ان ابن آدم منذ انشائه لا يزال يبحث فى العالم المحبط به ويسائله : ما انت وما هو نظامك الداخلى ومن اى عجين عركتك يد صانعك ؟ وقد كتم الكون اسراره دهرا مديدا وبخل بها تاركا سائله جهولا وضعيفا تتصرف فيه الطبيعة ولا يتصرف فيها تقهره العواصف والكوارث ولا يتغلب عليها . لكن المفتش واصل كفاحه وعدته دماغه ، حتى تدرب وتعددت لديه طرق البحث وتحسنت فوردت عليه الاكتشافات ببطء ثم توافدت وتعجلت وتدفقت وتراكمت فانتصر على النوائب التى كانت تصيبه وسخر لخدمته قوى الطبيعة وعدد وسائل النقل اللازمة لترحالاته وزاد فى سرعتها ووقى نفسه من جل ما كان مخلا بصحة بدنه...
وهذا النصر راجع بلا شك الى معرفة المادة والاحداث التابعة لتغير احوالها وهذه المعرفة الجيدة هى التى اتاحت لنا استثمار المفيد من هذه الانقلابات والوقاية من ضررها .
كان علماء القرون الوسطى باروبا يرون المادة في صورة تضحكنا خشونتها فهم كانوا يعتقدون ان جميع الاجسام تتألف من ثلاثة عناصر : الماء والتراب والنار ثم اتت الاكتشافات المتوالية فهذبت هذه الصورة حتى قربتها من الواقع بل صيرتها نسخة منه وموضوع مقالنا هذا هو بسطة وجيزة فى هذه الصورة وفى ما يمكن اقتناؤه من معرفتها . ولكنى تكون هذه البسطة من النوع " التحليلي " (البداية بالكل والنهاية بالاجزاء ) سيدور حديثنا بتوال حول الاخلاط والاجسام الخالصة (المركبة والبسيطة) والهباءة (Molecnle) والذرة ( Atome ) واجزائها ...
١) الاخلاط
إذا رايت قطعا من غنم وبقر ممتزجة قلت هذا خلط غير متجانس . ويمكن ان تفصل بين مؤلفيه بجعله فى حظيرة ذات منفذ صغير يخرج منه الخروف
ويحجز البقر . وكذلك الماء الكدر فهو خلط غير متجانس من ماء وطين يمكن الفصل بينهما بعملية الترشيح . وللرشاح مناتح صغيرة يخرج منها الماء وتوقف التراب وليست الاخلاط كلها فى مظهر غير متجانس . فالماء المسكر الرائق مثلا لا تختلف اجزاؤه فى مظهرها مهما صغرت وهو يتخلل الرشاح دون ان يفصل الماء عن السكر . لكن يمكن هذا الفصل بعملية التقطير فيتبخر الماء ويبقى السكر في قعر الاناء .
ووسائل الفصل بين مؤلفات الاخلاط عديدة ومتنوعة ، فمنها التنقية باليد (تنقية الحبوب من الحصى) او بواسطة آلة كالمنخل ( فصل النخالة عن الدقيق ) ومنها التذرية ( فصل الحبوب عن التبن ) والترشيح والتقطير والتبلور . . . . ونلاحظ ان كل هذه الوسائل تفرق بين الاجسام الممتزجة دون ان تغير جنسها .
ويتألف الخلط بمجرد الجمع بين اجزائه بحيث يحافظ كل جزء على مميزاته الفردية التى لا يغير شيئا منها التصاقه ببقية الاجزاء . اذا جمعنا بين الغنم والبقر بقى الخروف خروفا والثور ثورا . اما اذا جمعنا بين ذئاب جائعة واخرفة سمينة فانه لا يبقى الذئب جائعا ولا الخروف سمينا . . ونتيجة هذا الجمع ستخالف مؤلفية في عدة خاصياتها الجوهرية .
