تسترشد المعتزلة بالعقل في البرهان على وجود الله . تقول إن كل كائن عاقل يمكنه أن يدرك هذه الحقيقة - أعني وجود الله - بواسطة عقله . ولذلك يكفيه أن يفكر في المعاولات الحادثة وفي أسبابها المختلفة حتى يصل إلي القول بوجود سبب أول لها . وعلى الفكر ايضا ان ينظر إلي النظام السائد في العالم ليري فيه برهانا جليا واضحا على وجود منظم له . فيكون للمعتزلة برهانان أساسيان على وجود الله : برهان بالعلة الفاعلية ، وبرهان بالعلة الغائبة .
البرهان بالعلة الفاعلية
المعاولات كثيرة وعديدة . والحركة أوضح وأعم هذه المعاولات ، وبها تبدأ المعتزلة وتبرهن على حدوث العالم وعلي وجود محرك أول له . فيقول أبو الهذيل العلاف : اني لا أقول بحركات لا تتناهي أولا ) ١ ( . أعني لا تتناهي من طرفها الأول ، وبمعنى آخر هو ينكر الحركة التي لا بداية لها . فإذا لكل حركة محرك تتحرك بواسطته . وهذا ما تظهره لنا التجربة . ولما كان الأمر كذلك فلا يمكن التسلسل في مجموعة العلل . لذا وجب حتما أن تنر بوجود محرك أول لا يحركه آخر ، وهو السبب الأول لكل حركة . وهذا المحرك الأول هو الله
ويزيد أبو الهذيل قائلا : بما أن الحركات لا تتناهي أولا فهي أيضا لا تتناهي آخرأ ) ١ ( . أعني أن كل حركة لها أول فلها آخر حتما . وعلى هذا القول المنطقي يبني أبو الهذيل نظريته في سكون أهل الخلدين ، وهذا الكون هو بمثابة " حالة " نعيم أو عذاب ينتهي إليها كل مؤمن وكافر لما تنتهي حركاته .
والنظام يوضح فكرة أستاذه أبي الهذيل هذه عند ما يتكلم في النهابات ويبرهن على أن كل حركة متناهية ، وأن ما هو كذلك فإنه محدث . فيقول النظام : ليس يخلو ما مضي من قطع الأجسام من أن يكون متناها أو غير متناء فإن كان متناهيا فله أول ، فإذا هو محدث ، وإن كان غير متناء فليس له أول ، وما لا أول له لا يجوز الفراغ منه ، وفي الفراغ مما مضي دليل على نهايته ) ٢ ( . فلما كانت جميع الحركات مقيسة بالنسبة إلى المكان والزمان فهي إذا متناهية ، وعلى ذلك تكون محدثة ، وكل محدث محدث عن علة ولا يمكن التسلسل في العلل ، فلزم القول بعلة أولى غير محدثة ، وهي الله .
ليس البرهان بالحركة هو كل ما تستند عليه المعتزلة لإثبات وجوده تعالى - وإن كان هذا البرهان هو أسهلها وأقواها - هناك براهين أخري ترتكز على نظريات فلسفية يقدمها بعض المعتزلة ، تمثلا يستنتج الإسكافي وجود الله من وجود الأشياء ويقول : إن الأشياء تبدأ من بدايتها لأنه إن لم يكن لها بداية فلا يمكن أن يوجد شيء . فوجود الأشياء يدل على أن لها بداية . والبداية حركة ، إذ انها المرور من حالة العدم إلى حالة الوجود . وهذه الحركة يلزمها محرك
والتسلسل يمتنع هنا ، فإذا يوجد محرك أول حرك الأشياء من العدم إلي الوجود ) ١ ( .
وبرهان هشام الغوطي يرتكز على الفرق الموجود بين الجوهر والعرض ، فيقول : إن الأعراض لا تدل على كونه تعالى خالقا ولا تصلح الأعراض دلالات ، بل الأجسام تدل على كونه خالقا ) ٢ ( ولا يجب في ذلك - رغم أن الشهر ستاني يتعجب من هذا القول ؛ ففي نظر هشام - وفي نظر أغلب المتزنة أيضا - الأعراض تصدر طباعا عن الجواهر والأعراض ملازمة للجواهر في حالة العدم . ولما كانت الجواهر تتحقق عند ما يمنحها الله الوجود فتكون هذه الجواهر فقط هي البرهان على الأشياء التي منحها الوجود .
