الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب الهندى الاسلامى

Share

١ - غالب

أحد شعراء الهند العظام في القرن الماضي ، وهو ديير الملك نجم الدولة مرزا أسد الله الغالب . ينسبه الناسبون إلي أفراسياب ، ملك نوران . وهو أحد ملوك الشاهنامة في العصر الخرافي رحل جده إلي دهلى ، فأقام فيها في عهد السلطان شاه عالم المتوفي سنة ١٢٢١ ه، ولبث فيها عزيزا مكرما ، حتى تبدلت أحوالها ، وهاجر أبوه عبد الله إلي لكهنو فلحق بحاشية أصف الدولة ملك أوده ، ثم نبا به المنزل فتنقل في أقاليم أخري

وولد غالب سنة ١٢١٢ ه ١٧٩٦ م ، ونشأ يتيما . في حجر عمه نصر الله وإلى  أكبر آباد ، وبعد وفاة عمه تقلبت به الغير وتداولته الأقطار ، حتى أوي إلي دهلي . ولم يطب له المقام بها ، فرحل إلي رام بور . حيث رتب له مائتا روبية ، ولكنه لم يصبر عن دهلي . فرجع إليها ، وأجريت عليه وظيفة بها إلي أن توفي سنه ١٢٨٦ (١٨٦٩)

وكان غالب رضي الخلق ، حسن الفكاهة ، ودودا لأصحابه وتلاميذه ، ولكنه كان فلقا لا يصبر علي نكد العيش .

ولغالب مذهب في الشعر أنيق دقيق : تكثر عنايته بمعانيه واحتفاله لها ، ويعظم اهتمامه بالأسلوب فيغرب فيه ويدق فيذكر قارئه بحافظ النبرازي ، ولكنه أغمض من حافظ

وله في الفارسية ديوان وثمانية مؤلفات ، بين شعر ونثر . وفي الأردية ديوان ، وبضعة مؤلفات أخري منظومة ومنثورة .

وقد اهتم الناس بديرانه الأردي كثيرا ، فشرح ثماني مرات أو اكثر وهو عميق المعاني فيه كثير من الدقائق الصوفية

وطبع الديوان في المانيا طبعة مصورة جميلة ، بيعت نسختها بخمسة وثلاثين جنيها . ثم أعادت هذه الطبعة الدولة العثمانية في حيدر آباد فبيعت النسخة بأربعة جنيهات ونصف جنيه ، وأعيدت مرة أخري فنزل الثمن إلي جنيهين . وله طبعات أخري رخيصة يغتبط بها الأدباء

وهنا أبيات شبي تصور بعض أفكار غالب ، تقدمها بين يدي قطع كثيرة تقرب غالبا من أفكار القراء إن شاء الله . وهي من ديوانه بالهند ستانية

فمن أبياته الصوفية التي تدل علي عظم نفسه قوله إشارة إلي قصة سيدنا موسي والطور :

وكنا يبرق الطور أولى لو أنه

على قدر الأقداج أعطيت الخمر

يعني أنه اعلى قدرا من الطور ، فكان أولى ببرق التجلي الذي اندك له الجبل

ويقول ، وهو من غرائب شعره

محن ، حتى في عبودينا ، جد احرار اباه فاعجبوا

فإذا الكعبة لم تفتح لنا   قلنا عن بابها متقلب

ومن ابياتة التي يشير فيها إلي معني مكرر عند الصوفية ، وهو أن التطور في هذا العالم يملي صعب ، فدون الكمال مراحل كثيرة شاقة :

أري شبك الأمواج في كل لجة

بأفواه وحش البحر حبك وقدرا

فماذا تلاقي قطرة الماء من رجي

إلي أن نري في لجة الماء جوهرا

كان القدماء يظنون أن قطرات الماء تنقلب درا في أحوال معينة ، فهو يقول : إنها لا تكون درا حتى تلاقي ما تلاقي من أهوال البحر

ثم انظر هذه الآبيات الثلاثة في معانيها المختلفة .

