سألني صديق انجليزي منذ حين : هل تصف لي حركة الثقافة اليوم في مصر والشرق العربي وصفا موجزاً يمكن وضعه في " قشر بندقة " - كما يقولون - ؟ فأجبته : إنها تأليف وترجمة ونشر ؛ وهي شديدة الشبه جدا بحركة النهضة الأوربية في القرنين السادس عشر والسابع عشر ، حين كانت انجلترا - مثلاً - تنشر تراث اليونان والرومان الأقدمين ، وتترجم عن الأدب الفرنسي وغيره من دول أوربا ، ثم تخرج بعد ذلك نتاجا جديداً من خلق رجالها .
على أن هذه الأضلاع الثلاثة ليست متساوية الطول ؛ فأكثر الحركة عندنا ترجمة وأقلها تأليف ، وأما نشر التراث القديم فقد كان فاترا مضطربآ ، ثم أخذ في الأعوام الأخيرة يشتد ويستقيم .
قلت إن هذا المثلث الثقافي ليس متساوي الأضلاع ، ولا ينبغي له أن يكون ، لأن حاجتنا قد تضعف هنا وتشتد هناك ؛ كلا ولا هي تظهر في أدبائنا ومؤلفينا كلها معاً جنباً إلى جنب ؛ فقد نجد الكاتب الذي يترجم ويؤلف ثم لا ينشر قديماً ، وقد تجد الأديب الذي يؤلف ولا يترجم ، أو الأديب الذي ينشر دون أن يأخذ بنصيب من ترجمة أو تأليف بل قد تجد صاحب القلم الذي وهب نفسه وقلمه للترجمة وحدها - وكلهم صاحب فضل ، وكلهم مشكور على فضله .
وهذه الأضلاع الثلاثة لايدوم الواحد منها على طول واحد مع تتابع السنين وتطور الفكر ، فهي كلها تطول وتضخم ، لكن النسبة بين أطوالها تختلف على مر الزمن ،
فليس من ريب في أن نسبة التأليف إلى غيره من أوجه النشاط الفكري . آخذة في الزيادة التي يستحيل معها التشاؤم .
ولا أحسبه غرورا منا أن نقول إن هذه اللجنة المباركة بجهود رجالها - لجنة التأليف والترجمة والنشر - قد كانت من أقوي العوامل في دفع الحركة الثقافية في مصر والشرق العربي إلى أمام ، دفعا اطردت خطاه اطراداً ثابتاً تقدم دائماً ولم يتأخر ابداً .
وهذه هي " الثقافة " صحيفتها وإحدي أدواتها بين يدي القارئ . . فإذا سأل سائل : ما رسالتكم ؟ أجبناه : هي رسالة اللجنة نفسها - تأليف وترجمة ونشر .
ولما كانت الصحيفة الأدبية الحية لابد أن تكون معياراً حساساً لمحيطها الثقافي ، كان لزاماً على " الثقافة " أن تغير من أطوال الأضلاع الثلاثة بحيث تتناسب أطوالها دائماً مع الحركة الفكرية وحاجة القراء ؛ فلئن كانت النتف القصيرة والمجالات غذاء كافيا للقارئ الناشئ ، فهي لا تشبع من نما وتطورت مداركه .
لهذا تزمع " الثقافة " أن تبدأ مع قرائها عهدا جديدا ، يكون قوامه البحوث المستفيضة التي تستكمل توضيح الفكرة وتستوفي جوانب الموضوع ؛ وإذا أغضب هذا قارئا متراخياً كان يريد التسلية الرخيصة السهلة الميسرة ، فنحن نودع هذا القارئ لنكسب قارئا آخر يريد لنفسه الغذاء العقلي السليم .