٢) الاجسام الخالصة
اذا فصلنا بين الغنم والبقر تحصلنا على قطيعين احدهما من غنم والآخر من بقر وكل خالص اي غير ممزوج بافراد من غير جنسه . وكذلك الماء النقي الذي نخلصه من المواد الراسبة بالترشيح ومن المواد المنحلة بالتقطير فهو جسم خالص لا يتجزأ باى وسيلة من وسائل الفصل التى ذكرناها . وقد يعسر الحكم على الاجسام بالنقاوة او بعدمها على الاطلاق ، وذلك لان طرق الفصل والتحليل محدودة في عددها وامكانياتها . فلا يمكن الفصل بين جسمين الا بوجود فرق محسوس بين بعض مميزاتها . قد يمكن ان يتشابه كثيرا طفل وبنت فى سيمائهما خصوصا اذا كانا توأمين . فاذا كسوناهما زيا واحدا يعسر التمييز بينهما على الناظر . وقد يمكن ان تكون درجنا غليان مائعين مختلفتين متجاورتين فيعسر الفصل بين هذين المائعين بعملية التقطير لانهما يتبخران ويتقطران معا .
ويعسر ايضا الفصل اذا كانت نسبة احد الاجزاء تافهة .
كلنا يميز بين السكر والماء ولكننا لا نميز بين الماء المسكر والماء الخالص الا اذا كانت نسبة السكر " محسوسة " يمكن استبانتها بالذوق او بالتقطير واذا القيت حبة من السكر في سقاية مملوءة وزعمت انك سقيت بالماء المسكر فانه يتعذر عليك اثبات دعواك بالتحليل واسترجاع حبة السكر .
فخلوص الاجسام ، كالنقاوة من الدنس والطهارة من النجاسة ، شىء نسبى لا يمكن الجزم به على الاطلاق واذا راعينا الحدود التى تقف عندها فى اجراء عمليات التحليل قلنا ان الجسم الخالص هو الذى يمكن اثبات خلوصه بطرق التحليل المعهودة عندنا
٣) المركبات والاجسام البسيطة
الماء الخالص جنس كيمياوي معين لا يتغير اذا انتقل من حال طبيعي الى اخر ، يتبخر الماء ويصير روحا بفعل الحرارة فيه ويتجمد ويصير جليدا اذا بردناه والبخار والماء والجليد احوال طبيعية مختلفة لجنس كيمياوي واحد ، والتبخر والتقطر والتجمد والذوبان انقلابات طبيعية لا تغير هذا الجوهر
وهناك انقلابات اخرى تطرأ على الماء فتفككه وتنشىء منه حسمين آخرين من جنسين مختلفين ومخالفين له وهما " الصدان " ( oxygene ) والموهن (( hydrogene ويمكن تاليف الماء من هذين الروحين باطلاق شرارة نارية فى مزجهما . فيحدث تفرقع ويبقى فى الاناء بعد التبريد شئ من الماء . وبفضل عملتى التفكيك والتاليف اثبتنا ان الماء مركب من هذين العنصرين والجسم المركب ليس بخلط اذ لا نجد فيه خاصيات مركبية - الموهن روح وقود (قابل للاحتراق) والصدان روح محرق (منشط للاحتراق) ونتيجة اتحادهما اى الماء مائع مطفئ للنار .
فخاصيات الماء مستقلة عن مميزات مؤلفيه وهو لا ينشا عن مجرد الجمع بينهما كما ان الاطعمة التى تعدها لاكرام ضيوفك ليست مجرد مزج موادها الاولية .
تعمل يد الجزار فى الحروف وتحيله الى مجموع لحوم وعظام وامعاء ... وتعمل يد الطباخ فى اللحم والزيت والفلافل والتوابل والبقول فتحيلها الى اطعمة لذيذة تضعها ربة البيت على المائدة وترتبها . . . ثم يجلس حولها الضيوف فياكلونها
ويتلمظون ما بقى منها على شفاههم ثم يهضمونها ... وما ابعد نتيجة هذا الهضم عن . . الخروف !
كل من الصدأن والموهن جسم بسيط ونعني بذلك انه لا يمكن لنا ان نفككه ونستخرج منه اجساما مختلفة ومخالفة له . والحكم على الاجسام بالبساطة او بعدمها شئ نسبى يتبع قدرة طرق التفكيك المعروفة عندنا اليوم ودقتها
٤) الهباءة
خذ قطعا من شياه متشابهة وجزئه الى قطعان اصغر منه فانك تقسمه ولا تغير جنسه . ثم كرر العملية اى جزىء كل قطيع جزئي الى قطعان اصغر منه ... فلا شك انك تقف فى التجزئة عندما يبقى لك شاة واحدة - الشاة اصغر قطعة من القطيع تحافظ على مميزاته الجوهرية وذلك ما دامت كلمة القطيع تدل على ذلك المجموع الحيوانى الذى يحرسه الراعى فى المروج . واذا جزأنا الشاة افقدناها تلك المميزات : الجزء من القطيع قطيع والجزء من الشاة ليس بشاة -
وكذلك قطرة الماء فهي ماء . والقطيرة جزء من القطرة ... وله التجزئة حد يسمى بهباءة الماء . وهى اصغر قطعة تمثل هذا الجنس الكمياوي وتحافظ على مميزاته الذاتية .
