جمعها هنري جويلمن ورسالة من رساتله إلى امرأته "Some Fragments" By Hugo Compied By Henri Queillemin
هذه شذرات جمعها جامعها ونشرها اليوم لأول مرة ، وهى شذرات اقتطعت مما كتبه " فكتور هوجو " فى الحقبة بين عامي ١٨٨٢،١٨٣٠ . أما للصادر التى استفيت منها هذه الشذرات فهى الأوراق المحفوظة لدى عائلة "هوجو " ثم المذكرات المتناثرة هنا وهناك . وقد بويت تلك الشذرات تحت عناوين مختلفة مثل : " نفسى " و " حقائق معاصرة " و " أشياء منظورة " و " أشياء مسموعة " و "كتاب وفنانون" و" رحلات " و " أفكار عفو الخاطر " إلى آخر ما هنالك .
والناشر لهذه الشذرات يذكر القارئ بوصية كان قد أوصى بها " فكتور هوجو " ولده ، وذلك فى عام ١٨٥٩ وقال فيها : أوصيك يا بنى أن تجمع كل أثر من آثارى القلبية مهما عظم أو صغر ، وأن تضم كل لفق إلى لفقه . وأن تنشر هذه الآثار بعد موتى
وكأن كتاب الشذرات هذا قد تم طبقا لتلك الوصية ، فلم يغادر حتى الجمل القصار التى قصد بها " هوجو " إلى اللعب بالألفاظ ) فى اللغة الفرنسية ( كقوله :
Elle S'Appelle "IDA" Elle a Sur sa Fenetre " un pot de "Reseda
وترجمتها : إن اسمها "إيدا" وعندها فوق ناقذتها آنية تضم نبتة " التمرحنا " والشاهد فى الأصل الفرنسي
ومن الكلمات التى اقتبست قول " هوجو " : كل ما يتعلق بالعمل فلا بد أن يكون الجد طابعه ورائده .
ومن كلماته التى تفيض أسى وألما وصفه للملك الوليد الطفل الذى شاهده فى حي من الأحياء المريبة فى جزيرة "جرنسى" حيث يقول : الفتاة الصغيرة ( أم الوليد المسكين )
الفتاة الصغيرة جدا . . التى لقيتها فى الشارع وهى تبكى وقدماها عاريتان ، وهى تسير على أرض الشارع التى غطاها الثلج ، وقيمصها وقد بانت فيه الحروق ، وعيناها وقد زاغتا ، وهى تصرخ صرخات البأس والقنوط ، وهى تنظر إلى السماء وكأنما تتوجه إلى القدر بالعتاب واللوم .
ومن كلماته التى تفيض بالسخر والتهكم قوله : لقد أمعنت النظر فى إوزة فرأيت شبها قريبا بجمع بينها وبين فلان عضو المجمع العلمى الفرنسى .
وقوله : إن ملقط النار الملقي إلى جانب المدفأة ليذكرني بالسيد فلان الوزير السابق . . فكلاهما له رأس صغير وساقان طويلتان جدا .
وقوله يصف نهرا من الأنهار : وترى ذلك النهر وهو ينساب فى مجراه ، وهو يضرب بذراعيه ذات اليمين وذات الشمال ليشق الطريق ، وهو يجرى إلى غابته .
ومن أقوال "جان كوكتو " يصف " هوجو " : إن " فكتور هوجو " كان رجلا مجنونا . . إذ كان يظن نفسه أنه " فكتور هوجو " .
وفى المخطوط الذى جعل عنوانه " نفسى " يذكر " فيكتور هوجو " ما كان يضفيه على فقراء جرنسى من خير وبر ، والقارىء لما احتواه ذلك المخطوط إستيقن أن الإحسان والبركانا آيتين من آيات عظمته ونبله .
وكتاب الشذرات يصور " هوجو " فى مختلف صوره وحالاته ، فيراه القارئ فى أيام " لوى فيليب " ويراه فى عام ١٨٤٨ ، ويراه أيام " نابليون الصغير " كما يراه أيام الجمهورية الثالثة .
