الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 661الرجوع إلى "الثقافة"

من الأدب الوجودي :, البير كامو

Share

( أي روحي .. لا تتطلعي إلى الحياة الخالدة بل استفدى حقل الإمكان . .)                                                      ( بندار )

لا ... لن ننتحر... فلتنزل بنا المصائب أزواجا وأفرادا ، ولتحط بأجسامنا ألوان من العلل والهموم ، ولتمتلئ الحياة بضروب من التفاهة والعبث . . ومع هذا كله فسنظل مستمسكين بالعيش الإنساني المحدود . . إنه عيش باهت لا قيمة له ، فلا غد ولا أمل ولا نور ، ولكنه بعد كل شئ بالنسبة إلينا ، ولا بد أن نعطيه - نحن البشر - تقديره اللازم . . أيها الناس . . إني أحمل إليكم رسالة العبث . ولكن انفضوها ، فستجدون في طياتها رسالة العدل والكرامة . . سأقول لكم إن الحياة لا معنى لها كيما نتكاتف لإعطائها معني من عندنا ، وذلك تستحيل إلى شئ " إنساني " له قداسته وحرمته وجدواه .

تلك صرخة كامو التي انبعثت أول ما انبعثت من الجزائر الفرنسية ممتلئة بكل دلالات القلق الوجودي ، معبرة عن محنة الفكر المعاصر ؛ لم يقل كامو هذه الألفاظ بعينها ، ولكنها - فيما أعتقد - تعطيك لمحة من اللمحات التي تكشف لك عن ادب كامو ، وتفتح لك أبوابه وتدخل بك إلى أعماق فؤاده . .

هنا محور أفكاره وتلك هي أهم نقطة ينبغي أن تعول عليها في فهمك لآرائه . فهو رجل يريد أن يجعل للحياة معني بعد أن اكتشف أنه ليس لها أى معني ، ويريد أن يخلق فيها أوضاعا إنسانية وأخلا فردية تحدد اتجاهنا في العمل وتبث فينا الثقة ، ويجعلنا نغالب الإحساس بالضيعة . وتشجعنا على محو آثار العبث البادية بوضوح في معاشنا الإنساني . .

ونبدأ مع كامو من أول أمره لنري كيف تطورت الأفكار في رأسه على هذا النحو ، فنجد أنه ولد عام ١٩١٣ .

وأنه درس الفلسفة واضطر إلى العدول عنها تحت تأثير المرض أولا والحاجة ثانيا ؟ فاشتغل بالصحافة ؛ وكان فشله في الاستمرار علي نحو ما أراد لنفسه أن يكون في المجال العلمي ، سببا فيما احتواء خاطره من الأفكار السوداء ومن التشاؤم العنيف ؛ ونحن نعرف أنه ألف كتابا ( محترما ) وعمره لا يعدو الثالثة والعشرين ، بعنوان " ليالي الزفاف " وفي هذا الكتاب نشعر بأننا حيال كاتب ممتاز له أسلوب جميل فريد ، وله نغمة حزينة أسيانة ، وله أفكاره الغريبة المتمردة ، وتتبين ذلك من عباراته . . ولكن هذا يثبت أيضا أن كل ما هو بسيط يفوتنا ، ما هو اللون الأزرق ؟ وما هو التفكير في اللون الأزرق ؛ إنها نفس الصعوبة بالنسبة إلى الموت . . فلسنا ندري كيف يتحدث عن الموت وعن الألوان . . ولكن هل يمكنني حقا أن أفكر فيه ؟ أقول لنفسي : ينبغي أن أموت ، ولكن هذا لا يعني شيئا ما دمت لا أصل إلى حد اعتقاده ، ولا يمكنني أن أملك سوى تجربة الآخرين للموت . . رأيت أناسا يموتون ، ورأيت كلابا - على الخصوص - يموتون ، ولمسها هو الذي هدني . . وعندئذ أفكر : زهور ، ابتسامات ، حب النساء . فأفهم أن كل إشفاقى وذعري من الموت إنما ينشأ عن حسدي للعيش .

