الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 318الرجوع إلى "الثقافة"

من القاهرة إلى المعرة

Share

يا أبا العلاء : رمتني إرادة الحياة إلى دنيا كدنياك ، فتكشف ضبابها لبصيرتي من واقع أخمد في قلبي مشاعر المحبة وأطفأ من ضميري مشاعل الإيمان . ثم سايرت موكب الزمن: جسد جذبته الأرض وروح قد وسع الأرض والسماء ، وأطعمت نفسي من ثمار الخطيئة حتى ورمت وأحرقتها في لهب الصلاة حتى تلاشت ، ذلك وما ألهمني خطيئتي وصلاتي أكثر من أني حي وسوف أموت.

شيخ المرة يا من ذاق آلامي    أيامك السود كانت مثل أيامي

شكوت ما كنت تشكوه وفزعني    ما أثقل الأرض من رجس وآثام

وعشت في سجنك المشئوم واختنقت   في ظلمة السجن أحزاني وأحلامي

ومزقتني ظنون طالما اصطرعت      في قلبك السمح أوهاما بأوهام

كفرت ما كنت أرجسوه فلا صنم      إلا ودنسه وحيي وإلهامي

وأيقظنني خطوبي، لم أجد أملا     إلا رأيت جناه تحت أقدامي

طويت أهواءها قبل الأوان فلم    أسكن لظل ولم أطرب لأنغام

مواردي كدر والنفس ظامئة      تطوف بالماء في شوق وإحجام

نقضت كفي من يأس ومن أمل     وارتد قلبي لا راو ولا ظامي

هول التجارب ألقى الرعب في جسدي     فبتُّ أفزع من فأر وضرغام

أيامك السمود كانت مثل أباي

ما أثفل الأرض من رجس وأثام

في ظلمة السجن أحزاني وأحلاي

في قلبك السمح أوهاما بأوهام

إلا وددسه وحسي وإهاي

إلا رأيت جناء تحت أفسداعي

أسكن لظل ولم أطرب لأنغام

تطوف بالاء في شوق وإحجام

وارتد قلبي لا راو ولا ظاي

بت أفزع من فأر وضرغام

شيخ المرة ولى سحر أهوائي         وطال عن سوأة الأيام إفضائي

بنو الأوان مسوخ لا كيان لهم        مرضى القلوب خطيئات لآباء

موتى المشاعر إلا يوم تافهة           عمي البصائر إلا نحو أقذاء

هدت كياني بلواهم وحبرتي           داء التفاهة في موتى وأحياء

كأن ترثرة الأفواء في أذني            رشاش سم على قلبي وأحشائي

بقي سمعي أشهى ما يقوم به          خيارهم يوم سراء وضراء

هم كالذباب ، فلا خير بأنفسهم      لأصدقاء ، ولا شر لأعداء

كل سواء ، فلا بر بقي له            قلبي ولا فاجر أصليه بقضائي

أقمت فيهم سجين الروح منفردا      أزجى الحديث لهم ضنا بإصغائي

وأين أذهب ؟ لا ساقي بناهضة        يوم الرحيل ولا حظي بعداء

شيخ المرة يوم عز أوتاري          وفجرت كأسه قلبي وأشعاري

أثار عيدك في نفسي مواجعها       ورج طالعه المحزون مضماري

وجئت ذكراك محموم النهي ثملا     جم البلابل ، آصالي كأسحاري

خواطري هلوي بين موصدة         وقودها من أعاجيبي وأسراري

في مهجتي عصفة من كل تجربة       تغلي بواطنها بالمهل والنار

وفي الجوامح أهوال وفي كبدي

وفي الأضالع خفاق أخو محن

أبث روحك هما أنت تعرفني

وأسكب الدمع في مغناك مختنقا

وألفظ القول مخدورا تبليله

رواسب الدهي من سيل وإعصار

لا يطمئن إلى أهل ولا دار

وأنثر النفس آهات بقيثاري

وأنزح الشجو من داء بأغواري

مرارة في من خير أثماري

شيخ المرة هاج العيد أوصابي

وذكرتني تباريح الشجى مابي

وطال عتبي على الأيام أسألها

وعدا كريما فما جاءت بإعتاب

أكابد الناس والأرزاء في زمن

كأنني منه بين الظفر والناب

