الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 317الرجوع إلى "الثقافة"

من المستدرك على المعاجم :، المصلى

Share

تمهيد

يسبب المطالع فى الكتب القديمة طائفة كبيرة من الألفاظ العربية والدخيلة مما لا أثر له فى الأسفار اللغوية ، ولولا أن كتب البلدان والتاريخ والأدب تناقلتها فى مطلوبها لسكان أمرها نسيا منسيا .

ومن بين هذه المستدركات لفظة " المصلى " وهى ههنا قطعة صغيرة الحجم لا يزيد طولها عادة عن مترين ولا عرضها عن متر واحد ، تتخذ من قماش أو فرش أو حصير ، يصلى عليها ، ويطلق عليها أحيانا اسم " سجادة " وهى الخمرة المسجود عليها . ويمكن للمصلى أن يحمل معه مصلاء أينما شاء . وجاء المصلى أيضا بمعنى موضع الصلاة ، وأمره معروف مشتهر لاغرض لنا منه هنا .

وكنت أثناء مطالعاتى ، وقفت على غير خير فى ذكر المصلي بمعنى السجادة ونحوها ، وها أنذا أذكرها بحسب قدم رواتها :

فقد قال الطبرى ( المتوفي سنة ٣١٠ للهجرة ) فى عرض كلامه على رأس الخليفة الأمين حين قطف فى سنة ١٩٨ هـ : " .... وأقبل طاهر

( بن الحسين ) يقول : رأس المخلوع محمد ، . . قال : وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب  والمصلى ، وهو من سعف مبطن ..."

وجاء ذكر المصلى فى قصة طريفة أوردها ابراهيم بن محمد البيهقى ( الذى نبع فى خلافة المقتدر بالله ) فى عرض كلامه على محاسن النظر فى المظالم ، قال : " . . ثم دعا الرجل المتظلم فقال له يحي ( بن أكثم ) : ما تقول ؟ قال : أقول أن تدعو بخصمى أمير المؤمنين ، فنادى المنادى ، فإذا المأمون قد خرج فى رداء وقميص وسراويل قد ارسلها على عقبيه فى نعل رقيق ومعه غلام يحمل مصلى حتى وقف على يحيى وهو جالس ، فقال له : اجلس ، فطرح المصلى ليقعد عليه ، فقال له يحيى : يا أمير المؤمنين لا تأخذ على خصمك شرف المجلس ، فطرح له مصلى آخر فجلس عليه ، وقال له يحيى : ما تقول . . "

وروى محمد بن عبدوس الجهشيارى ( المتوفي سنة ٣٣١ هـ  ) قصة جرت بين جعفر البرمكى وبين الأصمعى ، وفيها ذكر للعصلى قال : " . . فقال له جعفر : وبلك ! قد وصلنا هذا

بخمسمائة ألف درهم ، ولم أدخل له بيتا قبل هذه الدفعة ، ورأيت حسبه مكسورا وعليه ترنكان منجرد وتحته مصلى وسخ . . "

وقال فى موطن آخر يذكر المصلى : " . . نقل الفضل بن يحيي ( البرمكى ) من محبسه إلي محبس ، فأصاب فى ثنى مصلاء رقعة فيها . ."

ومن طريف ما ذكره المسعودى ( المتوفي سنة ٣٤٦ هـ ) بشأن المصلى ماجاء فى أخبار المنتصر بالله الخليفة العباسى . قال : " كان الموضع الذى قتل فيه المتوكل هو الموضع الذى قتل فيه شيرويه أباء كسرى ابروبز ، وكان الموضع يعرف بالماحوزة ، وكان مقام المنتصر بعد أبيه فى الماحوزة سبعة أيام ثم انتقل عنه وأمر بتخريب ذلك الموضع . وحكى عن أبى العباس محمد بن سهل قال : كنت أكتب لعتاب بن عتاب على ديوان جيش الشاكرية فى خلافة المنتصر ، فدخلت إلى بعض الأروقة فإذا هو مفروش ببساط سوسنجرد ومسند ومصلى ووسائد بالحمرة والزرقة ، وحول البساط دارات فيها أشخاص ناس وكتابة بالفارسية ، وكنت أحسن القراءة بالفارسية ، وإذا عن يمين المصلى صورة ملك وعلى رأسه تاج كأنه ينطق ، فقرأت الكتابة فإذا هي صورة شبرويه القائل لأبيه ابرويز الملك ، ملك ستة أشهر ، ثم رأيت صور ملوك شتى ، ثم انتهى بى النظر إلى

