الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 672الرجوع إلى "الثقافة"

من التعديد إلى التوحيد

Share

علمنا التاريخ أن الأمم بدأت في تحديد الآلهة ، فعبدوا الأحجار والأشجار ، وعبدوا الأنهار والحيوانات ، ولما جاء العهد اليوناني ، جعلوا لكل شئ إلها . فإله للجبال وإله للبحار ، وإله للرعد ، وإله للبرق ، وإله للحرب ، وإله للحب ، وهكذا . واختصر النصاري الآلهة في ثلاثة : الأب والابن وروح القدس ، إلى أن انتهي الدين إلى إله واحد : " قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد " .

ويظهر أن الإنسان جرى أيضا في هذا السبيل ، فتعدد في كل شئ . ثم توحد في كثير ، وسينتهي امره إلى التوحيد .

كان الناس قبائل ، فتوحدت كل مجموعة من القبائل في أمة . وكانت هناك في كل أمة أجزاء ثانية ، فعمل المصلحون على توحيدها ، فقد جاء بسمارك ووحد أجزاء ألمانيا وجعلها دولة واحدة ، وجاء جاريبالدي فوحد إيطاليا ، ولنكولن وحد الولايات المتحدة . وإنما نجح هؤلاء لأنهم مشوا مع التيار لا ضد التيار .

وكل حرب من الحروب تقدم العالم خطوة نحو هذا التوحيد ، وكل الدلائل تدلنا على هذا الاتجاه ، وإنما كانت الحرب ، لأنها أشبه ما تكون بالرعد يجمع بين سحابتين . ولذلك نتوقع أن تندمج كندا والمكسيك في الولايات المتحدة ، كما اندمجت السوديت في ألمانيا .

وكذلك الشأن في الأنظمة ؛ تمثلا كان القضاء الشرعي عندنا متوزعا بين قضاء شرعي وأهلي ومختلط ، فزال المختلط ، وسيتوحد القضاء لا محالة ؛ وكان التعليم عندنا ينقسم إلى أزهري ومدنى وأجنبي ؛ وسيتوحد كل ذلك ، ومن أجل هذا كان الاحتلال على العموم كالقذي في العين أو كامتداد اللسان في البحر ، ليس طبيعيا ، فبدأ يأخذ في الزوال ، لأنه ضد الطبيعة ، فزال من الهند ، وزال من سوريا ولبنان ، وسيزول لا محالة من مصر والعراق والمغرب .

ولا ينكر على هذه النظرية إلا ما حدث أخيرا من انقسام الهند إلى هند وباكستان ، ومن انقسام انجلترا إلى انجلترا وإرلندا ، فهذا انفصال لا توحيد . وربما كان الجواب عن

ذلك ، أنها افصلت وتعددت ليقوي كل جزء نفسه ، ثم يتوحد .

ثم في عصرنا هذا الأمم الحكومات ، فلكل أمة حكومة ، انجلترا وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة والبابان . فبناء على نظريتنا ، ستصبح للأمم كلها حكومة واحدة . وكل واحدة من هؤلاء ، عضو فيها ، وهذه الحكومة العالمية ستواجه ثورات في كل أمة ، ولكنها تقضي عليها ، كما قضت كل حكومة على ثورات أمتها . وقد ظهرت طلائع ذلك في توحيد نظام البريد والتلغراف والسكك الحديدية ، والراديو وغير ذلك . ولم تبق إلا خطوة واحدة على النهاية ؟ فبعد هيئة الأمم الفاشلة ، ستكون الحكومة الواحدة الناجحة . بل أكثر من ذلك ستكون للعالم كله لغة واحدة ، ودين واحد .

وستنكسر الحدود بين الأمم تبعا لاختراع الطائرات ، والغواصات ونحو ذلك ، مما كان يحجز السرعة ، ويعوق الاختلاط .

كل هذا سيقدمنا إلى فهم الإنسانية . وعلى هذه النظرية ، إذا سألت : ماذا سيحدث في هذا الشأن ؟ أمكنك الإجابة بأن هذا الشيء ضد التوحيد ، أو موافق للتوحيد ، فإن كان ضده فسيفشل ، وإن كان معه فسينجح

نعم . إن ما هو ضد التوحيد قد ينجح ، ولكنه نجاح مؤقت ، سينتهي عاجلا أو آجلا بالفشل . وما كان مع التوحيد قد يفشل . ولكنه في النهاية سينجح . وإن الطبيعة لا تعرف الطفرة ، وإنما تعرف التطور التدريجي ؛ حتى يمكنك أن تعرف أن هذا ظل ، وأن هذا شمس ولكن هناك خطا فاصلا بين الشمس والظل من الصعب أن تتبينه ، وأن تقول هذا ظل وهذا شمس . ولكن سيأتي وقت قريب ، فتحكم على هذا الخط بأنه ظل بحت ، أو شمس بحت . فشأن العالم شأن العقيدة في الإله ، يسير إلى توحيد ، وسيكون شعاره " إله واحد ، لإنسان واحد " .

اشترك في نشرتنا البريدية