الضيافة هي قبول الغريب وإكرامه ؛ حفلت بها الأمم الرفيعة فجعلتها مروءة وشرفا ، وأمرت بها القبائل الخفيضة ورأت فيها سعادة ونصرا ، حتى إنك لتجد في شرائع قبائل ) المانو ( من الحث على الضيافة والترحيب بالضيف ما يدهشك ويعجبك . . " فعند ما ينزل بكم الضيف ، فليرحب صاحب الدار به ، وليقدم إليه الماء يغسل قدميه ، والطعام يسد جوعه . وحذار أن يرد أحدكم ضيفا جن عليه الليل ولم يبلغ مأواه . وسواء أوصل الضيف قبل غروب الشمس ، أم بعد وهن من الليل ، فلا ينبغي له أن يرحل عن الدار قبل أن يطعم من
طعام أهلها ، ولا لصاحب الدار أن يتناول شيئا قبل أن يقدم لضيفه شطرا منه . رحبوا بضيوفكم ، تنالوا السعادة ، والنصر ، والعمر الطويل . . " ) 1( .
وقد عني أهل يونان الأقدمين بها ، فكانوا يبشون بمن طرق بابهم من ذوي الحاجات والسائلين ، مخافة بطش جوبيتر كبير الآلهة ذي الطول المتين . على أن بعض الأسر المترفة كانت تحس في الضيافة عبئا ثقيلا ، ولكنها ما كانت لتجد منها مفرا ، لئلا تصيبها لعنة المطرودين ؟ هذه اللعنة التي زعموا أنها تخرج من فم المطرود كالطيف فما تزال تتبع الرجل الملعون حلي تلحق به السوء والمكروه .
ولعل العرب قد سبقت الأمم كلها بكرمها وجودها ، وبذتهم باحتفالها ورعايتها للضيف . فإكرام الضيف والترحيب به مروءة وشرف ؛ فكانوا يؤثرون ضيفانهم على أنفسهم ولو كانت بهم فاقه : يبيتون جياعا ليطعموهم ،
ويبالغون في الإكرام ليرضوهم ، سواء أكان النازل ضيفا أم ضيفنا ، إنسانا أم بهيمة أم طيرا . فلقد نزل بواحد منهم الجراد ، وجثم حول خبائه ، فعده من ضيفانه ودافع عنه 1(
وإنك لتجد في بعض الآداب ظلالا لإكرام الضيف وحفله والدفاع عنه . فالأدب الحق تصوير للعادات والأخلاق . وها هي ذي صور أدبية ثلاث من أوفيد وميريمة والحطيئة ، تريك أثر الضيافة في أدب اليونان والعرب والفرنجة
أما الضيافة في أدب اليونان ، فقد صورها لنا أوفيدOvide - الشاعر اللاتيني المشهور في كتابه Les Metamoe phoses الذي يحكي فيه بأسلوب ناعم وخيال مزركش أساطير القدامي من اليونانيين .
من أبرع أساطير هذا الكتاب ، أسطورة فيليمون وبوسيسPhilemon et Bauces نري فيها جوبيتر ، كبير الآلهة ، وابنه ميركور ، يشقان الدجي متنكرين ، في ليلة هاجت فيها العاصفة ، وبكت السماء ، وأعول الرعد ، وجن البرق ، وقرس البرد ، يستطعمان الناس ، والناس يأبون أن يضيفوهما ، وقد يقابلان منهم بالطرد مرة ، وبالصفع تارة ، وبالشتم أحيانا . فما زالا يضربان في السهول والحقول حتى بصرا بكوخ حقير ، فأسرعا نحوه ، وكانت قطرات المطر تتقاطر من خلال القصب والعيدان علي عجوزين ملتصقين اتقاء لذعات البرد لقد كان يعيش في هذا الكوخ فيليمون وزوجه بوسيس ، وقد قضيا فيه شرخ الشباب منعمين ؛ يجدان في عيشهما الساذج اللذة والهناءة رغم الفقر الشديد
ودخل الإلهان الكوخ ، فرحب به العجوزان كل
ترحيب ، وأجلساهما في أشرف مكان ؛ وقامت بوسيس إلي الموقد فأرثت النار بأوراق ذاوية ، وقشور يابسة ، ونفخت فيها فأملس اللهب من ثناياها وأخذ يرقص فرحان ، ثم حملت إليهما ضربين من الزيتون وجبنا . وبيضا وهندباء وفجلا ، فأكلا ؛ ثم خمرا معتقا ، فشربا ثم ما شئت من جوز ولوز ، وتين يابس وتمر ، وعنب وتفاح ، فتفكها . وبذلا من الجهد لإرضائهما مالا سبيل إلي وصفه
وتسامروا جميعا وتحدثوا . وعلم العجوزان أن ضيفيهما إلهان من الأولب .
