الإمام عبد القاهر الجرجاني هو العالم الثاني الذي نريد أن نعرف - في اختصار - بجهوده في هذه البحوث . وهو - كالقاضي - جرجاني النشأة والوطن ، إلا أنه أوسع من شيخه أفقا ، وأدق تحليلا ، وأكثر التزاما لمتقضيات المنهج العلمي وأجلد أثرا في تاريخ الدراسات العربية وهو - في رأينا - أعظم علماء النقد العربي على الإطلاق ، وأحد الأفذاذ من علماء النقد في تاريخ الإنسانية كلها ! وإذا كان شيخه قد مكل ثقافة القرن الرابع الهجري في تخصصها وإنتاجها ، فإن عبد القاهر يمثل القرن الخامس في تلاقي التيارات العلمية فيه ، وانتفاع بعضها بنتائج بعض ، والإحاطة بموضوع البحث من أطرافه ألتف عبد القاهر - فيما ألف - كتابين في النقد العربي : أحدهما "دلائل الإعجاز " والثاني " أسرار البلاغة " وضمن كلا الكتابين نظرية واضحة العالم وافية البسط والتقرير ، والاعتراض والرد ، والنظر والتطبيق.
والنظريتان - فيما نري - متتامتان تؤلفان مبدأ ذوقيا واضحا في فلسفة الفن ، وهو أن للعمل الأدبي ناحيتين : الأولى نظمه وتأليفه وطرق تركيبه ، والثانية صياغته وجماله وألوان صوره وكل ما يمت فيه إلى الروعة والتأثير .
على هاتين الناحيتين قام الكتابان ، فتخصص " الدلائل " في بحث الأولى ، وتفرغ " الأسرار " والثانية . ولكن جو الكتابين واحد ، فالمؤلف في كليهما يحمل راية العلم ، ويحذر من التقليد ، ويدعو إلي ضرورة المعرفة المفصلة ، وإلى تعمق بحث الأسباب والعلل ، وإلى وجوب الجمع في بحوث الأدب بين رقة العلم وحرية الذوق ، أو بعبارة حديثة - إلي التوفيق بين الاعتبارات الموضوعية
والذاتية في هذه البحوث . وسندع الآن كتاب " الدلائل " جانبا ، لنفرغ لتلخيص وجهة النظر في كتاب الأسرار (١) . إن هذا الكتاب في الواقع رسالة نفسية ذوقية في نواحي التاثير الأدبي ، فكرتها الرئيسية هي : أن مقياس الجودة الأدبية تأثير الصور البيانية في نفس متذوقها . والفكرة في ذاتها إنسانية قديمة ؛ فقد تنبه الناس منذ العصور البعيدة إلي أن الأدب نوع من التواصل الفكري ، وأن نجاحه يكون على قدر نفاذه إلى عقول سامعيه وقلوبهم . فليس من العجيب - إذا - أن نظفر بإشارات هنا وهناك في كتب المؤلفين السابقين من هرب وغير هرب إلي فكرة التأثير الأدنى .
ومعظم النظريات الخالدة في العلم لا تعدم أن تجد لها سوابق في إشارات المتقدمين وكتاباتهم ؛ ولكن الفكرة التى تستحق اسم غارية هي ما كان لصاحبها فضل عرضها وتحقيقها وتعليلها واستقراء أمثلتها ، وإزالة ما يعرض لها من شبهات ، ومحاولة تطبيقها في ميدان الدراسة الخاصة . وهذا هو ما قام به عبد القاهر في مكرة التأثير الأدبي . فقد عرضها - أولا - فرضا كدأب العلماء في عرض نظرياتهم ، ثم رسم الخطة لتحقيقها ، فناقشها في بعض فنون البيان ، ثم فصل القول فيها تفصيلا بارعا في أبواب التشبيه والتمثيل والاستعمارة - إذ هي الأبواب التي تفسح المجال لضروب التصوير الأدبي وخلق الصور الفنية - وكان كلما قطع مرحلة وقف ليحقق مثلا أو يزيل شبهة ؛ وهو لا يكتفى بشرح الظاهرة وتطبيقها ولكنه يحاول أن يجد لها الملل والأسباب ؛ وإذا عرض عليك نماذج من الشعر
ونقدها جلاها أولا في نظمها الظاهر ، ثم كر عليها مرة أخري فصور لك كل ما همست به في نفسه ، وما خلفت في ذهنه من أثر ، وأعاد لك خلق الذي قبلت فيه حتى لكأنك تشهده رأي العين .(١) فلم يعد النقد على يديه جملا قصيرة وأحكاما مبتسرة ، ولكنه أصبح جولة يجولها الناقد في الآفاق التى عام فيها الشاعر، ثم يعود ليقص على الناس ما رأي وليكون المترجم بين الشاعر : وبينهم .
فمن فضيلة الاستعارة عند عبد القاهر أنها تبرز البيان أبدا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا ، وتعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ ، حتى يخرج من الصدفة الواحدة عدة من الدرر ، وإنك تري بها الجماد حيا ناطقا والأعجم فصيحا ، والأجسام الخرس مبينة ، والمعاني الخفية بادية جلية ؟ وإن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خفايا العقل كأنها جسمت حتى رأتها العيون ، وإن شئت لطغت الأوصاف الجسمانية حتى تعود روحانية لا تنالها إلا الظنون .
أما التمثيل فإن مما اتفق عليه العقلاء أنه إذا جاء في أعقاب المعاني ، أو برزت هي في معرضه ، كساها أبهة ورفع من أقدارها ، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها ، ودعا القلوب اليها . .