فالهباءة بالنسبة للجسم الخالص هى كالشاة بالنسبة للقطيع المتجانس ، واذا شئت قلت ان الجسم الخالص قطيع من هباءاته - ويتميز جنس كيمياوي عن بقية الاجسام الخالصة بجنس هباءته - فهباءة الماء تخالف هباءة السكر وهما من جنسين مختلفين والماء المسكر خلط او مجموع هباءات من هذين الجنسين .
٥) الذرة
نستخرج الاجسام البسيطة من المركبات بعملية التفكيك . فنهدم هباءات المركب ونبنى من نتائج هذا التهديم هباءات الاجسام البسيطة الناشئة عن هذا التفكيك فينتج عن ذلك ان الهباءة بنيان من قطع اصغر منها ؛ ونسميها بالذرات .
هباءة الماء مثلا تتألف من ذرة واحدة من الصدأن وذرتين من الموهن - وهباءة الصدأن تتألف من ذرتين من هذا العنصر . فاتحاد ذرات من جنس واحد ينتج هباءة جسم بسيط واذا اتحدث ذرات من اجناس مختلفة الفت هباءة جسم مركب .
البناء الهبائي مجموع منظم متين له شكله الخاص لا تتحصل عليه بمجرد مزج ذراته كما لا نشيد القصور بمجرد الجمع بين مواد البناء والتفاعل الكيمياوي هو افساد انظمة هبائية لتشييد انظمة هبائية اخرى تنعدم الاجسام المتفاعلة وتحل محلها الاجسام الناشئة .
٦ - بنية الذرة
ليست الذرة حبة عنصرية اصلية اولية بل هى بنيان منظم يتألف من " نواة " (Noyan) تدور حولها " كهيربات " (Electron ) الكهيربة حبة صغيرة جدا تحمل كمية معينة من الكهرباء السلبية ، والكهيربات الكائنة فى جميع الذرات متحدة فى الذات والنواة حبة صغيرة جدا ايضا تحمل كمية من الكهرباء الايجابية تساوى فى قيمتها المطلقة مجموع كميات الكهرباء السلبية الكائنة فى الكهيربات التى تخيط بها بحيث تكون الذرة محايدة من الحيثية الكهربائية
الكهيربات تدور حول النواة بعيدة عنها كما تدور الكواكب السيارة حول الشمس . ولذا سميت بالكريهبات السيارة . وتتميز ذرة عنصر عن ذرة عنصر آخر بنواتها وعدد كهيرباتها .
وابسط الذرات واصغرها واخفها هى ذرة الموهن التى تتالف من اصغر النويات " البروطون " (Proton ) ومن كهيرية واحدة - وقطر هذه النواة " متر ذري " واحد ( المتر الذرى هو الملي ميكرو ميكرون اى جزء من مليار من الميكرون الذى هو جزء من الف من المليمتر ) وقطر الكهيربة ضعف هذا القدر لكن الكهيرية اخف بكثير من النواة ( وزنها جزء من خمسين وثـمانـمائة والف من وزن البروطون ) - اما البعد بينهما فى الذرة فهو كبير جدا ويساوي ثلاثة وخمسين كيلو مترا ذريا - فلا تأخذ المادة من الفضاء الذى تملاه الا القليل وجل حجمها يملاه ... الفراغ . ولكى تكون لك فكرة في صغر وزن ذرة الموهن اعلم ان القرام الواحد من هذا العنصر يحوى ستمائة وثلاثين مليارا من المليارات من ذراته .
الكهيربات الكائنة فى ذرة مرتبة على طبقات متوالية - فذرة الصدأن مثلا تحوي ثمانى كهيربات ، اثنتان على طبقة اولى وست على طبقة ثانية ابعد منها عن النواة ولذرة الحديد ست وعشرون كهيربة اثنتان على الطبقة الاولى وثمانى على
الطبقة الثانية واربع عشرة على الطبقة الثالثة واثنتان على الطبقة الرابعة (وهى ابعد الطبقات عن النواة ) ... واجسم الذرات الموجودة فى الطبيعة هى ذرة " الاورانيوم "(uranium) التى نجد فيها اثنتين وتسعين كهيربة مرتبة على سبع طبقات .
