الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 676الرجوع إلى "الثقافة"

من الفكر الأوروبى المعاصر

Share

١ - رأى فى ثاكيراى

بين " ثاكيراى " و " ديكنز " صلة من تداعى المعانى، فإذا ذكر أحدهما ذكر الآخر . وكلاهما كاتب ملء . بردية . السخرية والتهكم، مع فارق واحد : هو أن " ثاكيراى" قد اختص بنقد ما يراه مستحقا للنقد من أخلال العلية من القوم، ومن الف لفهم، وان " ديكنز " قد تفرد بنقد ما يراه مستحقا للنقد من أخلاق السفلة من القوم .

وقد آثار هذه الخواطر عندى مقال قرأنه اليوم للكاتب الإنجيليزى " آرثر كرفدر مارشال" جعل عنوانه : " رأى فى ثاكيراى " قال فيه :

أريد أن أبدا القول بأنى يوم كنت فى الرابعة عشرة من عمرى قرأت كل مؤلفات " وليم شا كبس ثاكيراى " كما قرأت كل مؤلفات " شارلى ديكنز " ثم أثنى بالقول أنى اليوم - وقد جاوزت سن الأربعين - قد عقدت العزم على إبداء رأى هو أكثر سدادا، وأوفر نضجا .

وإني لأهلن أتى فى صباى كنت أتعيب " روايات ديكنز " كما أتعيب " الحليب الثلج " أما روايات " ثاكيراى " فما أحببت منها حبا صادقا إلا روايته " سوق الغرور " .

وفى هذه الأيام انتابنى مرض ألزمنى الفراش ستة أسابيع فقلت لنفسى : إنى احاول أن أنقصى الأسباب التى جعلت اسم " ثاكيراى " يذكر كلما ذكر اسم " ديكنز " أو بعبارة أخرى : إنى احاول أن أنقصى الأسباب التى جعلت مؤلف " سوق الغرور " يكتب كل كتبه الأخرى التى لا تقرأ . .

وفى إبان ومكة الحمى التى انتابتنى أعدت قراءة " سوق الغرور " كما أعدت قراءة " الجورجون الأربعة " ( وهم ملوك إنجلترا المسمون بهذا الاسم والذين تولوا حكمها من عام ١٧٢٧ إلى عام ١٨٣٠)، ثم قرأت لأول مرة روايته " هنري إزمند " وروايته " بارى ليندن " كما قرأت بعض رواياته الأخرى، وكانت قراءتى لكل تلكم الروايات

قراءة دارس يعنى العناية كلها بأن يجيد فهم ما يقرأه . وأول ما خطر ببالى بعد تلك القراءات أن " ثاكيراى " قد ولد فى زمان غير زمانه، ولكن لاحيلة فى هذا .

وقد كان مولده فى الهند، ثم أرسل إلى إنجلترا ليتلقى علومه، وكانت أسرته فى أحوال غير مستقرة، حكمها فى ذلك حكم البلاد التى ولد فى ربوعها. فقد كان له زوج أم يوم كان لا يزال صبيا .

وكان " ثاكيراى " ألصق بالروائى " هنرى فيلدنج " (المتوفى عام ١٧٥٤ ومؤلف " توم جونس " ومقتبس الكثير من روايات موليبر) اكثر من لصوقه بأى كاتب آخر، وأكثر رواياته نجاحا ، كانت تعتبر فى عرف كتاب العصر الفكتورى أنها من ذلك الصنف الذى كتب فى ذلك العهد البائد البغيض عهد " الجورجين" ذلك لأن الناس فى العصر الفكتورى كانوا يرجون لكل شئ وقارا، حتى لقد قيل إنهم كانوا يلبسون أرجل المناضد جوارب، ذلك لأن أرجل المناضد المتعرية كانت تعتبر آية من آيات التهتك والخلاعة.

أما روايته " بارى ليندن " فكانت أول رواية دلت على عبقريته ونبوغه، وهى ترجمة ذاتية لمقام دنئ من الأرفال، وثاكيراى مدين فى كثير من أجزائها لرواية " فيلدنج " المسماه "جوناثان ويلد" وهى إلى ذلك أدق تعبيرا فى سخريتها وأوفي بيانا .

