١ هذا الكتاب ( ١ )حلقة أخرى من سلسلة البحوث النفسية العربية ، التى جلونا حلقة منها في اعداد ماضية من الثقافة ( ٢ ) ، حين تحدثنا عن كتاب " الأذكياء " لابن الجوزي ، وقلنا في سياق التمليق عليه : " ومن الإنصاف ان نعرف لابن الجوزي - على طول العهد بيننا وبينه - فضله في تهديه إلي جوهر الذكاء ، وأن تدل على نصيب اسلافنا في وصل سلسلة البحوث النفسية خلال العصور ؛ والواقع أن في تراثنا الأدبي من هذه البحوث ذخيرة صالحة جديرة بالكشف والإحياء "
وابن ظفر ( الشيخ الإمام أبو هاشم محمد بن أبي محمد بن محمد ( المكي الصقلي - كابن الجوزي - من شيوخ الثقافة العربية الواسعة في القرن السادس الهجري (٤٩٧-٥٦٥ أو ٥٦٧ ) ؛ تنقل في كثير من عواصم الإسلام في الأندلس والمغرب وصقلية ومصر ومكة والشام والف في التفسير والفقه والوعظ واللغة والنحو والتاريخ . وكتابه الذي نتحدث عنه اليوم رسالة سيكلوجية ادبية حاول فيها ان يجمع نتفا من اخبار طفولة العبقريين وهذه الأخبار على الطريقة العربية الشائعة في التأليف الأدبي الأول - لم يخضع لتمحيص أو نقد ، ولم يسلك بها سبيل
الدرس والتحقيق ، وإنما قصد بها إلى الإمتاع والإطراف وتلقيح الهمم وتنقيح الفطن ، كما يشير المؤلف في مقدمته القصيرة ؛ فهو يذكر ان من قسمة الله التى امضاها ان جعل في ذريات الناس من هو قرة عين وغرة زين ، ومن هو عبرة عين وعرة شين . . ثم يقول : " وبعد فهذا كتاب أودعته من ابناء نجباء الأبناء ما هو كشررة من ضرام ، بل كقطرة من رهام ، لاني قصدت تلقيح همة غلام ، وتنقيح قطنة كهام ؛ إلا اني اجنيت قارئه من هذا النوع ألذه وأطيبه ، وأحليته اسره وأعجبه ، مضربا في الغالب عما سجع به الحمام هاتفا ، وهمع به الغمام واكفا ؛ لأن النفوس طلقة إلي الغائق العجيب ، مولعة بالرائق الغريب . "
جمع المؤلف أخباره حول أصناف من الناس أربعة : الأول عشرة من الصحابة ؛ والثاني رجال من ذريات الصحابة وغيرهم ؛ والثالث بعض من اتسم بالعبادة والزهد ؛ والرابع رجال سادوا في عصر الجاهلية من العرب ، ورجال من ملوك فارس . وجعل عنوان كل خير " درة زين لقرة عين " . وسبق ذلك كله بفريدة يتيمة في أخبار طفولة نبينا محمد عليه السلام . وجعل من منهجه ان يشرح غريب الخير كلما رأي حاجة إلى ذلك ، وان يستطرد احيانا إلى أخبار اخري إذا دعت مناسبات الحديث
والمؤلف لا يحاول أن يحدد ما يعني بالنجابة - وهي محور اخباره - ولكنه يذكر في الصفحات الاولي من كتابه ما يشهد لسيادة الغلام من الآمارات الجثمانية والخلقية : فمن الأولى كبر هامته ، وسيلان غرته ، واتساع جبهته ووضوحها ، وسعة العينين من غير جحوظ ولا اضطراب ، وسجاحة الخدين ، وارتفاع قصبة الأنف وسعة الأشداق ، وطول اللسان . ومن موت السيد انكسار طرفه ما لم يغضب ، ويكره شدة استدارة الوجه وقصر العنق وإفراط طوله . . الخ أما الأخلاق
فيدل على سيادة تغاضيه عما يؤذي ، وقلة شرهه إلى الطعام . وتغافله عن الشئ بعلمه ، واقتصاده في غيرته والغيرة محمودة مأمور بها ، وإنما المذموم استطارتها وظهورها تسرعا إلى الظنة من غير سبب ظاهر . ويكره تصنعه في اللباس والمشية والعمة ، ولذلك قيل : عمامة السيد ملوية اي يديرها كيف اتفق . ويدل على سيادته أيضا أنفته من صحبة بنبي الأنذال ، وألفته لبني الأشراف ، وقوله للصبيان : من يكون معي ؟ وتعالوا أكن اميركم ! ويكره تسرعه إلي الشتم وبذاءة لسانه ؛ ولن يسود نموم ولا كذوب ، وقلما ساد بخيل أو حسود . (١)