وإلى القارئ الرسالة التى أسلفنا القول عنها وهى منقولة عن كتاب " رسائل فكتور هوجو " إلى امرأته ، وعنوان الرسالة : " للغنون فى الطرقات " :
اكتب إليك من مدينة " برن " وأذكر لك أن غرفة الطعام فى الفندق الجديد الذى تضمني اليوم رحابه . تقوم
فى الدور الأرضى ، وطبقا لما جرت عليه عادتى قد أمرت ان توضع مائدة طعامى بالقرب من النافذة ، وبينما كنت آؤدى اليوم واجب التكريم والتوفير لطعام الفطور الشهى اللذيذ كانت عيناى لا تملان النظر إلى الميدان المبسط الفسيح
وأنا - كما تعلمين - أسمى هذه النظرات " بالأكل القارئ " أو " القراءة الآكلة " . ذلك أن كل منظر من المناظر له فى مخيلة الحالمين من أمثالى دلالة تختلف باختلاف المناظر . فالعينان تنظران ، والعقل يفسر ويترجم ، وعندى أن ميدانا من الميادين العامة إنما هو كتاب من الكتب ، فالمرء بتهجى الدور والبنايات ، كما ينهجى الحروف والكلمات ، وهو يجد فى تلك الدور والبنايات قصصا من القصص التاريخية ، والمرء يفك رموز من يمرون ، من الأشخاص ويجد فى فك تلك الرموز حياة أي حياة .
ولم ألبث إلا قليلا حتى استرعى انتباهى مرور جماعة صغيرة تفردت بمظهر عجيب ، وقد نصبت ( وطاقها ) كما يقولون على قيد خطوات من النافذة التى أتطلع منها ، وانتثر عقد هذه الجماعة ، وقد استظل أفرادها بظل علم لعبت به الريح ، وكان قوام هذه الجماعة أربعة شخوص : رجل وامرأتان وحمار . . وكانت إحدى المرأتين نائمة . وكان الرجل قد غشيه النعاس . وكان الحمار قد عقد الكرى بمعاقد أجفانه ، ولم استطع أن أتبين ملامح المرأة النائمة ذلك لأن وجهها كان يغطه قناع أسود .
وكان وجه الرجل متجها ناحية الشارع فما استطعت أن أرى شيئا سوى يديه السوداوين ، وأظفاره ، التى نال منها البلى ، وإلا رأسه بشعره الأشعث الأغير ، وإلا نعليه اللتين كانتا مزيجا من التراب والخروق ، وإلا إحدى أصابعه تطل من أحد تلك الخروق .
وكان لباسه زوجين من السراويل مما يلبسه الجنود الفرسان ، وسترة فصلت على الطراز الفرنسى ، ولابد أن تلك السترة قد كانت فى أول عهدها بالوجود مما يتيه بها الملابس ويختال اختيالا .
وكان الرجل يمسك بيده ، - وهو نائم - عصا ذات مقبض فضى ، ويبدو أن الزمان قد جار على تلك العصا
وأختى ، فأصبح صاحبها هذا يقلب بها جمرات الفحم المنقد فاسود طرفها ، وتشققت أجزاؤها .
أما قبعته القديمة التى كأنها الهرم المتعدد الأوجه والجوانب فقد كان نصفها يغطي جانبا من رأسه ، وكان نصفها الآخر يخطى جانبا من الأرض ، وكان هناك طبق ملقى تحت قدمى الرجل النائم ، وكأنه أحد لتلقى ما يتصدق به المحسنون .
أما الحمار فقد كان بغير شك العائل الوحيد للجماعة كلها ؛ فهو يشقى ليسعدوا ، وهو يحمل القالهم إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس . وكان نصف هذا الحمار مدفونا فى الرمال ، والناظر إلى هذا الحيوان لا يرى فيه حمارا من الحمير . إنما يري ظلالا تقوم دليلا على ما يسميه الناس بالكابوس الثقيل .
أما المرأة الأخرى التى لم يدركها النعاس فكانت تجلس إلى جوار الرجل فوقى قطعة مهلهلة من بساط قديم ، وإنى القائل لك إنها فتاة يبدو أنها قد كانت فى ماضى زمانها مخلوقة حلوة ظريفة ، وهى إلى اليوم يبدو على محياها الذكاء وتزين فمها أسنان كأنها اللؤلؤ المنثور ، وهى إلى اليوم يبدو فى عينها بريق صاف عميق ، أما شعرها فقد عقصته ضفائر ، أما التناسب فهو تام فى سائر أنحاء جسمها من حيث الاستدارة والامتلاء ، ومن حيث بعد مهوى القرط ، ويبدو أن تلك الفتاة البائسة الأنيقة قد كانت تتخذ من كل جدول من جداول الماء مغتسلا لها ومرآة .