فلما كان السحر ، قال جوبيتر بصوت راعش راعب : لقد طوفنا هذه الليلة لنبلو عبادنا ، فنعلم الشاكر لآلائنا ، ونعلم الكافر بها ، فألفيتهم ينهرون اليتامي ، ولا يطعمون الفقراء ، فحق عليهم غضبي ؛ هلما معنا إلي الجبل ، لتريا ماذا يحل بهؤلاء .
وخرجوا جميعا يصعدون في جبل شامخ صعب المرتقي ، حتى بلغا ذروة عالية تتوشح بالغيوم . عندئذ أشرف جوبيتر على القرية فزمزم ثم دمدم ، فانقضت الصواعق من كل جانب ، وهطلت الأمطار من السماء ، وتدفقت الينابيع في الأرض ، وغمرت المياه الدور والبقاع ثم هدأت العاصفة ، وإذا الديار خاليات بلاقع ، وإذا كوخهما الحقير يستحيل قصرا عظيما ذا أعمدة ضخام ، وجدران شاهقات ، مزر كشات بالذهب والرخام
وناداهما جوبيتر والآن ما سؤلكما أيها العجوزان ؟ " قالا : ) شباب غض نضير ، وعيش خضل أنيق ، في هذا القصر المنيف . نعيش معا ، ثم نموت في لحظة معا ( . قال : " لقد أوتيتما سؤلكما فاذهبا . . " ) 1
وأما الضيافة في أدب العرب ، فلم يبرع أحد كالحطيئة في تصويرها . فقد قص علينا قصة ذلك الأعرابي الذي طرقه الضيف ، وقد أصابه الجوع منذ ثلاث ، ببيداء
واسعة لم يعرف بها ساكن رسما ، فهو عاصب البطن مرمل ، قد اعتزل الناس وجفاهم ، فإذا رأي الأناسي استوحش ونفر ؛ ولقد أخلد إلي حياة الصحراء فأعجبته وراقته ، حتى أن بؤسه فيها أضحى نعيما لديه . وهاهم أولاء أولاده وزوجه ؛ أما الأولاد فأشباح دقاق ضعاف تخالهم السهم ، حفاة عراة ، أضناهم الجوع . ما اغتذوا يوما خبز الرماد ، ولا عرفوا طعم البر وأما الزوج فتلهيهم وتعللهم . وإنه لكذلك ، إذا به يري شبحا وسط الظلام ، فرعب وارتاع ؛ وعلم أنه ضيف ، فتشمر واهتم ، ونظر نظرة في السماء ، ونادي : " هيا رباه ! إنه ضيف ، ولا قري ! فبحقك لا تذلني ، وبحقك لا تحرمه الليلة اللحما . ونظر إليه ابنه فرآه حيران . قال : " يا أبت ما أنت فاعله ؟ لا تعتذر بالعدم ، فلعله أن يظن لنا مالا ووفرة غني فيوسعنا ذما ، اذبحني ، أيا أبت ولا تخف ، يسر له طعاما يطعمه ، ولنا ثناء نحمده " . فأطرق الأب مفكرا . لقد هم أن يذبح فتاه ، ولكنه أحجم إنه فلذة كبده . وماذا يفعل وقد طرقه هذا الصيف ؟ إن كرامه مروءة . والإحسان إليه معروف . وعاد ينظر في السماء مضطربا حيران . ثم مد عينيه أمامه ، فحدق ثم حملق . ها هو ذا قطيع من حمر الوحش قد انتظم من خلف حمار وحشي كبير ، وإنهن لعطاش يردن الماء . فأسرع إلي قوسه وسهامه ، وانساب نحوها خفيفا مسرعا ، ما أشد ظمأه إلي دمها ! وما أشد رغبته في لحمها . ! وأمهلها ، حتى إذا تروت عطاشها ، أرسل فيها من كنانته سهما ؛ وإذا بأتان سمين ذات ولد ، قد اكتنزت لحما وقد طبقت شحما تخر صريعة . لقد أصابها السهم فصرعها ، ففرح وسر وأسرع إليها . فيا من رأي بشره وهو يجرها نحو أهله ، ويا من رأي بشرهم لما رأوا جرحها يدمي !