اما استقرار الذرة فى نظامها فهو ناشئ عن الاعتدال بين تنافر الكهيربات بعضها عن بعض وقوى الجذب التى تسلطها عليها النواة (نذكر هنا انه اذا تلاقت قطعتان متكهربتان فانهما تتجاذبان اذا تعاكستا فى العلامة اى اذا كانت احداهما سلبية والاخرى ايجابية ، وتتنافران اذا اتحدتا فيها ، اهى اذا كانتا سلبيتين او ايجابيتين ) .
٧) الانقلابات الطبيعية والكيمياوية
هذه الانقلابات تطرأ على الذرات دون ان تغير شيئا من نوياتها - فليست بانقلابات " نووية " وغالبا فهى لا تغير الا طبقات الكهيربات البعيدة عن النواة كأن النواة حصن تحرسه طبقات الكهيربات القريبة منه . فاصدار النور مثلا حدث طبيعي ينشأ عن تغير فى طبقة من طبقات الذرة ويختلف لون النور الصادر باختلاف الطبقة التي يطرأ عليها هذا التغير .
اما اتحاد الذرات عند تاليف الهباءات فهو انقلاب كيمياوي لا يغير الا الطبقة الخارجية اى التى هى اكثر بعدا عن النواة . ويقع هذا الاتحاد باحدى الوسيلتين الآتي ذكرهما :
أ ) تبادل الكهيربات
نفرض ان ذرة (أ) تفتك كهيربة من ذرة (ب) وتجعلها على طبقتها الخارجية - فتصير (أ) سلبية باكتسابها كهيربة سلبية زائدة على ما يلزم لمحايدتها الكهربائية وتصير (ب) ايجابية لفقدها شيئا من الكهربة السلبية التى افتكت منها وتنشا قوة جذب بين الذرتين اللتين تكهربا وتعاكستا في العلامة .
وهذا الجذب يحدث رابطا متينا بينهما ويجعل منهما هباءة ثابتة - ولا يمكن تبادل الكهيربات بين ذرتين الا بوجود " ألفة كيمياوية " بينهما اى الا اذا كان لاحداهما استعداد لاعطاء الكهيربات وللاخرى استعداد لافتكاكها .
ب) المشاركة في الكهيربات : نفرض ان ذرتين تقتربان من بعضهما حتى تتقاطع طبقتاهما الخارجيتان وان احداهما تبعث كهيربة من طبقتها الخارجية على خط التقاطع المشترك . فهذه الكهيربة لا تخرج من طبقتها ولا تفارق ذرتها غير انها تصير على الطبقة الخارجية للذرة الاخرى بوجودها على الخط المشترك . فتشترك الذرتان في هذه الكهيربة دون ان يقع تبادل بينهما ودون ان تتكهربا . وهذا الميل الى الاشتراك في الكهيربات موجود في العناصر التى يتساوى فيها الاستعداد لاعطاء الكهيربات (لمن يريد افتكاكها) والاستعداد لافتكاكها (ممن يريد ان يعطيها ). وهذا النوع الثاني من الاتحاد بين الذرات اقل ثباتا من الاول .
١) بنية النواة
النواة ناشئة عن ضم نوعين من الحبات المادية : البروطون (نواة الموهن) و " النترون"neutron) ) قلنا ان البروطون يحمل كما معينا من الكهرباء الايجابية تساوى قيمته المطلقة كم الكهرباء السلبية الموجود فى الكهيربة الواحدة . اما ضميمه " النترون " فهو يماثله فى الحجم والوزن لكنه محايد (لا ايجابى ولا سلبى) . ولما كانت الذرة محايدة فعدد البروطونات الكائنة فى نواتها هو عدد كهيرباتها السيارة . فنواة الحديد مثلا تحوى ستة وعشرين بروطونا (لوجود ست وعشرين كهيربة سيارة ) وثلاثين نترونا . وكلما ارتفع عدد الحبات التى تتالف منها النواة ازداد وزن الذرة وكبرت كثافة العنصر . فالذهب اثقل من الحديد لان اجزاء نواته اكثر عددا ويقع ضم اجزاء النواة بعضها ببعض والتحامها بفضل قوى من نوع جديد كنا نجهله . ان القوى التى كانت معهودة عندنا قبل اكتشاف بنية الذرة نوعان :
أ) قوى الالتصاق : اذا توكأت على حائط واعتدلت فانك تضغط عليه وهو يقاوم عملك بقوة تضاد القوة التى سلطتها عليه ، وكذلك اذا علقت جسما فى مسمار بواسطة خيط فتوتر هذا الخيط قوة وصل بين المسمار والجسم المعلق تساوى شدتها مقاومة المسمار او ثقل الجسم .
