقافية العربية بروي واحد يلزمها في كل القصيدة ، فإذا ما ترك الروي مرة واحدة ، عد ذلك عيبا في الشعر ، وهذه مسألة معروفة في علم العروض .
ولهذا نري نعيمة ينزع إلى قوافي متنوعة مختلفة ، خوف ان يترك ملازمة الروي ، وهذا واضح في شعره ؛ ولا أدل على ذلك من قصائده ترنيمة الرياح ، وقبور تدور ، والنهر المتجمد ، ومن انت يا نفس ، وصدى الاجراس ، وغيرها .
أما قوالبه الشعرية فتجمع بين السلاسة والجزالة ، ورقة الألفاظ وبساطة الأسلوب ، فلا يلجأ إلى الألفاظ الضخمة والكلمات الرنانة
وأسلوبه جميل ، وهو يحمل شعوره وصدي نفسه ، لأنه لا يلجأ إلى الصنعة ، لذلك كان شعره خارجا من النفس ، فكان قريبا من النفس.
ونعيمة في بعض الاحايين يخالف النحو في قواعده . والصرف في قوانينه ، ولكن ذلك في درجة محدودة جدا ، ونادرة جدا.
لذلك كان نعيمة من أصح شعراء المهجر أسلوبا ، وأقربهم إلي الصحة والبيان العربي القويم.