ولست أقول شيئا عن رواية " سوق الغرور " ذلك لأن هذه الرواية قد ظهرت بالخلود فى سجل الأدب الحديث، وذلك على الرغم مما بها من أخطاء تبدو اليوم مستعصية على الفهم ولكن على الملائم أن يعرف أن " سوق الغرور " قد كتبت أجزاء منجمة، ولذلك فقد يكون الكاتب قد فمى أحيانا فى جزء من أجزاء الرواية ما كان قد قرره فى جزء سابق. ولم يكن " أنتونى ترولوب " ( ١٨١٥-١٨٨٢ )

ذلك الكاتب الفنان المجد الدقيق، راضيا أبدا عن عمل "ثاكيراى" إذ كان يعرفه معرفة شخصية، وكان يعرف فيه رجلا كسولا معجبا بنفسه مغرورا، وكان يعرف فيه أنه كان دائب السعى لبلوغ مرتبة أصحاب النفوذ، وهى مرتبة لم يستطع " ترولوب " بلوغها بالكد الدائم . والكدح المتصل .

وكان " ترولوب " على حق فيما ارتأمى . فقد كان " ثا كيراي " يحب المال حبا جما، ولا غرو فى ذلك ولا عجب . فقد كانت امرأته مجنونة . وكانت فى حاجة إلى مزيد من العناية، كذلك كان عليه أن يدخر مالا لا ينتيه ؛ وقد كان هو فوق ذلك يحب الاستمتاع باللذائذ والحمر. مثله فى ذلك . مثل " ديكنز " .

أما وقد جاء ذكر " ديكنز " فلذكر أنه كان من خصائصه أن يستنشق محاسن الأفراد فى زمانه ومساوئهم مع الهواء الذى يتنفسه . كما كان من خصائص أن يختار لبطولة قصصه شخوصا تمثل البساطة فى أجلى معانيها .

أما " ثاكيراى" فكان واقعيا، وكان يرى الناس على طبيعتهم مزيجا من الخير والشر، ومن أشياء أخرى كثيرة . ولقد كان يحدوه طموح لا حد له أن يواتيه النجاح كما واتى " ديكنز " فكان بصدر روايات طويلة فى أجزاء متعاقبة ، تفصل بينها فترات من الزمن، دون أن يعنى بمعرفة كيف بدأت تلك الأجزاء، وكيف يجب أن تنتهى .

ولقد كان " ديكنز " يحب كل مخلوق يعرف فيه الطهارة والصفاء . وكان يحببه إلى الناس كلهم ، ولقد برع البراعة كلها فى وصف الحياة الشعبية، أما معرفته بالعلية من القوم فكانت معرفة ضئيلة، وكان إذا أراد أن يصور فردا من أفراد تلك الطبقة نولاء العى والحصر، حتى لتجىء الصورة وليس بينها وبين الحقيقة إلا نسب مشوب غير صريح . وأما " ثاكيراى " فكان يجيد وصف أفراد الطبقة العليا، وأفراد الطبقة التى تجىء بين هذه الطبقة وبين الطبقة الدنيا، وكان استاذوه فى الأدب " أديسون ".

و" جولد سمث " وفيلدنج" وهو أبعدهم أثرا فى أدبه . وكانت لثا كيراى دراية بالآداب القديمة، كما كان متضلعا فى الآداب الفرنسية والألمانية، وهى الآداب التى كان ديكنز لا يعرف منها إلا النزر اليسير .

وكان " ثاكيراي " ينعى على الناس. ويقم منهم أنهم يميلون إلى اتخاذ ذوى الجاه قدوة لهم وإماما وأنهم يعيشون عيالا عليهم . كما كان ينعى على الناس أن يعبدوا أصنام زمانهم التى لا تملك لنفسها غما ولا ضرا .

ومن الفروق التى تقوم بين " ثاكيراى " و " ديكنز " أن شخوص " ثا كيراي " قد لا يكون لها من مظاهر القوة الحيوية ما تنعم به شخوص " ديكنز " ولكن شخوص " ثاكيراى" ظفرت دائما بدراسة وافية عميقة .

هذا ويقتضينا سياق الكلام أن نذكر كلة موجزة عن كلتا الروايتين : " بارى ليدن" لثا كيراى . و"جوتاثان ويلد" لفيلدنج.

أما رواية " بارى ليندن " فقد صدرت أجزاء متتابعة على هامش مجلة "فريزر " ثم جمعت فى كتاب صدر فى عام ١٨٤٤ . وهى رواية صبت فى قالب ترجمة ذاتية .

