فى سنة ١٩١٣ قام أديب فنان بعمل تمثال نصفى لكيركجورد ، كان هذا الأديب معجبا بكيركجورد ، وكان مؤمنا بالصورة التى كونها فى ذهنه عن الرجل . فكل ما وصل إليه من المعلومات وكل ما عرفه من الأوصاف قد تجسمت فى التمثال بصورة مساوية لما فى قلبه من حب لكيركجورد وما فى داخلية نفسه من إعجاب به . . وحمل صاحبنا تمثاله إلى الهيئات وأصحاب الشأن يذكرهم بأن كيركجورد قد مضى على ميلاده مائة عام ، وأنه من المناسب أن تحتفل الجماعات الأدبية بهذه الذكرى الرائعة . ولكنه فوجئ بعدم إنصات من الجميع ، ولم يكد يفاتح واحدا من أصحاب الأمر فى الموضوع حتى
صرخ فى وجه تمثاله : لا يا سيدى . . ليس هذا كيركجورد . . لقد كان كيركجورد أحدب . . أحدب . .
وعاد الأديب الفنان إلى بيته ليعمل أصابعه وأزميله من جديد ، وليضع حدبة للتمثال لم تكن معروفة لديه . ولكنه لم يكد يضع هذه الحدبة فى مكانها حتى رأى نفسه مضطرا إلى العبث فى وجه الرجل . . أحس بأنه ملزم بأن يغير من معالم الوجه ما يكفى لإشعار الناظر بأن هذا الوجه صاحبه أحدب . . نعم فليست المسألة مسألة حدبة تضاف إلى ظهر الرجل ، ولكنها مسألة تاريخ يتغير ووجود يختلف . لقد كانت هذه الحدبة شبيهة بأنف كليوبطرة فى مجرى التاريخ
القديم وملامحه السياسية . فلئن كانت الحدبة شيئا عابرا بالنسبة إلى التمثال ، فكم تراها كلفت الرجل : كيركجورد الأحدب
بل تستطيع أن تقول : كم كلفت هذه الظاهرة كل من تناول القلم ليكتب حرفا عن كيركجورد ؟ ولأول مرة - بعد سقراط - يأتى فى تاريخ الفكر إنسان يحير الكتاب بحياته أكثر مما يشغلهم بأفكاره . وأكثر من ذلك أن هذه الحياة نفسها التى عاشها كيركجورد تحولت على صفحات الكتب إلى فكرة من الفكر . ولم ينتج ذلك عن غنى تلك الحياة ووفرتها وامتلائها بما يشجع الكاتب على الحكاية والسرد ، وإنما نشأ عن التعارض الشنيع الذى أحدثه كيركجورد فى حياته بين الزمنية والأبد . بين الله والإنسان . . بين الشعور والتفكير . وليته حاول أن يثير هذه الإشكالات على مائدة الفكر . إذا لهان الأمر . ولكنه أراد أن تتجسم أمامه فى الواقع معالم الإيمان الباطن وآثار وجدانه الداخلى . أراد أن يبنى وجوده الظاهر على إلهام الغيب ، وأن يحقق مشيئة الرب فى مصيره الجزئى ، وأن يدع نهر الأبد يصب فى جدول معاشه المحدود .
ولو كان كيركجورد مفكرا عاديا لما أثار فى نفوسنا الفضول لمعرفة شئ عن حياته الخاصة . ولكننا نجد أنفسنا منساقين انسياقا نحو تفاصيل حياته من أجل أن نلم بمأساة وجوده كما تمثلت فى الكتب التى تناولته . والتى عالجت باهتمام صلة فكره بواقع معاشه ، والتى أعطت أهمية للرابطة الحيوية التى مزجت تكوينه العضوى بتكوينه الروحى .