أما ملابسها وأدوات زينتها فتخبر كل قطعة منها عن اسم البلد الذى جاءت بها منه . وكان يبدو على تلك الفتاة أنها تهيم بذلك الرجل الذى حدثتك حديثه . وأعيد عليك القول يا سيدتى : أنها تهيم بذلك الرجل الهيام كله ، وهذا ما حيرنى وأذهلنى ، وإنى لأعلم علما ليس بالظن أن النساء كثيرا ما يحسن بالغبطة والسرة إذا أفمن من أنفسهن أدلة ناطقة من أدلة التناقض . . كذلك لست أجهل أن أجمل الجميلات وأقربهن عهدا بالشباب ، واللاتى وهين السحر والفتنة ، يحيين أزواجا قد وهن العظم منهم ، وانحنت ظهورهم وبان فيها الحدب ، حبا هو أقرب إلى التقديس والعبادة ، ولكنى لم أكن أصدق قبل اليوم أن فتاة تبالغ فى التأنق
كما تبالغ تلك الفتاة ثم تعشق القذارة فى أبشع حالاتها ، ممثلة فى شخص رجل من الرجال ، ذلك لأن أعرف أن هناك هوة بعيدة المدى ، وفلاة إلى غير اللقاء تجاب ، بين المخلوق الآدمى الذى يستحم وبين المخلوق الآدمى الذى لا يستحم .
أما اليوم وقد رأيت بعينى ما رأيت فلن أعجب لشئ بعد ذلك أبدا ، فقد رأيت فتاة فى ربيع شبابها ، نظيفة كأنها حبة من حبات الرمل النقى الصافى ، تقبل مرة بعد مرة - فى شغف المتعبدين وهم يطوفون بمزارات الصالحين - رجلا اشعث أغير وهو يغط فى نومه ، فلا يحس أثر تلك القبلات العذبة ، ولقد رأيها تنفض الغبار عن ملابس ذلك الأحدب . ولقد رأيتها تذود الذباب من وجهه ، وتنحى على صدره لتستمع إلى دقات قلبه ، ولتنصت إلى ترديد أنفاسه .
وأنا الآن أعلن أنى سوف أهتف باسم الكاتب - مهما يكن اسمه - الذى يستطيع أن يكتب قصة عنوانها " القصة التى تفيض حزنا واكتئابا حول حب قام بين حمامة وخنزير " .
والحق أن الطبيعة قد حملت فى طواباها من كل زوجين اثنين . أما المرأة فقد حملت فى خبابا نفسها من كل هوى زوجين اثنين ، وكأنا يخيل إلى المرأة ان كل شئ لديها جائز مقبول .
أما العلم الذى أقامته تلك الجماعة فيكفى فى وصفه أن أطلب إليك أن تصورى لنفسك قطعة من نسيج الخيش قد صبغت باللون الأزرق ، وكتب عليها بحروف سوداء كلمات هيروغليفية ، وإذا لم تخدعنى معلوماتى القليلة التى تعلمتها من تفسيرات المرحوم العالم الأثرى " شمبوليون " فإن هذه الكلمات مصرية تقول : " إن أمسنا كيومنا ويومنا كغدنا ، فلا تغيير ولا تبديل إلى يوم يقوم الحساب " .
ولكن ما دلالة هذا القول عند رجل مهرج وما أثره ؟ أكبر الظن أنها كلمات أراد بها ذلك " الخنزير " أن يعلن عن حبه لتلك " الحمامة" ولكن في لغة هورس . و " آمون رع " ، وعندى أن رؤية تلك الفتاة وهي تحتو
على ذلك الرجل وتلاطفه وتدلله ، وتداعبه وتلاعبه ، إنما هى غذاء تضوى به الأجسام
وبينما هذه الملاحظات تتجاوب فى خاطرى طرقت سمعى كلمة من كلمات اللغة الفرنسية متطوقة فى أفصح لهجة . وأندى صوت ، وأحلى جرس ، ولكن يسوءنى أن أذكر لك يا سيدتى أن تلك الكلمة كانت على حلاوة جرسها كلمة بذيئة يمجها اللوق ويقبو عنها السمع . فكان هذا باعثا لى على أن أنظر إلى ناحية الصوت ، فرأيت المرأة النائمة ، أو الفتنة النائمة وقد استيقظت . وقد تدلى غطاء رأسها إلي وراء فبان وجه هو أقبح الوجوه بلا مراء ، وكانت هى التى وجهت إلى الفتاة تلك الكلمة البذيئة ، ولم تحر الفتاة جوايا . غير أن فمها قد ارتسمت عليه علامة من علامات الازدراء . ثم انحنت على الرجل تقبله فى خده وكأنما اثارت تلك القبلة ثائر غضبه فردد على مسامع الفتاة تلك الكلمة الشقيعة
وقد استخلصت من ذلك المشهد نتيجتين : الأولى أن ذلك الرجل العجوز المنهدم قد أغاظه أن قبلة الفتاة قد أيقظته من نومه ، والثانية أن المرأتين قد تدلهتا فى حب ذلك الرجل أو ذلك الخنزير .
