إن كان للحرب أضرار - وهي كثيرة بغير شك - فإنها لا تخلو من منافع للأمم والأفراد على السواء ؛ فهي تدفع الناس إلي مقابلة معاني الحياة الحقيقية مكشوفة ، وهي تظهر الانسان في مظهره الطبيعي الذي لا تحجبه اغطية العرف والمجاملة ، وهي تحفز الناس إلي بذل جهود كثيرة ما كان السلم يتيحها لهم ، وهي تحتم على الطبقات المختلفة تضحيات كثيرة ، فالغني ينزل إلي الميدان كالفقير والتاجر يضطر إلى توجيه تجارته حيث تقضي مصلحة الأمة ، والشركات الغنية تبذل كل ثرائها في سبيل الانتاج ، ولا تفوز من الربح الزائد إلا في حدود ضئيلة ، وهي وهي وهي ، إلي آخر ما يعرفه الناس جميعا مما يتردد صداء في الصحف كل يوم .
ومن هذه الفوائد التي تعود على بلاد مثل بلادنا ، أن الحرب فرصة عظيمة لتشجيع الانتاج الصناعي ، لانها تقوم بمثابة حماية طبيعية للمصنوعات الداخلية ، وتمهد لها السبيل لكي تنشأ وتنمو وتقوي ، بغير أن تتعرض للمنافسة الأجنبية القاتلة التي تتعرض لها في أيام السلم .
وقد سبق لمصر أن استفادت فائدة تذكر في نمو صناعاتها في الحرب الكبري الماضية ، فلما انتهت الحرب بقيت الصناعات التي تمت في أثنائها ، واستطاعت أن تكون نواة طيبة لنهضة مباركة ، ولو أنها كانت نهضة محدودة في نوعها وفي قوتها .
ولما بدأت هذه الحرب كان من الطبيعي أن تبدأ نهضة صناعية جديدة ، وأخذ كثير من اصحاب الأموال في الاتجاه إلى ذلك الميدان المفيد ، وأدى هذا إلي فوائد
لا يسع الانسان إلا أن يحمد عليها الحرب ، وإن كانت حاجة البلاد لا تزال تتطلب المزيد والاكثار وبذل الهمة.
ولكن الدولة سارت إلي الآن على خطة ترك الأمور لجهود الأفراد والجماعات ، تقبل على الصناعة إذا شاءت, وتختار من أنواع الصناعة ما تراه اقرب إلي تحقيق الربح أو أسهل في التناول وأهون في الكلفة المالية والفنية . وفي هذا يظهر اثر المبدأ العام الذي تسير عليه مصر في كل حياتها - ذلك المبدأ الذي قد يكون سليما في حالة السلام العادية ، ولكنه لا يلائم الحالة التي تنشأ في أيام الحروب ، نعنى به مبدأ " اترك كلا يعمل كما يشاء " .
هذا المبدأ له ما يبرره في أحوال السلام ، وإن كان كثير من البلاد الأخرى لا يسلم به ، وهو على كل حال مبدأ إنساني تختاره البلاد المؤمنة بالديمقراطية وبالتعاون بين الأمم ، فتترك الجهود الاقتصادية تسير على القواعد الاقتصادية الحرة بغير تدخل من الحكومات
ولكن أحوال الحرب لا تسمح بأن يترك كل شئ يجري في مجراه الذي يختاره الأفراد والجماعات ، وقد دلت التجربة في كل الدول على أن الضرورة تقضي في أوقات الحروب أن تتدخل الحكومات في تنظيم كل شئ ، لأن وقت الحروب أضيق من أن يسمح للقوانين الاقتصادية أن تحدث التعادل المطلوب ، ولأن زحمة الحركات الحربية ، والخطر الذي ينجم عن الاضطراب فيها ، لا يتركان للحكومات بداً من أن تتدخل وتنظم كل شئ .