صورة عن بسار المصلى عليها مكتوب ( صورة يزيد بن الوليد بن عبد الملك قاتل ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك ملك ستة أشهر ) ، فعجبت من ذلك واتفاقه عن يمين مقعد المنتصر وعن شماله ..."

وورد ذكر المصليات فى أخبار القضاة . فمن غريب ماحكى فى هذا الشأن أن إبراهيم بن الجراح ولى قضاء مصر فى سنة ٢٠٥ للهجرة ، فكانت حاله فى أول الأمر حسنة ، ولم يكن بالقاضى المذموم ؛ حتى قدم عليه ابنه من العراق فتغيرت حاله وفسدت أحكامه وأخذ الرشا من الناس . قال أبو عمر الكندى ( المتوفى سنة ٣٥٠ هـ ) " حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنى ابن قديد ، قال : حدثنا يحيى بن عثمان قال : ولى السرئ ( بن الحكم ) إبراهيم ابن الجراح ، فأمر بمصلاء فوضع فى المسجد الجامع ، واجتمع المصريون فألقوه فى الطريق . فما تكلم فيه السرى بشيء ، وجلس إبراهيم بن الجراح للحكم فى منزله ، فلم يعد إلى المسجد الجامع حتى صرف "

أما البلدانيون فقد أكثروا من ذكرهم للمصليات فى معرض كلامهم على ارتفاع المدن الإسلامية ، فهذا البشارى ( الذى نبغ فى سنة ٣٧٥ هـ ) ذكر لنا ما يرتفع من غير بلد إسلامى قال : " ... ويرتفع من قوهستان ( فى

اقليم جانب خراسان ( : ثياب تشابه النيسايورية بيض ، وبسط ومصليات حسنة ..." " .. ويرتفع من بخارا : الثياب الرخوة والمصليات والبسط وثياب الفرش " " . . ومن رتشجن : أزر الشتاء من اللبود الحمر ومصليات . . ".. ومن الشاش سروج الكيمخت الرفيعة والجعاب والأجنبية وجلود نجاب من الترك وتديغ ، والأزر والصليات والبنيقات . ."

وهذه الأخبار وأمثالها يصبها المرء عند ابن حوقل وابن الفقيه الحمدانى واليعقوبى والاصطخرى وياقوت الحموى وغيرهم ممن عنى بأمور البلدان

وذكر القاضى المحسن التنوخى ( المتوفي سنة ٣٨٤ هـ ) رواية جاء فيها : " . ثم رفع ( عمر بن فرج الرخجى ) مصلاء ، وأخرج الكتب بولاية فلسطين وأمرنى بكتمان أمرى . "

وحكى فى رواية أخرى قال فيها : " . . وصرت إلى المأمون يوم الموكب فأدخلت فسلمت ، فأوقفت مع القضاة ، وأخرج إلى عهدا من تحت مصلاه وسلمه إلى وقال . ."