إنني أحسد أولئك الذين سوف يعيشون وستأخذ عندهم الزهور والرغبة في النساء كل معناها الحقيقي . . إنني حسود لأني أحب الحياة كثيرا ، وذلك من أجل ألا أكون أنانيا . . إذ فيم تهمني الأبدية ! ؟ فبالنسة إلي ، أمام هذا العالم ، لا أريد أن أكذب ولا أن يكذب الآخرون على . إنني أود الاستمرار بوعي إلي الآخر ، ومشاهدة ختام حياتي

يزادي كاملا من الحسد والرعب ؛ فيقدر انفصالي عن العالم وانشقاقي من الحياة أحس بالخوف من الموت ...

ومع فكرة الموت تنشأ لدي الفني الناشئ أفكار أخرى ، أهمها وأخطرها اعتقاده في العبث ؛ فلوت ، والاختلاف والتنازع ، والمصادفات ، وعدم التاكد من شئ . واستحالة الوصول إلى معني ثابت . . كل هذا يزرع في قلبه إيمانا غربيا بالتفاهة ويجعله يشعر في حياتنا اليومية بالرباية ، ويدفعه إلى الإحساس بالغربة وسط مظاهر الوجود .

ولأجل تكبير هذا الإحساس وتضخيم أفكاره تلك ، نراه يكتب مسرحية كاليجولا ، ويعبر عن الفضيحة في عملية الموت والعبث في انسياق المصير ، ويأتي هذا كله على لسان شخصية كاليجولا إثر موت أخته دورسلا التي كانت عزيزة عليه أثيرة لديه ؛ فالأشياء على نحو ما هي عليه لا ترضي كاليجولا ولا تعجبه ، وتكاد ألا تكون محتملة ويقول : إن موت أخني وحبي لها لا يعني شيئا ، ولكني اكتشفت حقيقة من ورائه هي التي تضقيني ، لموت أختي لا يعدو أن يكون رمزا . . رمزا لموت الناس وتعاستهم .

إن كل ما يحيط بي هو أكذوبة ، أما أنا فأريد أن أعيش على بينة ، على صواب ، وأعتقد أنني أملك الوسائل التي تحول الناس إلى مثل طريقى ، فهم محرومون من المعرفة ، وينقص العلم الذي يعرف ماذا يقول وفيم يتحدث . .

وهنا - في كاليجولا - نحس بالخيوط التي تتواصل في تفكيره وبالروابط التي تقرن أفكاره وتثبت أصالته وونه من اتجاهه ، ولكنا نصطدم فجاة بموقفه الجبار في رواية الغريب . . نفس البذور وقد استحالت إلي أشجار باسقة ، نفس التسلسل وقد أصبح تيارا عنيفا ، نفس الحيرة وقد ارتسمت على وجه ساخر عابث . وألفت نظر القارئ هنا إلى أمور عدة : أولها أن هذه القصة بالإضافة إلى مسرحية "المساء فهمه" تمثل فكرة حدوث الأشياء وورود الوقائع على نحو يخالف رغبة الإنسان ، فالحوادث التي تقع هي في الغالب مكروهة ، ولا تاتي بناء على تصميم ذاتي . . إننا بهذا ألعوبة في يد القدر وسهم طائش أطلقه المصير . وبهذه الصورة ينبغي أن نفهم دور كل من " ميرسوه " بطل قصة الغريب ، وجان بطل مسرحية " المساء فهمه " ولعل الصلة الروحية القوية فيما بين القصتين هى التى دعت ميرسوه إلى ذكر المصير الذي لقيه جان إبان سجنه .

وكذلك نلاحظ أن الغريب تعبر عن روح سجينة وتعطي دائما معي الانتقال وتصور الوقائع بصورة تشعرك أن مؤلف القصة نفسها يعاني الأسر ويتألم من الحبسة . ويشترك مع هذه القصة في الدلالة على ظاهرة الانفعال قصة ( الطاعون ) . واعتقد أن هذا ناشئ عن مرضه هو شخصيا بمرض صدري يضطره إلى الانطواء على نفسه والأنقفال على روحه والانطلاق بين جدران ذاتيته فحسب . فالحوائط السميكة التي أحاطت ببطل قصة الغريب في سجنه لا تعدو أن تكون رمزا للعوائق الرضية التي تحرم كامو من الاندفاع يمنة ويسرة ، وتحول بيته وبين الخروج عن حدود نفسه ، كذلك يتمثل الانقفال في الطاعون الذي ينزل ببلدة " اوران " فيفصلها عن غيرها من البلاد ويجعلها في عزلة تامة كلها خوف وذعر وألم .