ب) القوى عن بعد : الكواكب تجذب بعضها بعضا حسب قانون " نيوطن " (Newton) : القوة الجاذبة بين جسمين ماديين مناسبة طردا لكتلتيهما وعكسا لمربع المسافة الفاصلة بينهما .
ومن هذا النوع نذكر ايضا قوة الجذب او النفر بين جسمين متكهربين او متغنطين والتي يعينها قانون " كولومب " Coulomb)) . فهى كالقوة النيوطنية مناسبة لعكس مربع بعد الجسمين عن بعضهما بعض . والقوى الكولومبية والنيوطنية تزداد شدة اذا صغر البعد بين جسمين ولهذا البعد حد ادنى لا يمكن النزول دونه وذلك لانه لو صغر البعد بلا نهاية لاشتدت القوة بلا نهاية وهذا لا معنى له فى علم الطبيعة ولا فى الواقع .
وهذه القوى بنوعيها لا تكفي ابدا مهما اشتدت لضم البروطونات والنترونات ضما متينا يبهتنا ثباته . ويتطلب هذا البناء قوى من نوع لا نظير له وادهشتنا شدتها وهى " القوى النواوية "
٩ - القنابل الذرية :
لقد اندفع علماء هذا العصر بضما وشغف فى دراسة هذه القوى الجديدة وثبات النظام النواتى الناشئ عنها . وهم لايزالون فى حمى التفتيش والاكتشاف البديع - لكنهم يأسفون ان يروا لاول مرة جنتها الانسانية من جهودهم الغزيرة هى تلك القنابل الذرية التى محقت هيروشما ونكازكى في اليابان والتي لا تزال تهدد العالم بالخراب والتدمير
ان من النويات ما يتفرقع من تلقاء نفسها وهي التي تعددت اجزاؤها حتى صيرتها جسيمة وثقيلة وقليلة الثبات - فهى تنفق وكل فلقة منها فهى نواة اصغر واكثر ثباتا .
فنواة الراديوم مثلا تتالف من ستة وعشرين ومائتى جزء منهائمانية وثمانون بروطونا وثمانية وثلاثون ومائة نترون وهذا البناء الجسيم تنطلق منه قطع صغيرة اهمها القطعة " ألفا " التى تتألف من بروطونين ونترونين حتى تبلغ النواة حجما ثابتا كحجم نواة الرصاص .
وبهذه الطريقة يحال عنصر اليء آخر .
وقد تمكن العلماء من احداث تفرقع ذرات ثابتة وذلك بطريقة " القذف " : اذا رمينا نواة برجم صغير سريع يدخلها ويرتشق افسدنا نظامها واعتدالها وتفرقعت ويلزم ان نختار سرعة القذف بحيث تتمكن القطعة الراجمة من ان تخترق طبقات
الكهيربات وان تصل الى النواة وتستقر فيها ولا تتجاوزها - ومن الرجوم المستعملة غالبا نذكر البروطون والنترون والحبة " ألفا " واذا كانت القذيفة متكهربة فنحن تكسبها اي سرعة نشاء بواسطة آلة من الآلات المسرعة " كالسيكلوترون " مثلا ووجب ان نراعى عند تقدير هذه السرعة القوى النافرة والجاذبة والخاضعة لقانون كولومب والتي ستلاقيها من طرف كهيربات ونواة الذرة المرجومة .