ولا تحسبى يا سيدتى أن هذا اللون من البذاءة وقف على أفراد الطبقة الدنيا . فإن كثيرا ممن يحسبون أنفسهم من العلية المهذيبين يربطون ألستتهم بالكلمات البذيئة ليكون حديثهم أنفذ سهما ، وأشد وقعا . كما يفعل المكارى وهو يغمس سوطه فى جدول الماء لتصبح ضرباته أكثر إيذاء وأشد إيلاما .
وامتقع لون الفتاة وارتجفت شفتاها ، ولكنها لم تنطق بكلمة . غير أنهما ألقت يدها فوق كتف ذلك الخنزير النائم ، وهزنه هزا رقيقا . وكأنها بذلك تعبر عما يجيش بخاطرها من توفير له وخوف منه ، وعما يقتابها من غم وضيق ، وعما تحس به فوق ذلك كله من حب جد عميق .
ثم استيفظ الرجل ، وتثاءب وهو ينظر فيما حوله ويقول بالأسبانية : يا بنات الشيطان ، ما هذه الضجة الكبرى ؟ ثم وقف وهو ينظر إلى الفتاة نظرة استعلاه ، فلم
تزد على أن ردت عليه ردأ مهذبا ، فيه من أمارات الحب وعلامانه نصيب موفور .
وفى تلك الآونة كنت أنظر إلى الرجل نظرة دارس ، فتبين لى أنه قد يبلغ الخامسة والأربعين من عمره . وأن وجهه الأسمر يشبه وجوه الملاحين ، وأن انزواء ما بين عينيه ليدل على أنه كثيرا ما جاب الأرض تحت وهج الشمس المحرقة .
وما لبثت الفتاة أن حدثته مرة أخرى حديثا أشهى من حديثها الأسبق وأحلى ، وكانت تكلمه بالفرنسية ، وكان هو يجيبها بالأسبانية . وبدا لى أن هذا الحديث الذى يجرى بلغتين مختلفتين قد ضايق كلا المتحدثين أشد الضيق !
وبعد قليل جاء أحد الحمالين العاملين بالفندق . فأشارت إليه المرأة العجوز أن يدنو منها . فلم تلق الفتاة ولا الرجل بالا إلى تلك الإشارة . وهمست العجوز فى أذن الحمال بضع كلمات ، فأجابها الرجل بإيماءة تدل على أنه قد فهم قولها ، ثم عاد إلى مكانه من الفندق . وفى الوقت نفسه أشار الرجل العجوز على الفتاة أن تقوم من مكانها . وقال لها بالأسبانية : هيا بنا إلى الفندق ؛ ثم سألها : ماذا تغنين اليوم ؟ قالت : سأغنى " أغنية الوادى ، التى تعرفها ، وأمسكت هى بالطبق . وأمسك هو بآلة من آلات العزف . ثم قال للمرأة الآخرى : أنت تبقين هنا أيتها العجور :
وغنت الفتاة أغنيتها ، وكان الرجل يصاحبها بالعزف على معزفه ، ولكنى لم استطع أن أتبين كلمات الأغنية فقد ضاعت حروفها ونغماتها فى ضجيج الملاعق والشوكات .
وإني لأبدي ملاحظة بهذه المناسبة ، وهى أنى كلما نظرت إلى هؤلاء المساكين المغنين فى الطرقات تولانى قلق وضيق ، فهم عند الناس قوم من المنبوذين . .