فالحكومات تنظم الاستهلاك تنظيما دقيقا ، وتقيم تنظيمها للاستهلاك على إحصاء محكم وحصر لا يتسرب إليه الخطأ ، وهي في الوقت عينه تعمل على تنظيم الانتاج حتى لا يبذل مجهود في ناحية لا يحتاج إليها المجتمع ، وتترك ناحية أخري محتاجة إليه
فإذا نحن رجعنا إلي النهضة الصناعية الطبيعية التي أحدثتها حالة الحرب في مصر ، وجدنا أنها بدأت حرة ولا تزال تسير حرة ، فنشطت في بعض النواحي ، ولكنها قصرت في نواح أخري ، فمثلا قد استطاع الانتاج الصناعي أن يوفر الكبريت ، فلم نحس في هذه الحرب بالأزمة التى شعرنا بها في الحرب الماضية ، واستطاع ذلك الانتاج الصناعي أن يبذل مجهودا كبيرا في إعداد أواني الزجاج ، فلم تحس بالشدة العظمي التي كنا نعانيها في تلك السلعة في الحرب الماضية . وكذلك قد أفادت صناعة الغزل والنسيج في تخفيف الشدة التي كان من الطبيعي أن يعانيها الشعب ، ولا سيما الفقراء ، في أمر ملبسهم الضروري
كل هذه فوائد نحمدها للصناعة ، ولكن الدولة كانت تستطيع أن تساعد كثيرا في توجيه الجهود الصناعية ، وتشارك أصحاب الأعمال في تنظيم الانتاج ، بحيث تستفيد البلاد أكبر فائدة من الطاقة الصناعية في مصر ، فهناك أشياء كثيرة قد صارت نادرة أو غير موجودة ، ولا يستطيع الناس أن يستغنوا عنها ، مع أنه من الممكن توفيرها مع التنظيم والتعاون بين الحكومة وأصحاب المصانع ، ونضرب لذلك بعض أمثلة : يشعر الناس بضيق شديد لقلة وجود آلات صغيرة لا غني عنها مثل ) عدة ( مواقد البترول والأواني الخزفية وألواح الزجاج ، وأمثال هذه السلع الصغيرة التي لا تنقطع الحاجة إليها . وتوجد في البلاد مدارس صناعية كثيرة ، كما توجد مصانع كثيرة لسبك المعادن وصناعتها ، أفما كان من المتيسر أن تشترك الحكومة وأصحاب هذه المصانع ، أو الهيئات الحكومية التي تتبعها هذه المدارس الصناعية ، حتى يمكن انتاج هذه الأدوات التي اشتدت الحاجة إليها ؟ لقد بلغ ثمن القطعة من ) عدة ( موقد البترول أكثر من عشرة أضعاف ثمنها قبل الحرب ، ولا يزال ثمنها يزداد يوما بعد يوم ، وكان من اليسير أن تصنع بغير شك ، فإنها بسيطة لا يصعب
على الفنيين أن يعرفوا طريق صناعتها . فلسنا نستطيع أن نتصور أن كل الفنيين من أهل الصناعة في مصر يعجزون عن التماس وسيلة لانتاج مثل هذه الآلة الصغيرة . وهناك مصنع أو مصانع للزجاج في مصر ، ومع ذلك فقد امتنع من الأسواق وجود الواح الزجاج ، وغلا ثمنها غلاء شديدا حتى كاد يصبح مانعا من الشراء ، مع أن شيئا من توجيه الدولة ومساعدتها كان يؤدي إلى دفع المصانع المصرية لسد هذا النقص ، وقد يقال مثل هذا عن أواني الخزف وعن عشرات من الأدوات المنزلية الضرورية في الحياة اليومية . وإنه ليطول بنا الحديث إذا حاولنا الاكثار من ضرب الأمثال ، فحسبنا أن نقول إن أيام هذه الحرب فرصة عظيمة لنمو صناعي دائم قد يعود بالخير الكثير على البلاد بعد الحرب ؛ ونعتقد أن الحكومة تفيد قائدة عظيمة إذا هي وضعت خطة لحصر الأدوات التي يمكن صنعها في مصر ، وأعدت العدة لهذه النهضة ، وتعاونت تعاونا جديا مع الهيئات الصناعية المختلفة لتحقيقها .
إننا نطالب بالتنظيم الشامل في الانتاج الصناعي . كما طالبنا من قبل في هذا الموضع بضرورة تنظيم الاستهلاك ، فان حالة الحرب تقضي بهذا ، ومستقبل مصر الاقتصادي يتوقف كثيرا على مثل هذا التنظيم .
وقد ترددت في بعض الصحف احاديث تنم عن ان رجال الدولة يحاذرون من ان يفهم الناس ان تنظيم الاستهلاك قد يتخذ دليلا على تحرج الأحوال ، وأنهم لذلك يتريثون فيه لكيلا يسود الذعر بين الناس. ولكنا نستطيع أن نؤكد أن الناس جميعا يتوقون إلي ذلك التنظيم الدقيق ، وانهم يرحبون به ! فان المصريين يعلمون علم اليقين مقدار الخدمات الجليلة التى اداها التنظيم في البلاد الأخرى ، سواء أكان ذلك في ميدان الاستهلاك أم في ميدان الانتاج