ولد سورين كيركجورد من أبوين مسنين فى مدينة كوبنهاجن عام ١٨١٣ . ولم يتأثر الولد بأمه بقدر ما تأثر بأبيه الذى بث فى نفسه وازعا دينيا عنيفا ، وولد عنده ما سماه بالقلق أمام المسيحية ، وأشعره بجلال الواجب ودنس الخطيئة . واجتاز في سنة ١٨٤٠ امتحانه فى علوم الدين بنجاح ، ولمس حاجته إلى الاستقرار بين العواصف النفسية التى تثيرها فى خاطره مباحث الدين . فقرر الزواج . . وكان
فى هذا القرار بدء ما سميناه بمأساة كيركجورد ، وانبنى عليه تيار جديد فى التفكير الفلسفى ، ويعد فى رأى الكثيرين أول عتبة فى المذهب الوجودى المعاصر . قرر الزواج . . وبدأ بهذه الخطوة مغامرة تمتاز بالجرأة والشذوذ معا ، وكان لصداها فى حياته وكتبه أعمق الأثر . إذ لم تكد تمضى على خطبته من رجينا أولزن بضعة أشهر حتى أخذ يناقش موضوع زواجه ويبحث فى مدى قدرته على إتمام هذا المشروع . وأحس - وهو المرهف الحس - بالخطورة التى تكمن فى زواجه من شابة حسناء فى سن السابعة عشرة ، تتطلع إلى حياة الشباب وتتمنى أن تجد فى زواجها معنى لفرحة العيش ؛ أحس بأن ثمة فاصلا يحول بينه وبين مجاراتها فى هذه الآمال العراض ، وفى هذه الرغبات المنفتحة ، وقدر بأنه سيكون من عوامل التعاسة فى مصير الفتاة التى أسلمت له عنان الجواد الذى يحملها ومجداف القارب الذى هبطت إليه . لقد أحبها ولا شك . . أحبها حبا عميقا ملك عليه قلبه وفؤاده ، وشغل منه عقله وتفكيره ، وهز منه الروح والوجدان أحبها حب الفتى الوهاج وحب الرجل المخلص وحب الإنسان العطوف . . ولذلك استحال عليه أن يرتكن على شعوره فى محاولته العبور من فوق الهوة التى تفصل بينهما ، ولم يستطع أن يتغاضى عن الفروق الطبيعية الكامنة فى كل منهما . فهو فى السابعة والعشرين وهى فى السابعة عشرة ، وهو إنسان محزون مكروب ، وهى فتاة مستبشرة مرحة ، وهو مفكر خارق فى امتيازه وهى عادية مفرطة فى البساطة ، وهو أحدب أعرج ، وهى جميلة مستقيمة التكوين ، وهو أب اتخذ من الدين صناعة وطبيعة ، وهى امرأة بعيدة عن هواية الدين ، ولا تستطيع أن تجد فى نفسها الرغبة أو القدرة على اتباع سبيله . . ولا يمكن بالإضافة إلى هذا كله أن يكتفى الأزواج بالعلاقة الروحية وأن يكونوا مثاليين فى اتصالهم ببعض . . ولو أمكنه أن يحقق الرباط الوجدانى وحسب بينه وبين رجينا ، لاستمر فى مشروعه . ولكن من أين يملك الحق فى حرمان فتاة من حياتها الطبيعية لتعاشره هذه
المعاشرة الفتية ولتعينه على حياة الروح وطريق الله .
وبدت المشكلة عسيرة الحل فى نظره ، وشعر بأن العوائق الموضوعة فى سبيله أشد من أن تعمل فيها تحليلات العقل وتبريرات الشعور . فقرر القطيعة . . ولم يكد يأتى أغسطس من سنة ١٨٤١ حتى بعث إلى رجينا بطاقة يقول فى نهايتها : " . . إنسى خصوصا كاتب هذه السطور واغفرى لإنسان ، على الرغم من أنه استطاع عمل أشياء كثيرة ، لم يكن قادرا - مع ذلك - على إسعاد فتاة شابة " . ولم تحصل القطيعة عقب ذلك مباشرة ، إذ ساء رجينا أن يحدث هذا وعانت كثيرا من قرار كيركجورد حتى قبل أن يعود إليها .
