الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 186الرجوع إلى "الثقافة"

من النافذة :، إلى الصناعات الريفية !

Share

من العلامات التي تبعث الأمل القوي في النفس ، أن الاهتمام بالناحية الاجتماعية قد صار عاماً ، فلا يخلو يوم من صيحة بالاصلاح من ناحية أو من أخرى ؛ سمعنا في الأسبوع المنصرم صيحة من لجنة المالية بمجلس النواب . وأخري من لجنة مجلس الشيوخ ؛ ولا تزال الصحف تطلع كل يوم بالمباحث المختلفة التي تعالج هذا الموضوع الحيوي من وجهات النظر المتعددة .

ولم يقتصر الأمر على الصحف العربية ، بل شاركتها الصحف الأوربية المحلية ، فكتبت جريدة الأجبشيان غازت سلسلة مقالات عن الاصلاح الاجتماعي ، وخصت ببحثها مدينة الإسكندرية ، ولكنها في بحثها تناولت المبادئ العامة التي يمكن أن تنطبق على حال البلاد كلها . وهو

بحث قيم ، يسرنا كل السرور أنه يوافق وجهة النظر المصرية كل الموافقة .

وقد أجمعت الآراء كلها على أن التعطل هو علة العلل ، وكانت نظرة الأجبشيان غازت في هذا الامر نظرة موفقة ، جمعت أساس الداء كله في كلمة ، إذ قالت ما معناه : إن مشكلة انخفاض مستوي الحياة في المدن متصلة كل الاتصال بمشكلة انخفاض مستوي الحياة في الريف ، فعلى من أراد العلاج أن يتجه إلى الريف ، ليعلي مستوي الحياة فيه أولا.

فالآراء إذاً  كلها متفقة على أن الاصلاح لا بد أن يبدأ في القري وفي الريف ، قبل أن يمكن مداواة الأمراض التي يشكو منها المجتمع في المدن الكبرى .

فان الفلاح الذي لا يجد سبيل الحياة ممهدا في قريته ،  يطمع في أن يجد ذلك السبيل الممهد في المدينة ، فيتزاحم المهاجرون من الريف في المدينة ، ويؤدي هذا إلى انحطاط الأجور ، لكثرة الأيدي الطامعة في العمل ؛ وتنشأ من هذا أحياء مزدحمة بـهؤلاء المساكين ، تكون مباءة للأمراض والعلل الجسمية والخلقية والاجتماعية .

وليس ما تقوله الغازيت بالأمر المستغرب ، بل هو ملموس مشاهد بين ظهرانينا كل يوم ، عندما تقع أبصارنا على جماعات من أهل الريف ، من أهل الوجه البحري أو الوجه القبلي ، وقد اجتمع كل ثلاثة منهم أو أربعة على عربة نقل يد يدوية تحمل كل رأس مالهم ، في بضاعة من الشمام أو البطيخ أو الفجل ، وهي بضاعة لا يزيد ثمنها على قروش معدودة .

هذه الجماعات تدخل العجب إلي النفس ، إذ كيف يتصور الانسان أن يربح هؤلاء جميعا من رأس مالهم الضعيف ما يقيم أودهم وأود عيالهم ؟ وهناك الأقوياء من شبان الريف الذين يـجوبون أنحاء المدن الكبرى ، يحملون السلع الصغيرة ، مثل مواسي الحلاقة و (السميط ) والجبن ، مع أنـهم يليقون لعمل آخر أجدي عليهم وعلى المجتمع ، يتناسب مع شبابهم وقوة أبدانهم .

هؤلاء جميعا متعطلون حقيقة ، وإن كانوا يعملون ؛ وكان الأجدر بهم أن يبقوا في ريفهم . وان ينتجوا ويكونوا آسعد حالًا وأكثر اطمئناناً وأسلم عاقبة في أنفسهم وفي مجتمعهم .

ولكن كيف يمكن أن يحمل هؤلاء على البقاء في الريف ، وهم لم يخرجوا منه لشهوة الاقامة في المدن مع ما فيها من مشقة وتكاليف ؟

إن الأمر كله خاضع لنظام طبيعي اقتصادي لا يمكن أن يفيد فيه النصح أو الإجبار . فلا سبيل إلي إبقاء هؤلاء في ريفهم إلا إذا جذبـهم العمل والربح في هذا الريف .

وقد تحدثنا في كلمة سابقة عن العمل ، وأنه هو الدواء الوحيد لمشكلاتنا الاجتماعية ، ولكن ذلك العمل لا يمكن أن يكون الزراعة ، فان الزراعة قائمة تسير في مجراها الطبيعي ، ولم يعتر سيرها اضطراب طارئ ؛ ولكنها بحكم الطبيعة تدعو إلي أن يتعطل الفلاح في مواسم ويعمل في أخري ، وهذا من طبعه ان يقلل ربح الفلاح ، ويحمله على المغامرة بارتياد المدن . فالعمل الذي يداوي هذه الحال هو العمل الصناعي وحده .

