الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 248الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب المفارق :، أدب الأخلاق فى الغرب

Share

كانت الأخلاق ينبوعا لكثير من أدباء الغرب وشعرائه . فقد بدت في ثنايا آثارهم أفكار شتي تتعلق بالرجل الكامل ، وسيرته في الدنيا ، ومصائره في الآخرة ، والآراء التي تنقد أعماله ، وتوجه سيره ، وتسدد خطاه ، تبعا لمبادئ أخلاقية أو اجتماعية . ومن الملاحظ أن الأدب والأخلاق يتفقان في طبيعتهما أكثر من اتفاق الأدب والفلسفة ، لأنك لن تجد في مبادئ الأخلاق ما تجده في الفلسفة من جفاف ، وما تلقاه في العلم من تجرد وغموض ، بل هي أحلى في المسمع وأندى على القلب . فإذا أوتي كاتبها أسلوبا رهافاً ، وقفا بليغا ، وخاطرا حافلا ، كانت أشد سحرا وأكثر جمالا . وعندئذ يقيد الإنسان منها فيتعظ ويذعن ، دون أن تجبره علي الانماط أو تسوقه إلي الإذعان ؛ لأن للأدب من قوة التأثير ما ليس لغيره ، ولأن فيه من اللطافة والجمال ما ليس في تلك النظريات المجردة والمفهومات الغامضة . وكأن الأدب إذا لمس هذه  الآراء الأخلاقية بسحره قلبها من اختلاف أصحاب المبادئ الأخلاقية ، الذين يرون الأخلاق للأخلاق ، إلى هدوء الأدب وصفائه ، فيجلو الأديب في شعره أو نثره ما أعجبه منها ، وما يراه مثلا ساميا جديرا بأن يحتذي حذوه ، ويقتفى أثره .

لم يتخذ الأدب الغربي من المبادئ الأخلاقية مادة له ، إلا منذ تحرر الفكر من قيود الرهبان . فأصبح الأدب بعد ذلك وسيلة لتزويق تلك المثل العليا ، وعرضها في معرض فاتن ، ونشرها بين الناس وجعلها حبيبة إلي قلوبهم ، وإثارة الحماسة لها والحنو عليها ، والدفاع عنها ، كما كان وسيلة لبناء ما تداعت أركانه من تلك المبادئ ،

وهدم ما بلي أساسه من المذاهب والشرائع ، هذه المذاهب التي لا تضمن للأفراد حياة فيها هدوء وفيها صفاء وانسجام . فكان من أثر ذلك أن أصبح الإنسان يستشف في بعض الآداب ) طراز ( الأخلاق التي ترغب فيه الأمة ، أو ترغب عنه . فهذه تدعو إلي القوة والغدر ، وتلك إلي الرحمة والعدل ، وثالثة للتهتك والمجون ، ورابعة للنسك والعبادة والزهد ، حتى أصبح الأدب مرآة للأخلاق في كل حقبة من الحقب . فأدب الاتباعيين classiques  ادب مملوء بالقوة والبطولة والفروسية ، والنقد والسخر ؛ وادب القرن الخامس عشر مملوء بالشك والإلحاد ، مترع بالسخرية اللاذعة والثورة على التقاليد ، في حين كان أدب الابتداعيين Romantiques  أدب ضعف وشكوي ، وحب ودمع ونجوى .

قلت إن كثيرا من الفكر الأخلاقية ظفرت بروائع من كتاب الغرب وشعرائه ، والأمثلة كثيرة . فقد خص ميريمه p.merimee  بفكرة الضيافة وتعظيمها ، واحترام الضيف وإكرامه ، قصة من أروع قصص الشرف سماها " ماتيو فالكونه Mateo falcone " وتحدث عن هذا الأب الضخم ، المتكتل العضل ، المفتول الذراعين ، الخفيف الحركة كالسنور ، الذي ترك ابنه ذات يوم أمام الدار فلجأ إليه رجل صائحا : " أيها الولد ! إن الشرطة على أثري وأنا امرؤ لا استطيع هربا ، فهل في دارك ملجأ ومأوى ؟ " فيأويه الولد بعد جهد ؛ وما يلبث الجند أن يظهروا ، وإذا بهم يغرون الولد بالدراهم فيدلهم على ضيفه ، فيأخذونه مقيدا بالأكبال .

وجاء الأب ماتيو يسعى . لقد علم أن ابنه خان ضيفا لجأ إليه . فاهتز واضطرب ، وناداه : " تعال يا بنى ! أنت أول خائن في أسرتنا ! اتبعني . . " ثم حمله إلي الغاب ، وهناك ذبحه ، وعاد يستغفر له ربه !

وفي هملت لشكسبير تظهر فكرة الأخذ بثأر الأب

فإن الأمير هملت يتلو لأبيه الذي سمه أخوه كلوديوس ليتبوأ عرشه وينكح زوجه ، وتدور المسرحية على ذلك . وفي بوليوكت Polyeucte  لكورنيل  Corneille تري كيف يصغي بوليوكت إلي صوت ضميره . ويطيع وجدانه غير حافل بحب زوجته بولنى Panline , ولا آيه  بالتهديد والوعيد ، لأن صوت الضمير والواجب أحق بالإتباع من نداء الحب والهوي .