هذا التأثير الذي يتميز به التمثيل إنما يرتكز على أسباب وعلل ، كل منها يقتضي أن يفخم المعنى بالتمثي ويقبل : فأول ذلك وأظهره أن أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلي جلي ، وتأتيها بصريح بعد مكني ، وأن تردها في الشئ تعلمها إياه إلي شئ أخر هي بشأنه أعلم ، نحو أن تنقلها من العقل إلي الإحساس ، وعما يسلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع ، لأن العلم المستفاد
من طرق الحواس - أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حد الضرورة - يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام .
وضرب آخر من الأنس هو ما يوجبه تقدم الإلف ؛ ومعلوم أن العلم الأول أتى النفس اولا من طريق الحواس والطباع ، ثم من جهة النظر والروية ، فهو - إذا - أسس بها رحما واقدم لها صحبة . فأنت مع الشاعر وغير الشاعر إذا وقع المعنى في نفسك غير ممثل ثم مثله ، كمن يخبر عن شئ من وراء حجاب يكشف عنه الحجاب ويقول : ها هو ذا فأبصره تجده على ما وصفت .
وهناك سر ثالث من أسرار روعة التمثيل ، هو أنه يتيح لك الفرصة لتتصور الشبه من الشئ في غير جنسه وشكله : ذلك أن التشبيهات لا يكون لها موقع من السامعين ، ولا تهز وتحرك ، حتى يكون الشبه مقررا بين شيئين مختلفين في الجنس كتشبيه العين بالنرجس ، والتربا بعنقود الكر ثم النور . وهكذا إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كانت إلي النفوس أعجب ، وكانت النفوس لها أطرب ، وكان مكانها إلي أن تحدث الأريحية أقرب .
وهناك لطيفة رابعة ، وهي أن المعنى إذا أتاك ممثلا فهو في الأ كثر يتجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة ، وتحريك الخاطر له والهمة في طلبه . وما كان منه ألطف كان امتناعه عليك اكثر . ومن المركوز في الطباع أن الشئ إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ومعاناة الحنين نحوه ، وكان نيله أحلى وبالميزة أولى (١)
على هذا النحو ، وبهذه اللغة ، يمضي عبد القاهر في رسالته في اسرار بلاغة الكلام ، راجعا ظواهر التأثير إلى
المركوز في طبيعة النفس ، والمستقر في فطرتها ، مطبقا الفكرة بقولها على المثل بشرحه شرحا ذوقيا ممتعا وهذه النظرية المأثيرية في حورة الأدب جزء من تفكير سيكلوجي أعم ، بطبع كتاب الأسرار كاء بطابعه : فالؤلف لا يفتأ يدعوك بين لحظة وأخري - كما فعل شيخه القاضي من قبل - إلي تجربة الطريقة النفسانية التي يسميها المحدثون " الفحص الباطني ؛ ذلك أن تقرأ الشعر وتراقب نفسك عند قراءته وبعدها ، وتتأمل ما يعروك من الهزة والأرتياح والطرب والاستحسان ، وتحاول ان تفكر في مصادر هذا الإحساس ؛ فإذا رايتك قد ارتحت واهترزت واستحسنت ، فانظر إلي حركات الأريحية مم كانت وعند ماذا ظهرت .
ثم يخوض بك المؤلف في سيكلوجية الإلف والغرابة والعيان والمشاهدة ، والخلاب والوفاق ، والسهولة والتعقيد واثر كل منها على النفس ، ويتعرض لشرح الإدراك ، وقيامه اولا علي المعلومات التي ترد من طريق الحس ، ثم ازدياد ثروته بعد ذلك من طريق الرؤية والتأمل ، ويميز لك بين إدراك الشئ جملة وإدراكه تفصيلا ، فيحدثك هنا حديثا يذكرك النظرية الحديثة التي يسميها علماء النفس نظرية " الجشتالت أو الهيكل العام .
ومن العناصر الإنسانية البارزة في نظرية المؤلف حرصه على مكان الذوق والطبع والحس الفني في المتعة الأدبية : فهو يقول لك في الكلام علي الاستعارة والتخييل - مثلا - " وهذا موضع في غاية اللطف لا يبين إلا إذا كان المتصفح للكلام حساسا يعرف وحي طبع الشعر ، وخفي حركته التي هي كالهمس ، وكسري النفس في النفس .
ويقول في تعليل ما يصادفه من عناء مع خصوم نظريته : " لأن المزايا التي تحتاج ان تعلمهم مكانها وتصور لهم شأنها أمور خفية ومعان روحية ، انت لا تستطيع أن تنبه السامع لها وتحدث له علما بها ، حتي يكون مهيأ لإدراكها ، وتكون فيه طبيعة قابلة لها ، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في
نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة "
ويتصل بهذا ما يلجأ إليه مرارا من إحالة قارئه على الراسخ في غرائز العقول ، والخواص التي قد فطر الإنسان على ان يرتاح لها ، ويجد في نفسه هزة عندها . وله احيانا استطرادات طريقة يناقش فيها خصائص السلوك مناقشة تقرب كثيرا مما يتحدث فيه علماء النفس الأن تحت اسم سيكلوجية كذا وكذا من الأشخاص والظواهر
عبد القاهر - إذا - صاحب نظرية في الذوق الأدبي يستحق بها أن يأخذ مكانه في تاريخ هذه الدراسات . وهذه النظرية ذات طابع سيكلوجي وذوقي واضح وهي بهذا الطابع تحت بكبير صلة إلي اتجاه من اهم الاتجاهات المعاصرة في دراسة النقد ، يقوم على العناية بالعناصر الأصيلة في الفن ، ويتواخي تأثيرها في النفوس .