والظاهر أن المؤلف حد النجاية بآثارها ، وتصورها تصورا واسعا يستطيع الباحث ان يلم اشتاته من مختلف الأنباء التي أوردها : فالفطنة ، والرغبة في العلم ، وحسن السؤال والجواب ، وقوة الحجة وسرعة العارضة ، وصدق الاستنتاج وسداد الراي ؛ ثم نبل الخلق ، والتطلع إلي السيادة ، والتمسك بالحق والجرأة فيه ، والداراة وضبط النفس ، والإيثار ، والعزة وعلو الهمة والأنفة من النقص : ثم الورع والتقوي ، والإقبال علي العبادة ، والتطلع إلي معرفة الله . . ؟ كل اولئك مخايل للنجابة في صغار الأبناء إذا ظهرت فيهم كان ذلك إرهاصا عما سيكون منهم رجالا وكهولا
ومما يلاحظه القارئ لهذه الأخبار : أن هناك صلة وثيقة بين تحايل الطفولة التي ي برويها المؤلف لشخص ما ، ونوع الشهرة الذي احرزه ذلك الطفل في حياته الراشدة ؟ فأظهر شيء - مثلا - في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم - وهو طفل - علو همته كأنما كان يحس بما سيكون له من شان في رجولته ، وتمسكه بمكارم الأخلاق في صورة لفتت أنظار قومه إليه . فالرواية تذهب إلي أنه ( كان في
طفولته يدب فلا يثنيه عن الفراش المعد لجده عبد المطلب احد ، حتى يجلس عليه ، فيزيله أعمامه ، فيبكى حتى يردوه إليه ؛ فطلع عليهم عبد المطلب يوما - وقد أزالوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الفراش ، فقال : " ردوا ابني إلى مجلسه ، فانه يحدث نفسه بملك عظيم ، وسيكون له شأن فكانوا لا يردونه عنه حضر عبد المطلب أو غاب ).
وتذهب رواية اخري إلي ان أكتم بن صبني التميمي حكيم العرب حج فرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سن الحلم يتبع ابا طالب ، فقال ) أكتم لأبي طالب : يا ابن عبد الطلب ، ما أسرع ما شب اخوك ! يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو طالب : إنه ليس أخى ، ولكنه ابن أخي عبد الله . قال ا كتم : هو ابن الذبيح :
قال : نعم . قال أكتم : إني رأيته في حجر عبد المطلب يوم أرسل الله السحاب إلي بلاد مضر ، فظننته ابنه . وجعل أكثم يتأمل النبي صلى الله عليه وسلم وبتوسمه . ثم قال : يا ابن عبد المطلب ما نظنون بهذا الفني ؟ فقال أبو طالب : إنا لنحسن الظن به ، وإنه لحي جريء وفي سخي . قال : هل غير ما تقول يا ابن عبد المطلب ؟ قال : نعم ، إنه لذو شدة ولين ، ومجلس ركين ، ومفصل مبين . ثم قال : هل غير ذلك يا ابن عبد المطلب ؟ قال : نعم ، إنا لنتيمن بمشهده ونتعرف البركة فيما لمس بيده . قال أكثم : هل غير ذلك يا ابن عبد المطلب ؟ قال أبو طالب : نعم . إنه لغلام يعد ، وأحري به أن يسود ، ويتخرق بالجود ، ويعلو جده الجدود قال اكثم : لكني أقول غير هذا يا ابن عبد المطلب . فقال أبو طالب : قل ، فإنك نقاب غيب وجلاء ريب . فقال أكثم : أخلق بابن أخيك أن يضرب العرب قامطة ( أي جميعا ) بيد خابط ورجل لابطة ، ثم ينعق بهم إلي مرتفع مريع ، وورد تشريع ، فمن اخروط إليه هداه . ومن احرورف عنه أرداه . فقال أبو طالب : إن عندنا لذروا من ذلك ( أي طرفا من العلم به )
ويروي المؤلف عن طفولة أبي بكر الصديق رواية تقرب في دلالاتها على رجحان عقله صبيا - مما يرويه القرآن عن إبراهيم وموقفه من الشمس والقمر والأصنام .