وملاحظة ثالثة هامة بشأن قصة الغريب وهي أنها تدل على تحول ظاهر في أفكار كامو . . فقد وصف كامو في كتابه " ليالي الزفاف " مظاهر الطبيعة ، وجنح إلي مشاركة الحياة قواها وأراد أن يجد اللذة في احساسه الحيواني الخالص بين الرمال الحمراء وأمواج البحر الفضية . أما الغريب فهو - كما يقول سارتر - الإنسان أمام العالم ؛ أي هنا شئ آخر سوى العالم ، معارض له ومناهض لقواه ، بل لقد ذهب إلى حد القول بأن الإنسان لم يخلق لهذا العالم ، ونظر بناء على ذلك إلى العلاقة بينهما نظرة ملؤها التشاؤم والقنوط ، واعتبر الإنسان مخلوقا ذا طبيعة مغايرة لطبيعة الأشياء من حوله . فقد ألفي الإنسان بغير مسؤلية ليشهد العبث ويقوم بالثورة ويأمل في لاشئ . . إنه برئ . . بريء بكل معاني الكلمة ، بل ومغفل أيضا إذا شئت . وبهذا نفهم تماما عنوان قصة كامو ، فالغريب الذي شاء تصويره هو بالضبط واحد من أولئك الأبرياء المخيفين الذين يفضحون المجتمع لأنهم لا يقبلون أصول لعبته . إنه يعيش مع الغرباء ، ولكنه غريب أيضا بالنسبة إليهم ، ولهذا السبب سيحبه البعض مثل خليلته ماري التي تتمسك به لغرائبه . وسينكره البعض نفس السبب . . ونحن أنفسنا ، نحن الذين لم نألف بعد الإحساس بالعبث ، نفتح الكتاب ونحاول عبثا الحكم عليه حسب قواعدنا المعتادة فنجد أنه كذلك غريب بالنسبة إلينا .

ولكن كيف يمكن بعد كل هذا الفقدان الذاتي أن يقيم الانسان مذهبا في الأخلاق أو نظاما للعمل ؟ إن الفكرة

التي كونها كامو في ذهنه عن الإنسان تجعله أضعف من أن تكون لعلاقته بالآخرين قاعدة ، وأهون من أن يكون لحياته أسلوب . وأبعد شئ عن التصور هو أن توجد فكرة أخلاقية بين هذا العبث الكامل ، وان تنشأ أصول نظرية على هذه الأعدام المطلقة ، وأن تنبني أحكام ونظر فوق هذه الفوضى الضاربة . ولكن كامو يفعل هذه المعجزة . إنه ينشيء قصرا على الرمال ، ويعتقد - على الرغم من ذلك - أن هذا القصر من المثانة بمكان . إنها ضرورة تلك التي تلجئنا إلي هذا التصرف ، فنحن لاحول لنا ولا قوة ، موجودون في عالم شاذ بالنسبة إلينا ، بدون معونة من أحد سوانا ، ولا بد أن نعيش مع ذلك . . فما العمل ؟ لابد أن نعترض على مصايرنا وان نتصرف في العالم بمنطق وذكاء ، وألا نتنازل أو نستسلم مهما كانت الظروف . فإذا تولد عن هذا الشعور نظام في الأخلاق أو فكرة عن أصول العيش ، فلابد من قبولها على الرغم من الفراغ الذي تقوم عليه . إننا لا نملك أفضل من هذا ، أو بمعنى آخر : إنه خلق من لا شئ ، وبني على أسس من صنعنا نحن ، من صنع الأفراد ، ففيم الاعتراض ؟