قبل أن يعود إليها وهو أشد إصرارا وتمسكا برأيه فى القطيعة ، واعتقد أن سبيله الوحيد هو العمل على بعث الكراهية فى نفسها نحوه . وذلك لكى تكون القطيعة هينة الوقع على إحساسها قليلة الأثر فى عواطفها . فعمل منذ عاد إليها كل ما من شأنه أن يثير الاشمئزاز في نفسها من جهته ، وأن يضعف من هذه المحبة التى كمنت فى قلبها بإزاء رجل مستقبلها وشريك حياتها . وبدا كذلك باردا فى معاملته لها بحيث ظنت أنه لا يعنى بها ولا يشغل باله بأمرها ولا يكاد يهتم بشئ مما تبديه نحوه . فلم يأت أكتوبر من نفس السنة حتى كانت أسهم الصبر قد نفدت وكان حلم الخلاص الذى أراده قد تحقق . وحدثت القطيعة من الجانبين ، وبدأت الأزمة الحقيقية في باطن كيركجورد ، وظهرت بوادر ذهنه جلية واضحة فى هذه الكلمات من يومياته : " لقد كانت أمنيتى الوحيدة هى القدرة على البقاء بجانبها . ولكن فى اللحظة التى شعرت عندها بأن الأمر سينحرف انحرافا سيئا - ويا لها من لحظة ، فقد جاءت متأخرة جدا - أزمعت أن أدفعها إلى الاعتقاد بأننى لا أحبها . وها أنذا الآن مكروه من الجميع لعدم إخلاصى . . وهو سبب ظاهر فى شقائها . . بينما كنت مخلصا فى قرارى هذا تماما شأنى معها دائما " . ويقول أيضا : " يمكن أن نطلق على قصتى معها هذا الاسم ( حب يائس ) . . إذ أننى أحبها وهى لى وأمنيتها الوحيدة هى أن أظل بالقرب
منها وترجو الأسرة منى ذلك ، وهو أملى الاسمى ، ومع ذلك يجب على أن أرفض . ومن أجل أن يسهل الأمر عليها جهدت نفسى من أجل حملها على الاعتقاد بأنى لست سوى مخادع وقح قليل الأهمية . . وذلك حتى يكون من السهل أن تكرهنى
ولم تمض سنتان على هذا الحادث حتى تحققت أمنية كيركجورد فى زواج رجينا أولسن من شاب يرضيها ويسعدها ويكفل لها حياة أرضية لائقة . خطبها اشليجل الذى كانت تعرفه وتحبه قبل أن يتقدم لخطبتها كيركجورد . ومن ثم أحس كيركجورد براحة أمام ضميره وبقلق عنيف أمام مصيره . أما الراحة فلأنه لم يفسد على فتاته مستقبلها ، وأما القلق فلأنها قد استحالت فى خاطره إلى صورة ترمز إلى ماضيه وتشعره فى كل لحظة من لحظات حياته بأن عاطفته هى عملية تذكر مستمر . وأتيح له أن يراها للمرة الأخيرة فى صيف سنة ١٨٥٥ عندما تقرر انتقال زوجها ليشغل وظيفة حاكم فى مكان آخر . ودبرت هى ذلك اللقاء العابر وهمست فى أذنه تقول : " فليباركك الله ، وليمض كل شئ على ما تروم " ، ولكنه لم يملك أن يجيب بشئ ، واقتصر على أداء التحية ثم انصرف .
وكان هذا آخر عهده بها فى عالم الواقع ، ولكن قصتها لم تنته عند ذاك ، وإنما امتدت على نحوين : أولهما أن كتابات كيركجورد لم تكن أكثر من تحليل تفصيلى دقيق لخطرات ذهنه وقد تشبعت بصورة رجينا . فعاشت من جديد فى فكره وعلى قلمه ، وحاول أن يستدل من تلك الحادثة على أشياء كثيرة ، وأن يجعلها موضوع تجربة حية ، وأن يصوغها كعنصر أساسى فى النزعة الفكرية المقابلة لأنصار الفلسفات العقلية . وثانيهما أنها صارت موضع بحث الكتاب والفلاسفة الذين شاءوا اتخاذها نقطة بدء حقيقى للمذهب الوجودى . فأخذ هؤلاء يفيضون فى الكتابة والتحليل لهذه التجربة التى حولت أفكار الناس إلى داخلية الذات الإنسانية ، وأقاموا الأدلة على أنها دعامة أولى فى فلسفات الحياة التى تقرن
بين الفكرة وواقع الأمور ، بين العقيدة وأسلوب المعاش ، بين الرأى والعمل .