يقول قوم : إن بلادنا زراعية ، وليس لها أن تكون صناعية ، لأن وسائل الصناعة لا تتوافر فيها ، فإذا نحن حاولنا إخراج البلاد من الدائرة التي أعدتها لها الطبيعة كان ذلك اعتسافاً غير اقتصادي .

وهذا كلام فيه بعض الحق ، وإن كان هذا ليس الحق كله . نعم لا تستطيع بلادنا اليوم أن تكون صناعية بالمعنى المعروف في الأقطار الصناعية الكبرى ، ولا تطمع في أن تنافسها الآن في منتجاتها . والمستقبل كفيل بأن يظهر استعداد مصر للصناعة بالمعنى الأوسع إذا ما تهيأت لها الوسائل التي تمكنها من ذلك .

ولكن هناك من الصناعات ما لا يتعارض مع طبيعة مصر الزراعية ، بل إن تلك الصناعات التي نقصدها متممة لجهود الزراعة ، وبغيرها تكون الزراعة غير منتجة إنتاجا صحيحاً . فهناك الصناعات الزراعية التي تتوقف على المواد الأولية الناشئة من المحصولات ، وهي تنشأ دائما في كل الأقطار الزراعية ، وتقوم دائما على المواد الاقليمية .

فالبلاد التي تنتج الفاكهة لا بد أن تنشأ فيها إلي جانب الزراعة صناعات حفظ الفواكه وتجفيفها وعمل المربيات وأمثالها .

والبلاد التي تنتج الألبان تنشأ فيها صناعة الجبن والزبد ؛ وصناعة الألبان هي خلاصة الانتاج الزراعي ، ولها الفضل في أنـها انتشلت بلاداً زراعية من وهدة

الافلاس الاقتصادي ورفعتها إلي مقام سام بين الدول المنتجة ، كما حدث في بلاد الدانمرك مثلا .

والبلاد التي تنتج الصوف تنشأ فيها صناعات الأصواف المنزلية ، كعمل السجاد وأمثاله ، والاقمشة الصوفية اليدوية

وهذه الصناعات الزراعية تكون غالبا منزلية او محلية ، أي أنـها كثيراً ما تكون نتيجة لجهود أهل القرى أنفسهم ، بعد أن ينظموا جهودهم متعاونين في الجمعيات التعاونية المختلفة الأنواع . والأمر كله متوقف على شيئين :

(الأول ) تنظيم الجهود بتأليف الجمعيات التعاونية ، والاهتداء إلي طرق الإنتاج الصناعي الذي يناسب البيئة التي تنشأ فيها الصناعات .

(الثاني) توجيه الصناعة إلي خير الوسائل ، بأن تنشئ الحكومة هيئة فنية علمية ، يكون عملها الإشراف على عمل المنشآت الصناعية الصغيرة ، وإدخال كل ما يمكن إدخاله من وسائل التحسين على طرق إنتاجها ومساعدتها بالمال على أن تستحضر ما يلزم لها من الأدوات والآلات ، وعلى الحكومة فوق ذلك أن تعد المعارض التي تعرض فيها منتجات الصناعة ، وتنظم توزيع تلك المنتجات ، وتحميها من المنافسة في أول أمرها ، وغير ذلك مما لا يستطيع أحد أن يقوم به سوي الدولة .

هذه الصناعات هي التي تكفل للفلاح أن يجد العمل الذي يجدي عليه وهو مقيم في ريفه ، وهي التى ترتفع بأجور عامة الفلاحين ، وتمدهم بالعمل في المواسم التي لا تكون فيها الزراعة محتاجة إليهم .

وكثير من هذه الصناعات يسهل على الأفراد أن يجيدوها في منازلهم ، كعمل السجاد ، ونسج الصوف والقطن ، وتربية الحرير ، واستخراج عسل النحل ؛ كما أن كثيرا منها يسهل على الجماعات الصغيرة أن تقوم به . كعمل الألبان والمربيات ، وتجفيف الفاكهة ، وغزل القطن والصوف .

والحقيقة أن أكبر ما يعوق إنفاذ مثل هذه المشروعات سببان : الأول هو قلة رأس المال أو انعدامه والثاني عدم التوجيه الفني السليم ؛ ولكن الدولة تستطيع أن تقوم بواجبها في إزالة هذين العائقين .

ولا ينبغي أن تقف أية تضحية في سبيل مثل هذا الاصلاح ؛ وأملنا معقود بوزارتي التجارة والصناعة ، والشئون الاجتماعية ، إذ أنـهما تستطيعان بذل الكثير من الخير في هذه السبيل .

اشترك في نشرتنا البريدية