الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 333 الرجوع إلى "الرسالة"

من الألياف إلى الثياب

Share

لأحد الشعراء الإنكليز أبيات يقول فيها إن آدم كان فلاحاً  يحرث الأرض وإن حواء كانت عاملة تنسج الغزل. ويتساءل هذا  الشاعر أين كان أهل الكياسة والظرف في ذلك العهد؟

وإذا لم تكن حواء هي أو غازلة أو ناسجة فإن إحدى بناتها  أو حفيداتها أو بنات الحفيدات كانت أول من فعل ذلك لأن  فن النسج كان مما بدأت به الإنسانية في طفولتها، فقبل أن يصنع  الرجل من الشماليين في العصور الأولى لنفسه ثوباً من فرو الحيوانات  التي يصيدها كانت المرأة الجنوبية قد جدلت من النبات الطويل

أو من ورق الأشجار المفتول أو من البوص سلالاً تحمل فيها من  حاجاتها أكثر مما تتسع لحمله كفاها، وضفرت كذلك من هذه  الأنواع حصيراً تغطي بها الأرض المرطوبة أو الصلبة في كهفها  أو كوخها، وصنعت كذلك نوعاً من الثياب تستر به جسمها.

في العهد الذي أصبح فيه جوبال أخو توبال كين راعياً وأباً  لكل الرعاة كانت أمه   (آده)  وزوجته وابنته إخصائيات  في ضفر النبات والألياف لصنع الأغطية والحصر التي تصنع منها  الخيام، وربما كانوا يفتلون الألياف لتصنع منها جدائل غير متقنة  الصنع ويمرون هذه الجدائل بين ثقوب في قوائم الخيمة لربطها.

في هذه الأيام الأولى بدأت المرأة تهتم باللباس لها ولأسرتها  كما تهتم بالطعام، وبدأت تزاول، بما كان بين يديها من الآلات  الحقيرة، تلك الفنون الجميلة التي صارت فيما بعد من دواعي مجدها،  لأنه لا شك في أن الغزل والنسج والصباغة من الفنون النسوية.

كانت المرأة أول من استخرج الألياف من نبات الكتان  وصنع منه خيوطاً، وكانت زوجة أحد الرعاة الذين يقضون  نهارهم البارد فوق الجبال. كانت تلك الزوجة أول من أخذ جانباً  من صوف الغنم. ومنه صنعت ثوباً تدفئ به ابنها الطفل. وخطر  ببال امرأة أخرى وهي تغزل خيطاً طويلاً متيناً من ألياف الكتان  أن تضع جانباً من هذه الخيوط على عصاً وأن تلف بعضها على  بعض حتى يتكون منها خيط متين، فكان اختراعها هذا أول  نوع من المغزل. وكان يدار باليد ثم صار يدار كعجلة الغزل.  وكانت محبة الجمال هي السبب الذي جعل المرأة تمل من اللون  الساذج البسيط للأصواف، فوضعت المرأة المادة التي تصنع منها  خيوطها في أثناء العمل في عصارات بعض النبات لتغير من لونها

كان هؤلاء النسوة اللاتي نتحدث عنهن من نسوة القبائل  الرحالة. وفي ابتداء العهد الزراعي وعهد إنشاء المساكن أتيحت  الفرصة للمرأة لتوطد هذه الصناعة. ولم تعد أمامها ضرورة تقضي

بالاقتناع بالمواد الخشنة التي تجدها في الحقول بل أصبح في وسعها  زراعة الكتان والقطن لتكون ثيابها أرق وأخف وزناً مما يصنع  من الصوف. وأصبح عمل الراعي أهم لما صارت الحاجة إلى صوف  غنمه مثل الحاجة إلى لحومها في السوق.

وفي الكتاب المقدس أقصوصة تدل على أن ميشا ملك مؤاب  قد دفع لمولاه ملك إسرائيل الجزية صوفاً لمائة ألف جمل ومائة ألف  سخل. وقد كان حذق النساء صناعة المنسوجات الصوفية مما جعل  لها قيمة تجارية.

وفي سفر الأمثال من الكتاب المقدس صورة جميلة لامرأة  متخيلة في عهد كان قبل سبعمائة عام من التاريخ المسيحي، وكان  كل ما منزلها بحاجة إليه من الفنون خاضعاً لسلطانها. وهذا  الوصف جاء على لسان ملك ليمويل الذي علمته أمه ما ينبغي أن تكون  عليه المرأة التي تصلح زوجة له. وهذا وصفها:   (هي التي تبحث  عن الصوف والكتان وتعمل بيدها راغبة في ذلك وهي التي تصنع  بالمغزل وتمسك بيديها النسيج وتمد يدها بالبر إلى الفقير والى المضطر  وهي لا تخاف على منزلها من البرد لأن منزلها مفروش بالبساط  القرمزي وهي التي تصنع أغطية من الدانتللا وترتدي ثياباً من  الحرير والقماش الأحمر) .

اشترك في نشرتنا البريدية