يقول : " روي انه اجتمع المهاجرون والانصار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : وعيشك يا رسول الله ما سجدت لصنم قط . فغضب عمر بن الخطاب وقال : تقول وعيشك بإ رسول الله ما سجدت لصنم قط ، وقد كنت في الجاهلية كذا وكذا سنة ! ! فقال أبو بكر : وذلك انى لما ناهزت الحلم اخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلي مخدع فيه الأصنام ، فقال لي : هذه الهتك الشم العوالي فاسجد لها ، وخلاني وذهب ؛ فدنوت من الصنم وقلت له : إني جائع فأطعمني ، فلم يجبني ؛ فقلت له : إني عار فاكسني ، فلم يجبني ؛ فأخذت صخرة وقلت : إنى ملق هذه الصخرة عليك ، فان كنت إلها فامنع نفسك ، فلم يجبني ، فألقيت عليه الصخرة فخر لوجهه ، فأقبل والدي وقال : ما هذا بابني ؟ فقلت : هو الذي تري . .
أما معاوية فيذكر له المؤلف في طفولته موقفا في المصالحة والتوفيق برهن عما سيكون له في رجولته من سياسة وحلم ودها ، وحسن فهم للناس ؛ فقد رووا " ان العباس بن عبد المطلب كان نديما لابي سفيان بن حرب في الجاهلية على شراب لهما في دار ابى سفيان ، ومعاوية يسقيهما وهو إذ ذاك غلام . فلما اخذت الخمرة منهما تغني العباس بشعر مطرود بن كعب الخزامي .
يا أيها الرجل المحول رحله
هلا نزلت بآل عبد مناف
هيلتك أمك ، لو نزلت إليهمو
ضمنوك من جوع ومن إقراف
الآخذون العهد من آفاقها
والظاعنون لرحلة الإيلاف
واللحقون فقيرهم بغنيهم
حتي يعود فقيرهم كالكافي
إلي أن يقول :
وإذا معد حصلت أنسابها
فهمو لعمرك جوهر الاصداف
قال فحمي أبو سفيان لما سمع الشعر ، وجعل يعدد مآثر حرب بن أمية وما ثر نفسه وتناقلا في المفاخرة ، إلى أن قال له العباس : نافرني إلى فتاك هذا فإنه نجيب يعني معاوية . فقال أبو سفيان : قد فعلت هذا - وهند تسمع ؛ فاعتبلت الفرصة وانشات تقول مخاطبة ابنها معاوية :
راقص فدتك نفسي لآل عبد شمس
فهم سراة الحمس على قديم الحرس
فقطع معاوية عليها قولها ، وقال :
صه يا ابنة الأكارم فعبد شمس هاشم
هما برغم الراغم كانا كغربي صارم
فلما سمع العباس وابو سفيان مقالة معاوية ابتدراه ايهما يتناوله قبل صاحبه ، فتعاوراه ضما وتقبيلا وبهدية ، وافترقا راضيين (للكلام بقية)