وينبغي ملاحظة طبيعة العمل الأدنى عند كامو . فليس هو بصاحب المذهب أو الفيلسوف الذي ينافح عن فكرته ، ولا يجوز أن تنظر إليه على أنه واحد الغيورين على أرائه المعطاة . لا ..لا .. يخطرن هذا على بالك من ،لأنه من صميم أسلوبه وروحه أن يلقي الكلام على عواهنه - شأنه شأن نشئة الفيلسوف - فهو لا يحاول الإقناع . إنه ليس من أولئك المفكرين المهمومين بأفكارهم . ولو شاء هو نفسه أن يكون كذلك لما استطاع . لأن عدم الاهتمام أصيل في طبيعته ، ولأن طريقته في الكتابة - ثانيا - تجعلك تشعر أنه لا يعمل عملا وإنما يعطيك فكرة عن شئ موجود ، قائم ، عن شئ هنالك . إنني أقف عند هذه النقطة لتوضيحها وجلائها أكثر من ذلك . قلت إن كامو يؤمن بالعبث في العالم وخلو الحياة من دلالة معقولة . فكل عمل داخل نطاق الوجود الأرضى متصف بهذه الصفة ولو كان عملا أدبيا . ولذلك نجد كامو لا يحاول قط أن يشرح شيئا ولا يسعي من أجل تبرير فكرة ، ولم يعمل يوما على إثبات قول من الأقوال التي وردت في كتبه . هذه طبيعته في أعماله الأدبية ، وهي في الوقت نفسه مماشاة لأصل اعتقاده وأسلوب

معاشه . فهو كما يقول سارتر - يحاول الاقتراح فقط ، ولا يشغل نفسه بتحقيق ما يظن هو نفسه أنه لا يقبل التحقيق . إن لا يعتقد في قرارة نفسه ضرورة العمل الأدبى عند أصحاب المواهب ، كما يحاول الفنانون الاخرون أن يوهمونا ؛ فالقصة التي يؤلفها والرأي الذي يرثيه كان يمكن ألا يكون . شأنه شأن هذه القطعة من الحجر أو ذلك المجري من الماء . هي نوع من الحاضر وهي لمحة مجزوءه من حياة ، وهي صفحة من عمر . فتراه يكتب ويعبر وكأن في إمكانه ألا يكتب وألا يعبر . . ولكن الأمر سيان في النهاية . لا فرق عنده بين كتابة المقال وتناول القهوة وتدخين السجائر .

ورجل هذا شأنه من الصعب أن تجهد نفسك في مناقشة آرائه وبحث مؤلفاته . . دعه يقال ما يقول ، وخذ منه وانفث بعد ذلك أنفاسك من حولك دون أن تبس بينت شفة . هو غني حتى عن كلمة للمديح تصدر من فمك ، ولا يحتاج منك إلا أن تتكاتف معه في معركة العدالة لإقامة الصلات البشرية على أساس جديد .

ولكن نعود فنقول : كيف يتم له هذا ؟ من أجل الوصول إلى معرفة تفاصيل المشكلة يحسن أن تقسم تفكيره إلي ثلاث مراحل : مرحلة أولى هي عبارة عن فترة من الحساسية واللاأخلاقية . ومرحلة ثانية نسميها بفترة التفلسف . ومرحلة ثالثة تتم فيها نزعته الأخلاقية.

والخطوط الرئيسية في فترته الأولى هي عبارة عن جنوحه إلى العيش بدون محاولة اختراع آية ولالة في الحياة وبغير إعطاء معنى لهذا الوجود . كذلك نجد عنده معاناة لجانب التهديد الذي يتمثل في معاشنا الانساني علي صورة موت مفاجئ أو ياس قاطع أو تلاش حاسم . ويقول : إنني أعرف أنه ليسة  ثمة أي حظ علوي أو حياة طوبوية ولا وجود للأبدية في حدود نطاق آخر سوى هذا النطاق المضروب حول حياتنا اليومية ؛ فهذه الأشياء المحيطة بي وتلك الحقائق المحسومة لدي تحركني وحدها . أما أصحابنا المثاليون فلا أظن أنني أملك القدرة على فهمهم . وليس معنى هذا أننا أغبياء بالضرورة ؛ ولكني مع هذا لا أجد معنى للذة الخلود وسعادة الأبد .