ومن شعراء المائة الثالثة للهجرة أبو الهيثم خالد بن يزيد الكاتب ، أشتهر برقة الشعر وعذوبته ، ذكر له الشابشتى ( المتوفى سنة ٣٨٨ هـ ) قصة

طريقة فيها ذكر للمصلى قال : " قال جحظة : حدثنى خالد الكاتب ، قال : لم أشعر إلا ورسول إبراهيم بن المهدى قد وافانى . فدخلت إليه ، فإذا برجل اسود مشقرانى قد غاص فى الفرش فاستجلس فقال : انشد شيئا من شعرك . فأنشدته ؛

رأت منه عينى منظرين كما رأت

من البدر والشمس المضبيئة بالأرض

عشية حياتى يورد كأنه

خدود أضيفت بعضهن إلى بعض

وناولنى كأسا كأن رضابها

دموعي لما صد عن مقلتى غمضى

وولى ، وفعل السكر فى حركاته

من الراح فعل الربح بالغصن الغض

فزحف حتى صار فى ثانى المصلى ، ثم قال : يا بنى ، شبه الناس الحدود بالورد ، وشبهت أنت الورد بالحدود ، زدنى ، فأنشدته :

عاتبت نفسى فى هوا

ك فلم أجدها تقبل

وأجبت داعيها إليه

ــك ولم أطع من يعدل

لا والذى جعل الوجو

د لحسن وجهك تمثل

لا قلت إن الصبر عند

ــك من التصابى أجمل

فزحف حتى صار خارج المصلى ، ثم قال : زدنى ، فأنشدته :

عش فحبيك سريعا قاتلى

والضنا إن لم تصلنى واصلى

ظفر الحب بقلب دنف

بك والسقم بجسم ناحل

وبكى العاذل لى من رحمتى

فبكائى لبكاء العاذل

فصاح ، وقال : يا بليق ، كم لى معك من العين ؟ قال ستمائة وخمسون دينارا . قال : اقسمها بينى وبينه ، واجعل الكسر كاملا للغلام .

وذكر الشابشتى المصلى فى رواية أخرى ، قال : " . . واتصل الخير بطاهر فكتب إلى ميدان بمعدله ويؤنيه ويقول : لو ورد الخير بوفاتك كان أسهل على من وروده بفضيحتك ، وأن يبلغ بك النبيذ مبلغا لا يحس معه باحتراق موضع انت فيه ، وبأمره بالتجهز والخروج إليه . فأفلق عبد الله ذلك وكتمه جميع الناس ، وختم الكتاب وجعله تحت مصلاء وتبين الهم عليه ، فسأله المأمون عن خبره ..."

وفى موطن آخر من " الديارات " روى قصة طويلة جرت بين ابن أبى الأصبع وبين يحيى بن زياد ، ذكر فيها المصلى بقوله : " . . فلما فرغ أعطاه أربعين دينارا كانت تحت مصلاه فأخذها . . "

وحكي مسكوبه ( المتوفي سنة ٤٢١ هـ ) فى جملة أحداث سنة ٢٩٧ هـ أن " فيها أدخل طاهر ويعقوب

ابنا محمد بن عمر بن الليث بغداد أسيرين ، وهما بين يدى أبى الفضل عبد الرحمن وابن جعفر الشيرازى كاتب سيكرى المتقلد فارس . . وركب عبد الرحمن فى الخلع وأنزل فى دار مربعة الخيرسى ..."

ومربعة الخرسى هذه تنسب إلى " صالح الخرسى وهو من أولاد ملوك خراسان من أهل باخ ، وكان يسعى ( صاحب المصلى ) لأن المنصور كان وهبه حصيرا للصلاة أخذ من خزائن عبد الله بن على ، بشرط أن يحمله فى الأعياد حتى يصلى عليه "

وقد تلقب غير واحد بالتعب ( صاحب المصلى ) ، منهم عد بن جعفر ، ترجمه ابن الجوزى فى وفيات سنة ٣٧٤ هـ ، بقوله : " محمد بن جعفر بن الحسن بن سليمان بن على بن صالح صاحب المصلى ، يكنى أبا الفرج ، حدث عن الهيثم بن خلف الدورى والباقندى وخلق كثير ...."

ومما ذكره ابن الساعى ( المتوفى  سنة ٦٧٤ هـ فى أجبار سنة ٦٠٢ هـ ، قوله فدخلوا على شهاب الدين ، وهو فى الحركاء فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة ، فدخل عليه أصحابه فوجدوه على مصلاه قتيلا وهو ساجد " .

( بغداد )

اشترك في نشرتنا البريدية