وبطل الرواية مقامر دنئ من إيرلندة . وطالب من طلاب الثراء عن طريق الزواج . وناج من كبار النقاحين ، وهو فوق ذلك وقح، قليل الحياء وهو فوق ذلك أيضا مداور متقلب ، وهو يقص قصته فى أسلوب مبسط عادى . فى غير مخالطة أو سقسطة، وهو يصف فى أسلوب استطرادى وقائع قد يراها الناس مما يخجل من ذكرها الضمير فى أقصى بداوته .

وهو يصور نفسه فى صورة رجل من أعلى الناس قدرا وأنهيهم ذكرا ، قد ناله الناس بمناداتهم فظلموه ظلما شديدا وأما رواية " جوناثان ويلد" فقد ألفها " هنرى فيلدنج" وجعل منها صورة ساخرة، وقد كتبها فى ذلك الحين الذى كان قد أعنى نفسه فيه من كتابة التمثيليات ، وذلك عام ١٧٤٢ يوم منع تمثيل رواياته لاحتوائها تلميحات ساخرة تشير إلى بعض الأشخاص من ذوى القدر والجاه

وفى تلك الآونة كان الكاتب . الذى ينحدر من قوم عظماء ، والذى نشأ فى بمبوحة من العيش - قد أدله القدر وهبط به إلى الدرك الأسفل من الذل والففر . ثم زاد فى بأسائه كيد أعاديه وحساده، وكان مرض زوجته الذى استعمى على البره ثالثة الأنافى .

وكان " فيلدنج " ينقم من زمانه اضطراب أحوال المجتمع، حيث كان الأ كفاء يلقون الأمرين ، وحيث كان

الناس يلقونهم بالهزه والسخرية، وحيث كانت البلادة والحقارة تلاقيان كل توفير وتكريم فى أعلى الأندية قدرا وأرفعها مكانة .

كل أولئك قد لفى منتنفسا فى الثلاثة مجلدات من كتابه الذى سماء "متنوعات" والذى نشره عام ١٧٤٣ والذى ضمن آخر جزء من تلك الأجزاء قصته هذه .

ورواية " جوناثان ويلد" تصور حياة فاجر من الفجار وفاسق من الفساق، كما تصور حياة صحبة الارفال الأدنياء رجالا ونساء، فى صراحة من القول جامحة، لا يعوقها عائق . ولا تقف فى سبيلها الأسداد .

وبطل الرواية الذى يمثل العظمة التى تقاس بمقياس النجاح فى الإجرام والشر، قد جئ به إلى " لندن " وهو حدث، وقد ألقى به فى أحضان رجل فرنسى، وهو الكونت (La ruse) وعلى يديه تعلم الغش فى ألعاب القمار فيذ معه وعليه، حتى لقد كان " الكونت " يوما ضحية من ضحاياه . ثم تآمر بطل الرواية مع رجل اسمه " باجشوت " ومع طغمة من الارذال والأوغاد. وتعاونوا تعاونا آثما على رجل برىء وعلى أسرة ذلك الرجل حتى كان نصيب هؤلاء جميعا السجن.

وتزوج " ويلد " بامرأة فاسقة كانت له فى الخديعة والشر ندأ . وكان مصيرهما آخر الأمر إلى السجن، كما كان مصير جمهرة أشخاص الرواية إلى المشنقة .

أما زيارة قسيس السجن لويلد فى سجنه، وما دار بينهما من حديث فى الليلة السابقة ليوم إعدامه فسخرية مريرة لاذعة . تهزأ بما يقدمه الدين من عزاء، كما كان ينظر إلى الدين يومذاك .

وتتضمن فصول الرواية أحاديث عن العظمة كما يحلوها " فيلدنج" فى مراحلها المتعاقبة؛ وذلك فى الأدوار التى تقلبت فيها شرور " ويلد " ومعايبه . .

٢ - شارلس كنجزلى

ليس من يجهل قدر " شارلس كنجزلى " ككاتب ومؤلف لكتب الأطفال، وقد ردد القوم اسمه اليوم بمناسبة المهرجان المثوى " لبريطانيا " الذى أقيم فى لندن من مايو إلى سبتمبر من هذا العام .