ويأخذ كامو المثل من أسطورة زيزيف .. ذلك العبد الذي لم يمكنه أن يكف لحظة عن عبوديته . فهو يدفع الحجر الثقيل إلى قرب القمة في أعلى الجبل ثم يسقط منه ويتدحرج

إلى أسفل الجبل فيدفعه ثانية أمامه ليعود فيهوي من جديد ... وهكذا! وماذا نفعل نحن أكثر من هذا ؟ استيقظ وتتناول القهوة ونقفز إلى الترام ويمكث في العمل عدة ساعات نتناول الطعام بعدها وننام ، ونعود فنكرر هذا الأسلوب الرتيب أيام الأسبوع متوالية . . فباستمرار ندور كالثور الذي يحرك الساقية أو زيزيف الذي يدفع الحجر ، ولا نكف عن بذل الجهد ونمضى بغير توقف ، وتحقق وجودنا بالخضوع لهذا المصير الماحل ، الخالي من المعقولية . فما من شئ يمكن تفسيره ، وما من شئ يمكن التأكد منه سوى الموت . وهنا ينهض الإنسان ليثير الشكوك ويطلق الأسئلة فيجد نفسه محاطا بجدران اللامعقولية والعبث ، مأسورا بأغلال التفاهة والعدم .

وفي هذه اللحظة يتجه تفكيره نحو التفلسف ويتطلع إلى التفسير ويأخذ في سرد الآراء . فهاهنا نقطة تحول تبدأ عندها المرحلة الثانية ، وهي - كما سميناها - فترة التفلسف . لقد تكشف العبث من حولنا وأصبح حقيقة ثابتة ، وصار من الضروري أن يبدأ التفكير الفلسفي عنده من هناك . فأية حركة نحو البناء الفكري لابد أن تنشأ حول هذا المحور الدائم العمل ، وتنبني على هذا الأساس البادي الأثر . فكل إنسان في رأيه هو زيزيف . . إننا ندحرج الحجر أمامنا مع علمنا بأنه سيعود إلي أسفل الجبل من جديد . ولكننا نعلم أيضا أن قيمتنا كبشر تتركز في استنفاد قوانا على مصطبة العدم ، فزيزيف هو الأستاذ الكبير عند كامو - كما كان زرادشت عند نيتشه - وهو الذي شبع الإنسانية بروح الإخلاص وعلمها كيف تهبط بالآلهة لترتفع بالأحجار . كل شئ على ما يرام في نظره ، والعالم لا يتصف بخير أو بشر - ويكفي لإرواء التعطش في قلوب الأفراد أن يجهدوا أنفسهم في حركة التصعيد نحو القمم . ونقطة البدء دائما هي الاعتراف بأن زيزيف سعيد . . سعيد بوعيه وقبوله لأحواله وتقانيه من أجل عمله الإنساني وتضحيته في عالم بغير تأييد ولا رعاية .

وهنا نجد أنفسنا بإزاء لمحات من فلسفات قديمة ترد في غضون أقواله وتسري بين السطور في أقاصيصه . إذ نجد منه قبولا لوجوده المهدد بالفناء ونجد فيه استشعارا بالفرحة نتيجة لهذه المحدودية في المعاش الإنساني . . إنه يستمد فرحه المباشر من وجوده ويلتمس رضاء الشخصي في حياته السالكة

سبيل العدم . ومأساة المصير لا تأتي إلا من فناء هذا الجسد ؛ مع أنه ، وحده ، عنصر الخير في هذا العالم . وليس أمامنا إلا أن نستنفد قوي الجسوم وأن نلتهب لذات الحس وان نوسع من نطاق تجاربنا الممكنة .

