كان حسين وعلي يسيران في تراخ وكسل ، في المكان الذي شب فيه الحريق المروع في بايزيد . . واليوم قد مضي علي ذلك الحريق نحو عشرة أعوام . .
لقد جمع العمل هذين الرجلين ، فقد جمعتهما الصدفة في ذلك الحريق ، فمكثا حتى الفجر يكافحان مع الناس في إطفاء النيران وحصر الحريق . . ثم لما أدركا أن لا حيلة لهما إزاء هذه النيران الناشبة حملا معهما ما خف حمله من أمتعة المنازل التي قوضتها النيران ، وتركتها أنقاضا . .
ومن ذلك التاريخ أصبحا زميلين في تخفيف ويلات الإنسانية ! فهما يبحثان عن الحرائق لإطفاء نيرانها ثم يأخذان أجرهما من المتاع . .
ذكر حسين هذا كله ، وود ان يفضي إلي صاحبه بما يجول في ذهنه من الألم والكدر ، وأراد أن يتحدث لزميله بشجونه وسبب شقائه ، فقال :
- يا علي ! إن أيامنا المقبلة ستكون سيئة ، وإن حظنا آخذ في الأفول ؛ انظر إلي هذه الدور المشيدة حديثاً ، تراها كلها مبنية بالحجارة ، ولسوف تقل الحرائق ويضيق نطاق النيران ، وسيقل عملنا من جراء ذلك ، وستضطرب أحوالنا .
فلم يرد عليه الآخر ، ولم يحفل بقوله ، لا لأنه منصرف إلي تفكيره فحسب ، بل لأنهما كانا إلي جانب اشترا كهما في العمل ، وزمالتهما الطويلة ، يكرهان بعضهما كراهية عميقة ، وقد نصب كل من نفسه رقيباً علي زميله ، فكلاهما لا يأتمن زميله ولا يثق به ؛ وقد يجيء وقت يطفو فيه حقدهما وكراهيتهما ، فيعلنان الحرب الشعواء ، وكل ينال من زميله بلسانه ويده ؛ وتنتهي هذه
المعارك اللسانية واليدوية بأن يكون أحدهما الغالب والآخر المغلوب . وهكذا كانت الحرب سجالا ، وكان كل لا يحمل كلام صاحبه إلا على محمل الهزء والسخرية ، بهذا جرت العادة بينهما .
وبينما هما في سيرهما البطئ صاح على بزميله : - لا تحزن يا صديقي ولا تبتئس ، ودع عنك الجزع ، فلن تموت من الجوع ! انظر أيها الابله إلي تلك القمامة ، هنالك رزقك في انتظارك . وأشار باصبعه نحو بيت خرب ، وفي ناحية منه كومة من القمامة ، ظاهر من بينها علبة صغيرة للمجوهرات ، واستمر قائلا : إنها علبة جواهر ! خذها ، ولسوف تكون في عيشة راضية ، وتكون سعيدا في أيامك المقبلة .
وعى زميله هذا الكلام ، فأخذ يقهقه بصوت أجش ، وهو يعجب من كلام صاحبه الساخر ، ويحمل قوله محمل الهزء ، به والنيل منه . . وسارا خطوات ، ولكن نظره ما لبث أن رجع إلي العلبة رائجه إليها ، فسمرت قدماء في الأرض ، ولبث لحظة قصيرة يفكر ، ثم ما لبث أن قال : نعم ، إن هذه العلبة قديمة جدا ، ولكن من يدري ؟
وكأنما سر لهذا الخاطر ، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة غامضة ؛ فسار صوب كومة القمامة ، وتناول العلبة وأزال ما علق بظاهرها بكم ثوبه ، ثم فتحها . . وفي هذه الأثناء كان زميله قد اقترب منه ، وكان بجواره حين فتح العلبة . ولمعت عينا هذين الصعلوكين ، حينما رأيا بداخل العلبة قرطا .
صاح الصعلوكان وقد استخفهما السرور : - إنه قرط ، جوانبه من الذهب الخالص ، وأحجاره من الألماس ، ولا شبهة في ذلك ؛ فهما كثيرا ما حملا الذهب والألماس في أثناء عملهما . يالله ، الجوانب من الذهب والحجارة من الألماس . . يتفجر منه ألوان سبعة . يا لقلبي ! ويالدقاته السريعة وأنفاسى المبهورة ! إن سناء يخطف البصر ويغشى النظر . .
وأخذا يطيلان النظر إلي العلبة وهما يتنهدان ، ولم يك يسمع منهما غير هذه الكلمة بين الحين والحين ، مصحوبة بتنهدات عميقة : يالله ، إنه ألماس صاف ! وذهب خالص !