وباتوا كراما قد قضوا حق ضيفهم
وما غرموا غرما وقد غنموا غنما
وبات أبوهم من بشاشه أنا
لضيفهم ، والأم من بشرها أما
فأنت تري حيرة هذا الأعرابي المغب ، وقد طرقه الضيف إن عليه حقا ، ولا سبيل إلي القيام به ، وإن إكرام الضيف يجري في عروقه وقد طبع عليه ، بل ها هو ذا الصغير ينادي أباه : اذبحني ، لا تعتذر بعدمك ، يسر له طعاما ؛ فذبحه أهون من أن يوسعهم ذما .
وأما الصورة الثالثة ، فقد صورها ميريمةP.Merimee القصاص الفرنسي المشهور . وحكي لنا كيف خان صبي ضيفه ، فقتله أبوه
لقد كان ماتيو فالكونه Mateo Falcone بعيش في كورسبكا عيشة هدوء وسلام . وقد استفاضت شهرته ، وعرفت في إصابة الهدف براعته . وكان عاتيا جبارا إذا أهين ، رفيقا لطيفا إذ أكرم . ولقد تزوج فلم يرزق غير البنات ؛ فلما رزق الغلام هش له ، وفرح به ، وتلقاه بأحسن ما يتلقي به الآباء الأبناء ؛ ثم تعهده بعنايته وأنبته نباتا حسنا ، ثم شب وإذا القوة في جسمه ، والشجاعة في خلقه
لقد كان هذا الصبي محببا إلي أبيه ، أثيرا عنده ، مكرما لديه . تركه ذات يوم يحرس الدار ، ومضي وزوجه إلى المرعي يتفقدان الغنم ؛ فجلس الصبي يسرح بصره فيما حوله ، ينظر إلى الأشجار ، ويرنو إلى الغابة ، وينفض الجبال ، فسمع صوت طلقات ، ثم رأي رجلا يدلف إليه من الغابة ، والدم من فخذه بسيل .
لقد رعب لمرآه . فلما انتهى إليه ، ناداه : " إن الشرطة علي أثري . أفلا أجد في دارك مأوي ؟ " وأبي الصبي أن يضيفه ، فاندفع الرجل يستعطفه بالكلام ، ويغريه بالنقود، وعندئذ قاده إلى الدار وأخفاه تحت كومة من التبن ، وعاد إلى مكانه .
وأقبل الشرط يبحثون . فسألوه فخدعهم وضحك
منهم . فدخلوا الدار فارتدوا خائبين . وتهدد الضابط الصبي ، ثم توعده ، ثم أغراه بساعته الفضية ، وقدمها إليه ؛ وما زال به حتى رفع الصبي يده ، ودلهم على مخبأ الضيف .
وأسرع الشرطة ، فقبضوا على الجريح وقيدوه .
وما هي إلا لحظات ، حتي أقبل ماتيو فالكونه . فاندفع الضابط يحدثه بحديث ابنه . "ولولا ابنك ما استطعنا أن نعثر عليه " فتصدع قلب الأب لهذا النبأ ، لقد باع ابنه شرفه بثمن يخس . ونظر إلى الجريح ، فرآه يدير بصره نحو الدار ، ويبصق ويقول : " هنا دار الخونة "
لقد خان الولد ضيفه . وغدا سيصبح اسم ماتيو مضغة في الأفواه . ولكن ماذا يفعل وابنه هو الذي لوث شرفه ، وجلب المعرة إليه؟
ونظر الأب إلي ابنه ، وهو يكاد يتميز من الغيظ وناداه : " أنت أول خائن في أسرتنا " ، ثم قام يمشي نحو الغابة ، ونادي الصبي فتبعه
وانطلقت الأم تستعطف الأب الثائر . . " ) إنه ابنك ، إنه ولدك" ، والأب يدفعها ويقول : " ارجعي. ارجعي "
وفي الغابة ، عند صخرة كبيرة ، صوب الأب إلي ابنه بندقيته غير حافل ببكائه ، وأطلق عليه رصاصة فاستقرت في قلبه ؛ فخر يتخبط وبئن أواه يا أبتاه " .
وعاد ماتيو ، يستغفر لابنه ربه ، على خيانته ضيفه (1)
فتلك صور ثلاث عن الضيافة ، في أدب اليونان والعرب والفرنجة ، ولكل صورة ميزة ، وإن كانت صورة الحطيئة ثم صورة ميريمه تفوقان صورة أوفيد ، لما فيهما من روعة وسحر وجمال .
) دمشق