اما اذا كانت القذيفة محايدة (كالنترون ) فلا سبيل لاكسابها سرعة القذف بالالات المعجلة ومع هذا فنحن نخيرها على بقية الرجوم لانها لا تعمل فيها القوى الكولومبية - وقد فكر العلماء فى استعمال النتروات السريعة الناشئة عن تفرقع النويات الجسيمة ولكى تكون سرعتها لأئقة للقذف فهم جعلوا على طريقها " حائطا " اختاروا مادته وسمكه . فهو يبطئها ويصيرها صالحية للرجم
لنفرض ان نترونا يلاقي بعد تبطئته نواة يدخلها وتوقفه . فيفرقعها وتندفع منها نترونات سريعة تخترق الحائط المعدل لسرعتها ثم تلاقي نويات اخرى تدخلها وتستقر فيها فتفرقعها وتخرج منها النتروونات السريعة ... وهلم جرا ، وهذا التفاعل النووي المتسلسل هو الذى وقع فى القنيلة ذات الاورانيوم التى قذف بها اليابان في اواخر الحرب العالمية الثانية .
وقد تدهشنا الجهود الجبارة التى صرفها المفتشون والاموال الباهضة التى بذرتها الدول في سبيل صنع القنابل الذرية - قلنذكر مثلا ان امريكا بنت اثناء الحرب العالمية الاخيرة مدينة كاملة متسعة فى صحراء كالفورنيا واثثتها وعمورتها بالمفتيشين والباحثين في فنون شتى وامدتهم بكل ما اقتصته الحاجة من آلات ومواد . وكان كل حى من هذه المدينة يسكنه شق معين من الاختصاصيين وكل حى يجهل ما يصنعة الاخر . ونتائج البحوث كلها كانت تتجمع لدى مصلحة مركزية يرأسها قائد من علماء الجيش الامريكى فترتبها وتنسقها . وهكذا تواصلت الجهود القهارة وغلغلت الادمغة قواها فى المشاكل العويصة حتى حلتها وفى الحواجز الشامخة حتى وطاتها ودكتها واتى يوم انتشر فيه فى العالم ذكر القنبلة الذرية الاولى وارتعيشت من هولها الانسانية . واسترسل التفتيش وتبذير المال وتعددت القنابل وتنوعت واشتدت قدرتها على التخريب والاتلاف . ومازالت الصحف تبشرنا من حين الى
آخر بولادة قنبلة جديدة تصير اللواتى سبقتها صواريخ بالنسبة لها ويصير دوي تفرقع اجدادها قعقعة وطقطقة .
تصور بربك السعادة التى كانت تنالها الانسانية او توجهت تلك الجهود وتلك الاموال نحو عمل سلمى كمقاومة البؤس والاسقام والجهل ! افتكت يد خادمى الحروب ثمرة هذا العمل العلمى البديع وجعلتها اداة التخريب والتدمير تهددنا بالانعدام والاضمحلال وتعكر الجو الذي نعيش فيه وتشوش راحتنا الفكرية حتى صرنا نلعن هذه الاكتشافات وهذه الاختراعات عوض ان نبتهج بها ونفتخر
١) البروطون المضاد (Anti -proton)
اذا خلت قطعة مادية من الكهرباء بنوعيها الايجابية والسلبية فهى محايدة . والمحايدة تكون ايضا بالتعديل بين كميتين متساويتين من هذين النوعين مما يقع ذلك فى الذرة ، فهل النترون محايد لخلوه من الكهرباء ام هل هو محايد بالتعديل ؟
ان اهم القطع التى تنشأ عن التفرقع الطبيعى للنويات الجسيمة نوعان : الحبة " ألفا " والكهيربة السلبية . وقد تحقق ان هذه الكهيربة تخرج من النترون فتصيره بروطونا . ولما كان النترون يحال الى بروطون ايجابى يفقد " كهيربة سلبية فهذا دليل على انه يحوى كهيربتين احداهما ايجابية والاخرى سلبية ومحايدته ناشئة عن التعديل بينهما . وحالما ثبت هذا عند العلماء فكروا في افتكاك الكهيربة الايجابية من النترون واحالته الى بروطون سلبى بابقاء الكهيربة السلبية . وشغفوا بهذا البحث وكدحوا . . ونجحوا فى انشاء هذا البروطون السلبى الذي سمني " بالبروطون المضاد " وهذا الانشاء من ابدع ما صنعه الانسان وذلك من الحيثيتين النظرية والتطبيقية
أ ) الحيثية النظرية : .