و " كنجزلى " شاعر وروائى ، وكاتب اشتهر بوصفه الطبيعة، وبكتبه التى ألفها للأطفال . وقد ولد عام ١٨١٩ وتوفى عام ١٨٧٥، وتلقى علومه فى كمبردج . وكان اشتراكيا فى مسيحيته. وابنته ماري )(١٨٧٢-١٩٣١) روائية مثله، وكانت تكتب مستخفية تحت اسم " لوكاس ماليت " وكأن حياة " شارلس كنجزلى " الخاصة كانت قصة من قصص الأطفال، جمعت بين الحقيقة والخيال؛ فقد كان الشعر وحبه للطبيعة من مكونات نفسه، والقارئ لكتبه يلمس فيها نفحة من نفحات السماء، كما يفتح فيها بركة من بركات الأرض .

وقد كان هو محاربا ومجاهدا فى سبيل الخير العام؛ ذلك لأن انجلترا فى العصر الفكتورى كانت ملأى بالأفاعى التى كانت تطلب أن تقتل؛ فلما بطل جهاده، ووقفت رحى حربة، سمعه الناس يدمدم - وهو يحتضر - ويقول : لم يبق أمامى حرب أحاربها . ذلك لأنه وإن تكن سنه لم تجاوز الخامسة والخمسين، فقد كانت الحرب التى حاربها قد هدت منه القوى، وكان قد كسب كثيرا من المعارك التى خاض غمارها وتقول امرأته : ( إنه فى جهاده كان يستند إلى دعامتين هما الإيمان بالزمن وبالضوء، ولابد أنه كان يحس أن الزمن يجوز له سنوف الصراع التى سارع بها نفسه والقوى التى حوله ؛ ولابد أنه كان يحس أن نور الإصلاح لابد مؤد إلى إخراج المجتمع الفكتورى من ليل داج إلى نهار مشرق ضاح ولا شك فى أن حياته القصيرة لم تكن كافية لعمل كل ما كان يريد أن يعمله ؟ فقد كان كاتبا ، وقسيسا ، واشتراكيا، وروائيا، ووطنيا من غلاة الوطنيين، وعالما من علماء الطبيعة، وواحدا من المعنيين بالإصلاحات الصحية ، وشاعرا، ومؤرخا، وواعظا من الوعاظ، وخطيبا قوى المعارضة، متين الحجة؛ وعلى الرغم من هذا كله لم يشتهر إلا بكتبه التى ألفها للأطفال .

وكانت حياته ومؤلفانه تؤلف وحدة متينة الحبك . وهي وحدة كسبها كسب الظافرين، على الرغم مما فى طبيعته من تنافر وتباين؛ ذلك لانه كان يجمع فى نفسه بين اللين والعنف، وبين الأمن والخوف. وبين الرجل المجد الثابت الخطى، وبين الرجل الوانى المتقلب، وبين الرجل الذى لا يعرف الخيال السبيل إليه، وبين الرجل الذى لا يعرف إلا سبيل الخيال .

وكتبه للأطفال تعرض على قارئها عرضا كاملا كل هذه الجوانب المتعددة . ولا مرية فى أن اختلاف جوانب ذكائه ونبوغه قد أضفت عليه صورة محببة ككاتب للأطفال .

وكان الطبيعة قد جاملته فخصته بنية غير قوية ، ويميل إلى العزلة ، ويحبسة فى لسانه ، فوقاء انه بذلك شر الاندماج فى المدارس العامة التى كانت تفيض فى زمانه بالحفوة والقسوة . وقد ظل طوال حياته لا يميل إلى زحمة الناس .

وكان منذ نشأته قوى الملاحظة . فقد جلس إلى والده أمام المدفأة يوما - وكان فى السادسة من عمره - وإذا به يقول لأبيه " إنى لأعتقد أن الفحم يحتوي على كبريتور الحديد " .

ولما شب أحس نسيج وحده، وأنه يختلف الاختلاف كله عن لداته وأنداده .

وكان منذ صباء يثور ثورة على كل مظهر من مظاهر الظلم . وقد ظل طوال حياته يقترع طرقا جديدة ثم يهجرها ، ثم يشق طرقا أخرى مختلفة المقاصد والنواحى . وكان رجلا قد طبعه الحزن بطابعه . وكانت فترات النشاط عنده تعقبها فترات من انتهاك القوى، ومن انقباض وغم مبعثهما البأس من بلوغ أهدافه فى الإصلاح .

وكانت أسعد أيامه تلك الأيام التى كان يقضها مع أطفاله تحت شجرة فى حديقته، أو فى الكوخ الذى بناه بيديه . أو ممسكا بأيديهم وهو يماشيهم مماشاة اللدات، فى طرق القرى إلى جوار النهر، أو على شاطئ البحر .