قلبت دهري في نور وفي ظلم

وذقت كأسيه من شهد ومن صاب

الصاب قطع أحشائي وأسقمني

والشهد لطح بالأدران أثوابي

وفادح أن أقيم الفجر مبتهلا

فألمح الكفر في أستار محرابي

وأن أمد إلى تغريدة أذني

فأسمع اليوم ينعى خير أحبابي

هي الليالي أداريها فتنفحني

بكل خطب كربه الهم جذاب

شر البلاء خطوب هل وافدها

فقمت أفتح عن كره لها بابي

طوبى لدنياي . ما قدمت من عمل

إلا وجن لدي الميزان أربابي

شيخ المرة أدمى السهد أجفاني

وأسقمت وخزات الشك إيماني

أين المقام . فريح الليل عاصفة

وخطفة البرق أعشت نور وجداني

وفي المضاجع أشواك وبي ورم

من انطوائي على جرحي وكتماني

خلف الضباب أعاجيب تربص لي

يوم الصفاء سألقاها وتلقاني

من ظامئات وراء الأفق لاهئة

وجائعات من الأعوال والجان

يا ربها أنا وحدي في مواطنها

والرعب أزهق أنفاسي وأضوائي

لم يبق في مهجتي زاد لجائعة

ولم يعد في دعي ري لظمآن

مال الزمان على نفسي وغيرني

ضعف النصير وستري وجه خذلاني

وأسكر البين آلامي ودوخني

عطف الأفاعي على يأسي وأحزاني

أيام ربحي - لا كانت ولا رجعت -

أدهى وأفجع من أيام خسراني

شيخ المرة أبلى الدهر أجوائي

وأطفا الشمس من آفاق صحرائي

طويتها دائر العينين منتقضا

أبدي الأنين وأخني موطن الداء

وأبسط النفس للمجهول منتظرا

شدائد الغيب في صبحي وإمسائي

وأشتهي نزلة المكروه إن ومضت

بروقه ، وتهادى فوق أرجائي

وأستحي أن ترى الأقدار بي ظمأ

لجودها ، أو تراني خلف أهوائي

نذوب إن مس ضوء الشمس خلتنا

ونرتوي بالصدى كبرا على الماء

تجنى ثمار الدواهي قبل موسمها

ونبريء النفس من داء بأدواء

نقيل في غير ظل يوم عثرتنا

ونهضم السوء في ضر وظلماء

وكم جئنا وكم هامت مشاعرنا

بعانس من بنات الدهر شوهاء

وكم عفونا وكم سدت منافسنا

ضراء تخطسر في أثواب سراء

شيخ المرة هل مستك أهوالى

وهل طويت زمانا تحت أثقالي

هجرت دنياك لم تشهد مباذلها

ولم تعرج على صحب ولا آل

ولم تساير مودات على ريب

ولم تصانع أذى عم ولا خال

ولا الوجوه إذا اهتزت ملامحها

بغمرة السوء من بال إلى بال

ولا العيون إذا رمت بخائنة

ولا تميع مأول ومختال

ولا حبائل مطموس على جدث

به رميم الخطايا منذ أجيال

ولم تصعد أمانيا إلى شجر

مد الظلال علي طين وأوحال

ولم تضاحك غراب البين تحسبه

غريد سانحة من يوم إقبال

ولم تذق خسة الدنيا إذا مزجت

كأس المقل بأشواق وآمال

ولم تكابد رزاياها إذا جلبت

شؤم العشار على ضيم وإقلال

شيخ المعرة عيد مثل أعيادي

وساعة ذكرتني يوم ميلادي

يوم كيومك لم تصدق بشائره

ولم يدر كوكب فيه بإسعاد

نزلت دنياك ضيفا يرتجي كرما

فعشت فيها سجينا بين أصفاد

تمجد الخير في قوم أولى سفه

صفر المشاعر من غل وأحقاد

وتحسب الحق في رأي فتشرعه

بفارع من غصون القول مياد

وروحك الطلق رفاف يطالعه

وجه الزمان بأشباه وأضداد

وقلبك العف مأخوذ بحكمته

ينعى الحياة لأبناء وأحفاد

الشمس في الأفق شيء لست تعرفه

إلا ظنونا وإلا قول أشهاد

ويمنح الأرقم المسموم نورهما

لينقل الشر من واد إلى واد

خطب جليل يصب الغيظ في كبدي

وشرعة مالها في الأرض من هاد

(كلية الآداب)

اشترك في نشرتنا البريدية