عزيزى الأستاذ عبد الرحمن صدقي
لقد أحزنني وأبكيتنى بقصيدتك المنشورة في " مجلة الثقافة " . ولا ا كتب اليك هذا معزيا . فان فجيعتك ولا شك فوق كل عزاء . لان الشعر الذي قرأت ينزف من جرح لا يدرك كل الناس اغواره . إني لاتساءل : هل أنت نظمت هذا الشعر او انه انسكب وحده مع نفسك كما تنسكب الدموع . . دون ان تمسك حتى بالقلم ! إنه شئ طبيعي . إنه من صنع الطبيعة نفسها مثل عبراتنا . هذا شعر لا يصنع ولا يكتب . ولا يظهر في كل حين ولا يجود به كل شاعر . وليس لجمال القصيدة وحدها أبعث إليك بهذه الكلمة . فليس الظرف ظرف إطراء فنك الرائع هذا . . وكل مجد في نظرك الآن ولا ريب هباء . ولكني أكتب إليك لأني أبكي حالي أنا أيضا المماثل لحالك .
فقولك :
كان لي في أخريات الـ ممر بيت ، فعدمته
سنوات أربع ؟ أم كان ذا حلما حلمته
برهة ، وانتبه الدهر فمتي ما رسمته
أتري الرضوان ذنبا أتتمه وأتمته
أحرام أن سعدنا أم خيال ما زعمته ؟
كل ما أعرف أبي كان لي بيت عدمته
هو أمر كان يصح أن يحدث لي لو أني وفقت إلي مثل ما وفقت انت اليه من زواج سعيد . فالقدر ما كان يتركني أنا ايضا أنعم بالعش الهنئ أكثر من عام أو عامين ، كأن السعادة لأمثالنا إثم - كما تقول - لابد لها من عقاب لقد بت أخشاها لأني اعرف الثمن المحتوم . ولقد جردت نفسي من كل شىء ووقفت أمام القدر وجها لوجه . وهو ينظر إلي يدي الفارغة من كل نفيس وعزير فلا يجد ما يخطفه مني ولا ما يفجعني فيه . وهأنذا أ تحامل على نفسي لأطبق هذه الحياة - إذا صح لي أن أسمى هذا العدم حياة - ولقد تجلدت حتي تبلدت . فما أحسست للعذاب قيمة ولا للدمع طعما إلا وأنا أبكي معك تلك التي قلت فيها :
ففاضت كما فاض الربيع ، وإنما ربيعي بعد اليوم هيهات يورق
شريكة درسي ! تلك أسفار مكتبي خسر سن وكانت في جوارك تنطق
فما لي إلى الأسفار بعدك نهضة ولا متعة فيما يشوق ويونق
وكنت جعلت القفر حولي جنة وقام من الفوضى نظام منسق
فخلفت في بيتي سرابا بقيمة صوانك بالأبراد والحلي يبرق
لماذا فعل القضاء بك ذلك ؟ إن القدر يعلم انه سلبك شيئا أنفقت اكثر حياتك بحثا عنه . ولقد ظفرت ( في النهاية ليكون لك ذخرا في آخر العمر وسندا . . إلى الوحدة الباردة مرة اخري وقد ذقت دفء الحنان ؟ إلى فوضى الحياة من جديد وقد ولي الشباب ؟ ! اللهم الصبر لك ! اللهم الصبر لك ! . . إني اشعر بما انت فيه . واحس ما تحس وأرثي لك ولنفسي إذا كنت في موقفك وأسأل السماء الرفق بك