ولم يكن " كنجزلى " أول من ألف الكتب لتعليم الأطفال وتسليتهم، فقد سبقه كتاب آخرون منهم "شارلس" و "مارى لام " ومنهم " ساره تريمر" ومنهم " أن " و " جين تايلور "، ومنهم ماريا " إد جورث " .

وقد امتاز " كنجزلى " بأنه كان مبسطا للكتب قبل أن يكون منشئا لها. كما امتاز أيضا بأنه كان مجددا بتقربه إلى الأطفال .

وهو أول كاتب نجح النجاح كله فى جعله التعليم عند الأطفال مسليا ومشوقا، وكان النظر إلى التاريخ نظرة إنسانية يحسبانه قصة الرجال والنساء بوائم خياله. وقد أعانته هذه النظرة على جعل قص القصص طوع بنانه . ومن خصائصه المميزة أنه كان ينظر إلى الرجال والنساء

كأفراد أولا، ثم ينظر إليهم كجماعات وجماهير بهم ظمأ شديد إلى المعرفة وبهم شوق بالغ إلى العلم .

وكان إذا كتب للأطفال متخذا سبيل المزاح، لم يكن يقصد المزاح لذاته وقد كان يرى أن للأطفال زمانا بغتابهم فيه الانقباض المباغت، وكان ينصح للآباء بأن لا يلقوا بالا لمثل تلك المفاجآت، وكان همه ووكده أن يوقظ فى الأطفال حاسة الإعجاب والروعة. وأن يستثير فيهم قوة الملاحظة وأن يعلمهم دون أن يعرفوا أنهم يتعلمون، وكان يرى أن لا فائدة فى الاستعانة بالعصا فى تعليم الأطفال وتقويمهم.

وأراؤه تبدو اليوم كأنها الدراهم الحديثة الصنع، وقد كانت فى زمانه يوم كتب كتبه آراء تقدمية خطرة .

وينسب العارفون براعته فى الكتابة للأطفال إلى المشابهة التى بين أخلاقه وبين أخلاق الطفولة. فأعانته هذه المشابهة على التغلغل فى عالم الأطفال ودنياهم .

و " كنجزلى " كان يعتقد اعتقادا لا يرقى إليه شك أن الحيوانات أو " الخلائق البكماء" كما كان يسميها، لها أرواح وانها قد تدخل الجنة .

وكثير من كتبه التى كتبها للكبار قد تكون أصلح للأطفال، وقد كان من عادته أن يهدى كتبه التى يؤلفها إلى أولاده . فقد أهدى أحسن كتاب له وهو :The Water Babies إلى الأطفال جميعا وإلى أصغر أولاده " جرنفيل آرثر " . وكان فى الخامسة من عمره عند ظهور الكتاب ، وقد لقى هذا الكتاب الترحيب كله فور ظهوره، وطبع أكثر من مرة وترجم إلى عدة لغات. وهو كتاب جمع طرقا من كل فن وعلم. ففيه قصص. وفيه خيال وفيه شعر، وفيه " تاريخ طبيعى"

أما الحيوانات التى أنطقها، وأجرى على ألسنتها المواعظ والحكم فأشهر ما كتب فى هذا الفن منذ عهد " وايسوب" وأما كتابه " الأبطال" الذى كان ظهوره سابقا على ظهور الكتاب السالف الذكر بسبع سنوات، والذى أهداء إلى الثلاثة الكبار من أولاده، فهو كتاب سهل العبارة يكاد يكون أبرع كتاب فى فن الحكاية .

ويبدو اليوم أن مؤلفى كتب الأطفال قد أفرطوا فى النزول إلى مستوى الأطفال، وذلك بالمبالغة فى تسليتهم، وإدخال السرور على قلوبهم، ونسوا ان المبالغة فى التسلية قد تؤدى إلى عكس المقصود منها .

وهناك كتابان من كتب " كنجزلي " لهما مكان الصدارة من حيث التبسيط، ومن حيث فائدتهما التعليمية، وهما كتاب: " عجائب الشاطئ "، وكتاب " قصص الأرض الشعبى" أو كتاب : Madam How and Lady Why، وهما كتابان يقصر المادح عن توفيتهما حقهما من الثناء، فقد فتحا آفاقا واسعة فى عالم الدراسات الطبيعة أمام جيلين على الأقل من الفتيان والفتيات، وقد خلفا قالبا صبت فيه آراء كوكيبة كبيرة من الكتاب المحدثين .

اشترك في نشرتنا البريدية