يستحيل وجود البروطون السلبى فى الكون المحيط بنا وفعلا فلا اثر له فيه ويتضح لبا ذلك اذا علمنا ان المادة حيث وجدت فهى من عجين واحد : النترونات والبروطونات الايجابية والكهيربات السيارة السلبية وتتالف النواة بضم النترونات والبروطونات ثم تتالف الذرة اذا اسرت النواة حولها ما يلزمها من الكهيربات
ثم تنشا الهباءة عن اتحاد الذرات بعضها ببعض ثم تمتزج الهباءات فتؤلف الاجسام الخالصة اذا كانت من جنس واحد ، والاخلاط اذا كانت من اجناس مختلفة . وبهذه الطريقة نشأ ذلك الشوب المادى المتوافر على سطح الارض والذى منه المياه والطين والرمل والمعادن والهواء . . ولو فرضنا ان بروطونا سلبيا ينشأ صدفة فهو لا يعيش الا قليلا لانه لا مناص له من التلاقي ببروطون ايجابي يجذبه فيقضى كل منهما على الآخر
ان كوننا واسع النطاق اذ هو يملا كرة من الفضاء شعاعها ملياران ونصف مليار من السنين لمسير النور وسرعة النور ثلاثمائة الف كيلو مترا فى الثانية (الدقيقة ستون ثانية والساعة ستون دقيقة واليوم اربع وعشرون ساعة والعام خمس وستون وثلاثمائة يوما ) فالنور الذى ينبع من طرف الكون لا يصل الينا الا بعد مليارين ونصف مليار من الاعوام التى يقضيها فى عدوه بهذه السرعة التى تمكنه من ان يطوف بالارض سبع مرات ونصف مرة فى الثانية الواحدة .
ورغم هذا الاتساع وبعد الكواكب بعضها عن بعض فالفضاء لا يخلو من البروطونات الايجابية والبروطون محكوم عليه بالاعدام حيث وجد
ويمكن ان نتصور كونا اخر مضادا لكوننا تكون بروطوناته كلها سلبية وكهيرباته السيارة كلها ايجابية وذراتة وهباءاته ثابتة كذراتنا وهباءاتنا غير انه لا يمكن وجوده الا في فضاء بعيد عن كوننا بما يتعذر علينا تصوره . ويستحيل على بروطوناتنا الايجابية ان توجد في هذا العالم الاجنبى .
ولو فرضنا ان يقترب الكونان المتضادان بعضهما من بعض حتى يتجاذبا ويتلاقيا فكل منهما يعدم الاخر ويضمحل اضمحلالا مطلقا ولا يترك اى اثر مادى .
ب ) - الحيثية التطبيقية :
انشأ المفتشون البروطون المضاد وما تمكنوا من اعارته حياة طويلة لكنهم قادرون على تصور قنبلة يتحفوننا بها يوما ما فتصنع لنا عند تفرقعها من هذه البروطونات المضادة ما يكفى لانتقالنا من عالم الماديات الى عالم المعنويات . ولا اقصد الهزل بتعبيري هذا لانه كما كنت اقول اذ تلاقى البروطونان الايجابي والسلبى فكل
منهما ينعدم على الاطلاق ويحال الى " طاقة " Energie) ) اي الى شىء معنوي لايطرق حواس الانسان .
كانت وسائل الحروب تكتفى بسلب الحياة من الحي وبافساد الانظمة المادية كتخريب الديار وحرق المزارع والاشجار فاذا حرقك اللهب فانه يشتت هباءاتك ، ولا يعدمها فتخلفها بعدك فى رمادك ودخانك وبخارك . واذا وقعت عليك قنبلة ذرية فهى تصيرك " روحا " ينتشر فى الجو لكنه يتألف من ذراتك وبروطوناتك وكهيرباتك تتدو ذكرك بعدك وتتنفسها النباتات والحيوانات التى يتغذى منها ابنك اما اذا اتحفناك بالقنبلة التى تصورها خيالى فرحمة الله عليك وعلى مادتك بصفة نهائية ومطلقة اذ انك تصير معنويا كباقى المجردات.
وقانا الله جميعا من هذه الاخطار الجسيمة والمرعبة التى تهددنا بها القنابل الذرية بكل انواعها وتبا للمجرمين الذين لا يبالون بهدم الحضارة التي شيدتها القرون المتوالية !
انه لمن الخجل ان يرتكز اليوم السلم العالمى على .. المزاحمة والمباراة فى سوق القنابل الذرية ووسائل التدمير . ويا للفضيحة اذا لم يبق لنا الا هذه المزاحمة وخشية الاخذ بالثار لحمايتنا من هول هذه القنابل وطيفها .