وفي كتاب فينى A.de vigny  المسمى " Servitude et grandeur militaire   "   نري الدعوة إلي الاستقامة والشرف والإطاعة ، وكيف تظهر تلك الصفات في النظام العسكري .

وقد تفنن الكتاب والشعراء في عرض هذه المبادئ الأخلاقية ومناقشتها . فجعلها بعضهم خفية مستترة ، وصرح بها آخرون تصريحا ظاهرا . وربما اتفق الكاتبان في الفكرة الواحدة وطرفاها معا ، ولكنهما اختلفا في عرضها . ففي رواية هيلونيز الجديدة La Nouvelie  " " Heloine   لروسو ، تجد سان برو يحب جوليا التي أدبها اشد الحب ، فلما اذهله حبها ، واسقمه هواها ، وعرضت أمور لا يرضاها ، عزم على الانتحار ؛ ولكن روسو كان من أعداء الانتحار ، ولذلك جعل جوليا تغار على حبيبها وتمنعه من الانتحار بأقوال حلوة رائعة ، فيصغي إليها ويذعن .

وفي " فوست " تجد هذا الدكتور الذي قضي عمره في العلم والسحر ، يمل الحياة ويحتقر العلم ، ويبغض أولئك الدكاتير العلماء الدجاجلة ، فيهم بالانتحار بجرعة من السم ، ولكنه يصغي إلي دقات النواقيس تدعو إلي الله ، فيشعر بالألم يورق في نفسه ، ويصدف عن الانتحار فسان برو يصدف عن الانتحار لأجل حبيبته جوليا ، والدكتور فوست يميل عن الانتحار لسماعه دقات

النواقيس ، فالغاية واحدة ، والطريقتان مختلفتان . وكثيرون من الأدباء حاربوا فكرة الانتحار ، ولا محل لسرد أمثلة أخري . وقد ذكر كثيرا منها " ألبير بايه Albert Bayet  " في كتابه الطريف عن الانتحار Le Suieide  "

وقد تجد أثر الأخلاق في الشعر أشد ظهورا ، وتجد تقليد الشعراء بعضهم بعضا واضحا ، فما يكاد شاعر يقول بمبدأ حتى يتأثر به آخر فيقلده . فلقد أظهر pope الشاعر الانجليزي في كتابه الرائع Essai sur l'homne  فوائد التفاؤل ودعا إليه بتعابير أخاذة ، فقلده فولتير Voltaire  في فرنسة ، وتأثر بما دعا إليه بوب . ثم يأتي الشاعر الإنجليزى المتشائم young يونغ  ، ويكتب لياليه ، وهي ليال مملوءة بالتشاؤم  والأسى ، فتؤثر في" لورميان Lormian " الشاعر الفرنسي وعضو المجمع العلمي ويكتب " سهرات شعرية وأخلاقية veiliecs poetiques et morales  " ثم يأتي لامارتين فيستوحي بوب مرة ثانية ، كما استوحاه من قبل فولتير ، ويودع تلك الآراء في قصيدته الإنسان " homme " حتى أنه نظم أفكار بوب نفسها ، وقد أوضح ذلك بالتفصيل الأستاذ لانسون في مقدمته على " التأملات meditations " ثم يأتي بيرون Byron  فيقلد يونغ ، وتراه يغالي في تشاؤمه المملوء بالثورة والسخرية ؛ فيقلده موسه Musset  في فرنسة ، ويوشكين Pouchkine في روسية ، ولينو Lenau  في ألمانية

ومن هنا كان بعض الأدباء قادة أخلاقيين للناس . فقد كان بترارك Petrarque  و يوكأس Boccnce قائدين للأجيال في القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر . وقد عد بترارك المرشد الذي قاد الناس بآرائه الأخلاقية طوال عصر النهضة . وكذلك كان مونتينى Montaigne

قائدا ودليلا في كتابه Les Essais , وكان له أتباع وانصار ، وخاصة في انجلترا ، ومنهم براوتون Bruton وتوماس براون . ولم يكد روسو يطلع على الناس بآرائه الأخلاقية العامة حتي انتشرت واستفاضت شهرتها في الغرب كله ؛ وقد اعجب بها الألمان إعجابا كبيرا ، ومجدوا روسو تمجيدا عظيما ، حتى قال شيلر : " إن هذا الرجل ، يجعل من النصاري رجالا " فكان مرشدا للجيل الذي سبق عهد الإبداع ، وأوحي إليه الطهارة في الهوي ، والصفاء في الحب ، . . وقد بلغ من تأثير روسو في أدباء

الشباب الألمان انئذ أن صاروا يملأون أشعارهم ورواياتهم وأقاصيصهم بآراء روسو وأفكاره .

ولم يقتصر تأثير روسو على هؤلاء ، فلقد تخطت أثاره ألمانية إلي الروسية ، وأثرت آراؤه في تولستوي Tolostol  تأثيرا كبيرا ، وقد فصل هذا " ماركوفيتش " في كتابه الجيد المسمى " تولستوي وروسو " .

فهذه نبذ عن الأخلاق في أدب الغرب . والموضوع واسع . ولعلنا نعود إليه .

) دمشق (

اشترك في نشرتنا البريدية