والأعراض لا تصدر من الله بل من الجواهر عند وجودها - يريد هشام أدلة على الله يعرف وجودها باضطرار والأعراض يعرف وجودها باستدلال ونظر ؛ لذلك رأي أن الأدلة القاطعة هي الأجسام ، أعني الجواهر من حيث إن الأعراض تابعة للأجسام والأجسام تابعة للوجود ، ومنح لها وجودها من علة خارجة عنها . ذلك قال : ليس في العالم لون ولا طعم ولا رائحة ولا حر ولا برد ولا يبس ولا بلة ولا تأليف ولا افتراق يدل على الله ؛ وذلك أن هيئات الأجسام كلها لا تدل على خالقها ) ٣ ( . إن قول هشام هذا نتيجة منطقية لقول المعتزلة بالعدم وبالوجود ) ١ ( . وابن حزم يزيد
هذا القول توكيدا عند ما يذكر معمرا ويقول إنه كان يزعم أن الله لم يخلق لونا ولا مساحة ولا طعما ولا رائحة ولا جمالا ولا قيحا ولا شيئا املس ولا خشنا ولا قوة ولا ضعفا ولا حياة ولا موتا ولا مرضا ولا صحة ولا بصرا ولا سمعا ولا فساد النبات ولا صحته ، لأن كل هذا ) إنما تفعله الأجسام طباعا . وينتهي معمر إلى أن الله لم يخلق سوي الجواهر ) ١ (
فيكون برهان المعتزلة الأول هذا برهانا أساسه نظريات فلسفية تتعلق بماهية الكون وبتركيبه من جواهر وأعراض وبمروره من حالة العدم إلي حالة الوجود . فقط هذا المرور وهو الحركة الأولى للكون - يتطلب عاملا خارجا عن العالم وتميزا عنه . أما الحركات الأخرى وكل ما يتعلق بالجواهر من أعراض فالمعتزلة تقول بأنه عمل طبيعى للجواهر ولا يمكن أن يكون برهانا حاسما على وجود الله . الملك لجأوا إلى الأجسام في إثباتهم لوجوده تعالى ) ٢ ( .
البرهان بالعله الغائبة:
إذا كان البرهان الأول يخوم على نظرية للمعتزلة جديدة في الفكر الإسلامي ، ألا وهي فكرة المعدوم الذي يسبق الوجود ، فالبرهان الثاني يقوم على العالم المتحقق في الوجود . وأول ما يلفت نظر العاقل عندما يتأمل في الكون هو هذا النظام السائد فيه . والنظام لا تحصل اتفاقا . والأفعال المحكمة - على حد قول المعتزلة - دالة على علم مخترعها اذ الاتفاق والإحكام من آثار العلم لا محالة ، وإذا كان الفعل صادرا من فاعل متقن فيجب أن يكون من آثار علم ذلك الفاعل ) ٣ ( . والعقل بدرك هذا النظام عندما يشاهد الصلات الطبيعية المحكمة بين الأعراض وجواهرها ويقس حينئذ أن لها مديرا
دبرها ) ١ ( . وهكذا ترتفع المعتزلة من الأشياء المحسوسة التي تخفى فى ثناياها أحكم نظام يتصوره العقل المجرد من كل مصلحة شخصية ، وتثبت وجود عقل غاية في الكمال رتب ونظم هذا الكون .
فيكون هذا البرهان متتمما للبرهان الأول ، لأن الله واهب الوجود ، والوجود محقق للجواهر ولكل ما يتعلق بها من أعراض . ولما كان الوجود كمالا . وهذا الكمال يدركه العقل لما يفكر في المحسوسات أعني الأعراض ؛ والعقل يصل حتما بعد هذا التفكير إلي القول بمدير متعال
غاية في الكمال . فالعقل كاف في مذهب العتزلة للوصول إلى معرفة الله ؛ لذلك يقولون إن كل من أهمل هذه المعرفة وقد اكتمل عقله فهو كافر ومحاسب على إهماله هذا ؟ وبما أن العقل مشترك بين الجميع فعلى كل عاقل أن يدرك هذه الحقيقة الأولى وذلك قبل أي تنزيل .
وإثبات الله بالعقل يترتب عليه أيضا إثبات الشريعة عقلا ؛ وهذا ما تقوله المعتزلة وتبنى عليه كل المسألة الأخلاقية ، وهذا الأصل من أهم الأصول التي يتمسكون بها وهو أكبر ركن لفلسفتهم .
بغداد - كلية الآداب (