يقول في سرعة العمر:

أسوم جواد العمر زيتا وماله   ركاب برجلي أوعان يأملى ؟

وقد صور هذا المعني صورة رائعة في طبعة برلين ؛ صور فرس يسابق الريح عليه فارس مشدوه ليس في يده عنان ولا في رجله ركاب ؟

ويقول :

ومن لي يموت الغارفين فلا يري  لي النعش محمولا ولا القبر يحفر ؟

ويقول في البلاغة :

وينفذ في الألباب سحر بيانه  فأحسب ما قد قاله كان في لى

٢ - محمد اقبال

قد اطلع قراء العربية من قبل على شذرات من شعر فيلسوف المسلمين الشاعر محمد إقبال رحمه الله . وزادهم معرفة به ما جمعوا وقرءوا حين وافاه الأجل منذ أشهر . وكل ما ترجمت لقراء العربية من كلام الشاعر الخالد كان من دواوينه الفارسية بيام مشرق، ورموز خودي ، وأسراربي حودي ، وغيرها . وسأعرض علي القراء دورا من شعره الأردي . وللشاعر فيها دواوين رائعة مثل بانك درا ( صوت الجرس ) وبال جبريل ( جناح جبريل )

وإقبال نهر فياض لا تغيره الأقاليم التي يشفها ، فهو في الأردية والفارسية الشاعر الحر ، والفيلسوف القوي ، والصوفي البصير ، والإنساني الرحيم

ولا يفنا المطلع على شعر إقبال بري الحرية ، والعمل ، والاجتهاد ، تتمثل في صور شتى من تفكيره ، وتتجلي في جلل مختلفة من تعبيره . فان لم تكن هذه الثلاثة دعائم فلسفة إقبال كلها فهي أقوي الدعائم في هذه الفلسفة

وفيما يلى ابيات من ديوانه بانك درا وبال جبريل والأول أقدم ما نظم والثاني من أحدث ما نظم

من بابك درا :

الحياة

إقبال يهيب بالإنسان أن يكون حرا لا تحد إرادته رغبة ولا رهبة ، وأن يكون مبتكرا لا تعوزه وسيلة ، ومقداما لا تصده عقبة ، حتى يكاد يرفع الانسان من العبودية إلي الألوهية . انظر كيف يقول فى هذه القطعه:

أخلق دنياك كى تحيا بها    سر هذا الكون بالحق ، الحياة

هي في الحرية بحر زاخر     وغدير في حمي الرق ، الحياة

تختفي في طيتك سرا وتري  بقوي التسخير والخلق الحياة

هي في الغافل ترب هامد  وهي في اليقظان سيف جاهد

اخلقن في الجسم روحا خافقا     ثم مت للحق في يوم الجهاد

احرقن دنيا أتت عارية          واخلقن دنياك من هذا الرماد

أيد نورا خالدا من شرر         وأثر ما فيك من معني الجلاد

ساعة الحشر وهذا المحشر   هل لدي الغافل خير ينشر ؟

من بال جبريل :

يري إقبال أن الحياة قائمة بالأمل والرجاء ، وأنه علي قدر قوة الأمل تقوي الحياة . وفي الأبيات الآتية نجد بعض كلامه في الأمل وفي الحرية أيضا :

حرقة الآمال فينا جوهر          ليس في العالم منه يدل

ومقام العبد فيها نعمة         بغني الأرباب لا تستبدل

عبدك الحر غني مطلق        ليس في الدارين عيشا بأمل

فهنا الموت يري قيدا له       وهناك الخلد قيد بثقل

وانظر طموحه إلي الاتصال بالله تعالى في قوله :

أنت بحر ماله من ساحل      وأنا الجدول فيه الوشل

فاجعلن شطي حدا واصلا    أو فدعني دون شط يفصل

اشترك في نشرتنا البريدية