ومن نتائج هذه الفلسفة الحيوية التى اعتنقها كيركجورد أنه أراد إقحام إرادة الله فى وجوده الفردى ، وأحب إشراك السماء فى تحويل مصيره ؛ فقد اعتقد فى خيرية الرب وبنى على ذلك الاعتقاد إيمانه بأن قوة عليا ستتدخل فى الوقت المناسب من أجل إعطائه ما يشاء وإعفائه من هذه الهموم التى ركبته . ونجد التحليل الوافى لهذه المشاعر فى كتابه عن الخوف والارتعاد حيث قرن بين موقفه وموقف ابراهيم الخليل عندما تقدم بابنه قربانا على مذبح الآلهة . فقد أوقف الخليل تضحيته بابنه على إعلان السماء ، وأوقف هو زواجه من رجينا على تدخل الإرادة الإلهية . وانتظر الإشارة . . وكانت عنده الشجاعة الكافية لأن يتقصى الفكرة التى يعتنقها إلى النهاية . . فلم يجده الانتظار . وقد يجوز القول بأنه سعد بزواج رجينا من اشليجل ؛ ولكن من المؤكد - كما يقول هايكر فى تعليقه على الحادث - أنه كان يكون أسعد لو أنها اتخذت قرارا بعدم التأهل ، وبقيت مخلصة لخطبته منها ، ورضيت بكل ما ينشأ عن ذلك من التعاسة والشقوة فى الحياة ! ذلك هو شعور كيركجورد فى قرارة نفسه ، وتلك هى نياته الباطنة ؛ ولو ملك الحق فى أن يتصرف أقل تصرف فى مصاير الآخرين لباح بهذا الرأى وأعلن هذه الرغبة . وإنه لما يؤيد هذا الترجيح عثورهم على خطاب بعد موته باسم أخيه يطلب إليه أن تكون خطيبته السابقة رجينا ضمن ورثته استنادا إلى أن خطبته منها لا يمكن أن تقصم بالنسبة إليه - شأنها شأن الزواج تماما - وأنها ممتدة امتداد الظواهر الأبدية فى عالم اللانهاية .
ومما يوقفنا على مدى إيمانه بالسماء قوله فى كتابه ( عقبات فى طريق الحياة ) هذه العبارة : " اليوم . انقضى عام ، إننى أحصى اللحظات ؛ لو أن فرصة أتيحث لى كيما أتحدث إليها ثم ينبنى المصير على هذا اللقاء . . لقد فكرت فى الأمر من جديد : فإما هى أو لا أحد ، ولكن على شرط أن ينتظم ذلك الآن من أجل سعادتنا يا إله السماء ؛ ولن أجرؤ على طلب يدها إلآ مع التحفظ اللانهائى بأنها ليست يدها هى ما أطلبه وإنما بعض ما يفيدنى ولم أجرؤ قط على طلب
شئ آخر من الله . . فالله لا شك هو أقرب شئ إلى الإنسان عندما يكون فى سبيله إلى معبر التسليم والاتكال ، هذا السبيل هو رحلة كاملة حول الوجود . وبمعنى واحد ، إننى أكاد أخشى أن يقبل الله رجائى أكثر مما أخشى رفضه . . أخاف أن يقول لى " نعم " أكثر مما أخاف قوله " لا " . . " وهذا هو أجلى تعبير عن الشعور النفسى الذى كان يحسه وعن القلق العنيف الذى كان يعتريه . فقد كان يخيفه تحقيق الله لما يرجوه وقضاؤه لمطلبه أكثر من رفضه وعدم سماحه ! فلماذا ؟ .
لقد كان طابع وجود كيركجورد الأصيل - فما يبدو - هو الأسى والمعاناة ، وتشربت حياته بمعنى الحزن وارتسمت على أيامه معالم التعاسة ، كان الهم جوهريا فى معاشه المنطوى ، وأدى به ذلك إلى إشفاقه من السعادة وخوفه من دواعى الفرح وتردده أمام الأبواب المنفتحة ! كان يحس بأنه صاحب رسالة ، وأن أى بذل من جانب الحياة له هو إعدام لهذه القوى الكامنة فى داخلية ذاته . وما من حياة تظهر هذا التعارض وتبدى هذه المحنة قدر ما تظهرها وتبديها حياة أصحاب الفكر المكلفين برسالة المحملين أمانة . إذ لا ينبغي أن تبزغ فى حيواتهم من الشواغل ما يلهيهم عن أداء عملهم الأسمى ، ولا ينبغى أن تعوقهم المتع الأرضية عن تبليغ رسالة السماء
وهنا تكمن مأساة كيركجورد . . تلك المأساة التى عاشها بنفسه فجعلت من حياته فلسفة وصبت فلسفته فى قالب حياة . ولعلها لا تقتصر على كونها مأساة بالنسبة إلى كيركجورد وحده ، وإنما تعد كذلك بالنسبة إلى الفرد . . إلى كل فرد على حدة . . فلا تكاد تخلو حياة تتسم بالفردية من صراع عنيف بين الرغبات الخاصة ووقائع الأمور ، ولا تكاد تتوفر لحياة ما صفة الفردية إذا لم يتوفر لها ذلك التعارض القوى بين الإرادة الجزئية وأحداث الوجود . وهنالك - فى مأساة كيركجورد - سيلتمس المفكرون دائما عناصر التفكير التى أدت إلى بروز هذا الاتجاه الوجودى الحديث ، وسيعثرون على مقومات أصيلة لكل منحى تأدى إليه أنصاره الجدد .