ولكننا في الحقيقة مضطرون إلى أن نفرق بينه وبين الرواقية ؟ فأصحاب المذهب الأخير لا يطلقون اسم العبث على ما يعجزون عن فهمه ويعتقدون بوجود مبدأ خفي للكون وسر مكنون للحياة . كذلك يستسلم الرواقي للمصير ويحاول إدماج إرادته في ناموس الكون ونظام العالم ، وعمل رغباته تحت تصرف القدر . ويحاول الرواقي فضلا عن هذا احتقار شهواته وتحدي ميوله .. بخلاف ما يتصف به الإنسان الواقف على العبث من نصرة عواطفه وتحمسه للانطلاق والتحرر . وهكذا نجد أنفسنا مضطرين إلى أن نتفس عناصر الرواقية في تفكيره بحذر .

وشهد كامو الحرب الأخيرة يلمس بنفسه آلام البشرية ، ويعاني من قريب مشكلات الإنسان الحائر بين أطماعه ومصالح الآخرين . فنجد نفسه وقد بدأت تتبلور وروحه وقد أخذت تتشكل بصورة أخلاقية جديدة . وتكون هذه هي المرحلة الثالثة والأخيرة ، مرحلة التفكير الأخلاقي . والواقع أنه ما دام العبث هو ماهية الوجود ، ومادامت اللامعقولية هي نسيج الحياة ، فلابد أن يكون الإحساس بالتفاهة ، والفرحة المخمورة بنشوة العيش المجهول ، والعاطفة المشبوبة بالرغبة في العمل الخالي من هدف ، مصدر الوحي الأصيل في أسلوبه الأخلافي .

قد يري البعض في هذا تناقضا وسخفا . . ولكن ما أحب هذا التناقض وذلك السخف إليه ! فانسياقنا على هذا النحو هو وحده الذي سيعطى لكل تصرف وزنه الإنساني وقيمته الفردية . ويكفى أن تكون ذا نظرة عقلية نحو الحياة لنقيم أخلاقا ، ولاشك أن كامو يملك هذه النظرة . وأولئك الذين يرون في الأمر خطورة إنما يتولد عندهم هذا الشعور من تعريفهم للأخلاق . . فلها في نظرهم صورة تقليدية مثقلة بالاحكام الفاضلة ، ومتخومة بالقواعد والأصول الذوقية . . مع أننا لو تساءنا ببساطة : ماذا تكون الأخلاق ؛ لوجناها لا تعدو أن تكون اختيارا لموقف بالذات من أجل توطيد المصير الفردي . وأخلاق كامو تبدأ من الفرد ، ولكنها تمضي في سبيلها حتى تأخذ في النهاية شكلا جمعيا .

ويتم هذا بطريقة واضحة وعلى نمط معين بمجرد اتفاق الناس على مواجهة العالم ومحاربة الشر ومقاومة العبث . فنحن أعداء للعالم ، وتأخذ عداوتنا مظهر المعارضة والإنكار ؛ واجتماعنا حول هذا الشعور وبالتفافنا حول ذلك الاعتقاد . ترتسم على أفعالنا معالم التجمهر وتتشرب حركتنا بروح التعاون ، وينتهي الفرد لتبدأ الجماعة . وهكذا تصير رغبة الإنسان رغبة إنسانية . ففي أول الأمر وضم الفرد لنفسه فيها خاصة مليئة بالغرور والإيمان بالعبث ، ثم اتحد الأفراد بنفس الفكر وعلى هذا الأساس عينه في صراع جمعي إزاء العبث الكوني ، فوضعوا قيما مشتركة عبارة عن العدالة واحترام الفكر وتقدير المشاعر والتحالف على شكل صداقة

إنسانية . وهكذا تتأسس الأخلاق بإيجاز من الصراع الأخوي ضد قوى الطبيعة .

بل هكذا يشترك كامو في الصراع السياسي وينازل الشر والتعاسية عمليا ثم يمضي بين الناس كانسان متميز بإرادة الخير . وها يولد الدكتور ريبه في قصة الطاعون . فالسعادة ينبغي أن تكون هدفا لكل حيوية إنسانية ، ولابد على الدوام من نشدان الخير . وليس هناك مثل أوضح من الدكتور ريبه في التعبير عن الثورة التي تهب إعلانا عن ضمير الإنسان وهو بصدد معاناته من جراء وضعه مع الآخرين .

اشترك في نشرتنا البريدية