وقال علي : لقد كتبت لنا السعادة ، وزال عنا الشقاء والبؤس . قال هذا وهو يطوح بطربوشه في الهواء . أما حسين فقد وضع العلبة في جيبه بهدوء ، وقال لرفيقه : - أستودعك الله !
وقد ظن على أن صاحبه يمزح معه ، أو يلهو به . لهذا ما لبث أن قال : هيا بنا إلي السوق ، ولنذهب إلى متجر كبير ، فنقومه ، ويعلم الله أنه يساوي على الأقل مائة ليرة : خمسون لك وخمسون لي .
ولكن حسيناً لم يكن مازحا أو هازلا ، لهذا قال بصوت جاف فيه رنة عدم الرضا : إليك عنى ! مال من تبيعه لمن ؟ ! أنا الذي تناولت العلبة من الكومة ، لهذا تعتبر هذه العلبة ملكا خالصاً لي . . وسكت هنية ، وما لبث أن قال متمماً كلامه : بثمن هذا سأعيش بقية عمري !
لم يأخذ عليّ هذا الكلام على أنه جد ، بل ظنه مزاحا وهزلا ، لذلك أردف يقول : سوف نقبض مائة ليرة ، أليس كذلك أيها الزميل العزيز ؟
- ليس لك شأن في هذا ، مائة ليرة ، مائة قرش ، مائة بارة ، كل هذه من خصوصياتي ، ولا يعنيك أمرى ، أنا الذي تناولت العلبة ، فأنا صاحبها .
- ولكن لا تنس أني أنا الذي دلك عليها ، ووجهت نظرك إليها ، وإن لم أكن وجهت نظرك إليها ما كنت لتراها فتأخذها .
- أنا الذي التقطتها من الكومة . - أنا الذي أشرت لك عليها .
ووقفا ينظران إلي بعضهما هنيهة ، ونظر على إلي الأرض ساهما مفكرا لحظة قصيرة ، ثم رفع رأسه وقال في حزم وعزم وإصرار : لن أترك لك هذا القرط . - ماذا ستعمل ؟ - ساخذه منك بالقوة .
وقبل البدء في المعركة هزا ذراعيهما في الهواء ، ونفخا صدريهما ، وتقدم حسين خطوة ، وأعلن الحرب بلكمة وجهها إلي زميله ، ودارت المعركة حامية الوطيس . ومضت لحظات وهما يتطاحنان بدون أن يتغلب أحدهما على الآخر نظرا لتكافئهما في القوة . ولما كان حسين يري نفسه صاحب حق ، دافع عن وجهة نظره بعزيمة أقوي . . لذلك ما لبث أن تغلب على غريمه ، وطرحه أرضاً ، وجثم على صدره وأطبق بيديه الغليظتين على رقبة رفيقه ، وأخذ يشدد في الضغط ! فاربد وجه على ، وعلا وجهه زرقة داكنة ، فسأل الصعلوك الغالب .
- هل أنت راض بالنصف ؟ فأجاب المغلوب بصوت متحشرج ، وهو يغمض عينيه الجاحظتين ، وأهدابه ترف بسرعة على عينيه ، وقد فتح فمه فبدا كالكهف : هيا ، ولنمض إلي السوق .
وإلي السوق سارا معاً ، يملأ صدر كل منهما الأمل . وهما يقلبان القرط ، ولأجل أن يظهرا جماله وروعته وجدته ، أخذا في تلميعه بكمي ثوبيهما ، حتى يظهر بريقة ولمعانه فيقبضان فيه ثمنا مناسبا . والآن أصبحا صديقين تماما ، وقر رأيهما على أن يقضيا ليلة مرحة في ملاهى (بك أوغلي ).
وكان الجوهري استيك أفندي يعرفهما من زمن بعيد ، فقد عقدا معه بعض الصفقات في فترات مختلفة ، كان آخرها حين باعاه ساعة ذهبية وسوارا ماسيا . وحين ولجا دكانه قام لهم ، واحتفل بقدومهما في حماس ظاهر . وسرور بالغ ؛ وقدم الصعلوكان القرط للجوهري والصمت يجلهما من فرط انفعالهما . وأمسك استيك أفندي أنفاسه برهة ، ونظر إلي القرط بامعان تحت ضوء النور وسألهما : - كم تطلبان ثمنا له ؟
فأجاب حسين : مائتي ليرة . فنظر استيك أفندي إلى الصعلوكين وقال : يا عزيزيّ الفاضلين ! أدفع لكما فيه ثلاثين قرشا إنه قشرة ذهب وحجارته عادية ولا تساوي شيئا