وعلى حين غفلة انقطع الغناء ، كما سكت ضجيج الصحاف والا كواب ، وأعقب ذلك ضجيج من نوع آخر لا يمكن وصفه ولا يطاق احتماله ؛ فصورى لنفسك ألف صرخة وصرخة وأصوانا منكرة تشبه هزيم الرعد . ثم صفحات يتلقاها المتلقون عن اليمين وعن الشمال . ثم الكراسى وهي تنقلب رأسا على عقب ، ثم الموائد وكل
مائدة تضرب أختها . ثم الصحاف وهي تهشم وتتطاير أشلاؤها ، ثم الخدم وقد هاجوا وماجوا ، ثم الفندق وغرفه وقد أصبح عاليها سافلها ، ثم صرخة عالية تدوى فى أرجاء المكان : اللص ؛ اللص ! فقاسمت هذه الكلمة أسرعت إلى حيث تقوم الضجة ، ثم نظرت إلى المرأة العجوز فألقيتها تنصت فى قلق بالغ إلى الصراخ والضحيج ، وكانت عيناها فى تلك اللحظة تدمعان فى بريق يثير الرعب ، وقد بانت على محياها الشماتة كما بان على محياها السرور .
وبعد قليل احتشد أمام الفندق حشد كبير فيه الخدم والخادمات ، وفيه المقيمون فى الفندق ، وفيه الفتيان والفتيات . وفيه الشيوخ من رجال ونساء وقد تكتلوا جميعا أمام الرجل وفتاته
أما الرجل فكانت رقبته فى قبضة ثمانية رجال أشداء ، وكان هو يصد القوم عنه ما وسعه الجهد ، وهو أهدأ ما يكون بالا وكأن للقبوض عليه غيره ، ثم سار أمام القوم وهو يلوح بيديه محتجا .
وأما الفتاة المسكينة فقد بدت شاحبة الوجه وقد أمسك بها ستة من الخدم ، وقد انفرطت عقود حليها ، وتمزقت ملابسها ، وكانت تبكي أحر بكاء وهى ترجو القوم وتستعطفهم . وكانت تدفع عن نفسها التهمة دفاع من انهم ظلما :
بنفسي وأهلى من إذا عرضوا له
ببعض الأذى لم يدر كيف مجيب
ولم يعتذر عذر البرىء ولم نزل
به بهتا حتى يقال مريب
ولم يمض إلا قليل من الوقت حتى حفت بالمكان شر ذمة من رجال الشرطة وكأنهم كانوا على ميعاد ، ثم تبينت أن الرجل الذى كان ممسكا بذراع الفتاة هو ذلك الخادم الذى دار بينه وبين المرأة العجوز الحديث من قبل . أما تلك العجوز فلم تطرف لها عين . وكأن الأمر لا يعنيها ، واكتفت بمراقبة ما يجرى أمامها فى سكون وصمت . فلما حاذاها الرجل قال لها بالأسبانية : اغربى عنى أينها العجوز الملعونة . وبعد لحظة انفض السامر ، وتفرق القوم . ثم لقيت
أحد الخدم فسألته : أين ذهبوا بالرجل وفتاته ؟ قال : لقد ذهبوا بهما إلى السجن
وهاك يا سيدتى القصة التى أدت بالرجل وفتاته إلى السجن كما قصها على ذلك الخادم : -
بينما كانت تلك الفتاة ، تغنى وهى رافعة ناظريها إلى السماء . والرجل يصاحبها بالعزف على معزفه ، حانت من ذلك الخادم التفاتة فرأى وراء المكان الذى يقفان فيه قليلا من الملح والفلفل قد انتثر على الأرض ، ورأى الرجل بين آونة وأخرى يميل إلى وراء كأنه متعب ، فأنبأ صاحب الفندق بما رأى وشاهد . فأمر هذا أمره . فجاء الخدم وأحصوا صحافهم فألقوا إحدى آنيات الخل والزيت قد ضاعت ، ولما فتشوا عن تلك الآتية ألقوها بين طيات ثوب الفتاة ، ومن ثم نشأت الضجة ، ونادى المنادون : اللص ! اللص
أرجو أن لا تضحكى منى يا سيدتى إذا قلت لك إن هذا المنظر قد مس شفاف قلبى ، ذلك لأنى أعرف سر القضية .
والناس كلهم يرون فى هذا أن لصا سرق فسبق إلى السجن ليلقى ما كسبت يداه . أما أنا فأرى فى الأمر مأساة . فقد سرقت هذه الفتاة - إن صحت التهمة - من أجل الحب
وإن الغيرة بينها وبين المرأة العجوز هي التى أدت بها إلى حيث تلقى جزاء السارقين .
وهذه قصة كما ترين فيها بؤس وفيها شقاء ، وهى على تفاهة مكوناتها شعرية النسج والحبكة ، وهى قد تكون عند أصحاب فن التمثيل ملهاة أى ملهاة ، وهى عندى مأساة أى مأساة .
ذلك لأن اقرأ بين سطورها ماذا يفعل الحب بالمحبين .

