لقد عرفنا جميعا عدونا الاكبر وداءنا الأعظم ، عرفنا جميعا انه هو هذا الفقر القتال الذي يفتك بالجسم والعقل والروح ، والذي يمنع كل تقدم ، ويقف في سبيل كل عظمة ، ويحول دون تحقيق الاستقلال المادي والمعنوي للأمة المصرية ؛ فلم يبق إذا إلا أن تمتد الأيدي للحصول على الدواء الشافي ، إذا كان في متناولها ، فإذا لم يكن قد صار بعد في متناول اليد ، كان لا بد من السعي والبحث حتى ظفر به مهما كلفنا من المشقة . فان حياة شعبنا
متوقفة كل التوقف على الظفر به بأي ثمن . وقد بينا في مقال سابق ان سبب الفقر هو أن
الفلاح بطبيعة عمله مضطر إلي البطالة في كثير من أيام السنة .
فعلينا أن ندير شيئا واحدا ، وهو العمل ، وأن ننظم شيئا واحدا ، وهو العمل . فالعمل هو الذي يحمل إلي المصري المال ، وهو الذي يكسو جسمه ، وهو الذي يداوي أمراضه ، وهو الذي يرتفع بعقله وبروحه إلي المستوي الانساني الكريم .
العمل اليوم هو أكبر عوامل الثروة ، وما موارد الطبيعة ذاتها بذات قيمة كبري ، إذا لم يكملها العمل ، ويجعل منها الثروة الحقيقية . وقد اصبح العمل في هذه
العصور أعظم خطرا مما كان في العصور الماضية ، لأن الإنسان في الوقت الحاضر لا يعيش على ما تقدمه الطبيعة مباشرة ، بل يعيش على ما يصنعه هو من موارد الطبيعة
فليس من الضروري إذا أن يكون الإنسان مالكا لمورد طبيعي ، كغابة من شجر الموز ، أو مرعي تغطيه قطعان الماشية ، كما كان الحال في الماضي ، لأن الحياة قد تطورت وتعقدت حاجاتها ؛ وقد يكون الفرد مالكا للموارد الطبيعية ، ولكنه لا يستطيع أن يستخرج خيراتها إلا بالعمل . حتى لقد صار الملك والعامل شريكين في الانتاج ، لا يستقل أحدهما عن الآخر ، ولا يمتاز عليه بنصيبه في محصول الثروة ؛ فإذا كان الفرد لا يملك موردا طبيعيا فليس ذلك عيبا فيه ولا نقصا ، فإنه يملك عمله وهو مورد آخر للثروة لا يقل عن المورد الطبيعي .
وهنا تنهار حجة القائلين بأن أساس الفقر سوء توزيع الثروة ، أو نظام الطبقات ، أو اي سبب اخر من تلك الأسباب التي تساق أحيانا في حماسة وبغير تدقيق . فان فرصة العمل وحدها كفيلة بأن تحقق للفرد كل ما يلزمه في حياة طيبة هانئة . بل إننا نذهب إلي ان العمل هو صاحب القسط الأكبر من الثروة في العصر الحاضر . ولنضرب لذلك مثلا : سيارة من اوسط السيارات . فان فيها من الحديد والمواد الأخرى مالا يزيد على نصف طن ، ونصف الطن من هذه المواد لا يساوي في الأحوال العادية أكثر من بضعة جنيهات ، في حين ان السيارة بعد صنعها تساوي مئات من الجنيهات ؛ فالقيمة الزائدة على ثمن المادة الطبيعية هي قيمة ما بذل في إعداد السيارة من العمل الفني واليدوي ، وهو بغير شك الجزء الاكبر من ثمنها
ومثل هذا يقال في سائر المصنوعات . بل إن المعادن والمواد الأولية نفسها تحتوي في ثمنها على نصيب وافر من
قيمة العمل الذي بذل في استخراجها وفي استنباطها من مادة الأرض .
كل هذه بديهيات تريد أن نخرج منها إلي أن العمل في نفسه ثروة ، واننا إذا وفرناه للشعب المصري أمكنه أن يرفع مستواه وان يبلغ ما ترجوه له من الخير المادي والمعنوي .
وهناك شعوب كثيرة قد أقامت كل حياتها أو جعلت أكثر مواردها من العمل ، لقلة موارد الطبيعة في بلادها ، بل إن الدول العظمي نفسها قد اقامت عظمتها على العمل ، حتى صارت موارد الطبيعة عندها في المحل الثاني بالنسبة لثروتها . فاذا نحن تأدينا بأن العمل هو وسيلتنا الكبري لمداواة ما يشكو منه الشعب المصري ، لم يكن داؤنا هذا مجيبا ، بل هو منبعث من مسألة بديهية .
والعالم اليوم مشغول القلب بهموم المستقبل ، مع ما هو فيه من مشاغل الحرب الطاحنة ، لم يمنعه مجهوده العنيف في النضال الجبار الذي يخوضه من ان يفكر في المستقبل بعد أن تضع الحرب أوزارها .
وقد عرف المفكرون جميعا أن شعوب العالم ستكون في حاجة إلي مداواة جراحها ، وان الدول جميعا ستكون في حاجة إلى التعمير بعد ما اصابها من التدمير ، ولم يجد هؤلاء المفكرون املا لعالمهم هذا في المستقبل إلا بتحقيق فكرة واحدة ، وهي توفير العمل وتوزيعه وتنظيمه والقضاء على البطالة . هكذا ينادي قادتهم كل يوم ، وهذا بما يجتمع ساستتهم للاتفاق عليه عبر المحيطات منذ الآن .
فنحن مثل سائر أمم العالم في أشد الحاجة إلي توفير العمل لشعبنا ، وإلى تنظيمه وتنسيقه ، والقضاء على البطالة قضاء مبرما ، إذا كنا حقيقة نريد ان تكون لنا فرصة في الحياة في العالم المستقبل .
وإنا نحمد الله لأن ساستنا قد أدركوا هذه الحقيقة
مع كل مشاغلهم في عواصف السياسة في هذه الظروف ، إذ قد عبرت لجنة المالية في مجلس نوابنا عن الأمنية القومية أوضح تعبير ، فأعدت برنامجا اصلاحيا اقترحت فيه على الحكومة خطة حكيمة ترمي إلي أهداف ثلاثة :
) الأول ( توفير العمل بفتح أبواب الصناعة
و ) الثاني ( توجيه الجهود إلي البحث عن موارد طبيعية جديدة تفتح أبواب العمل أمام هذه الملايين المزدحمة على الزراعة في الوادي الضيق .
و ) الثالث ( هيمنة الحكومة على العمل بحيث تضمن استمراره ونجاح مشروعاته ، بوضع سياسة اقتصادية تكفل حماية المشروعات الناشئة حتى تنمو وتقوي .
ثم أشارت اللجنة بعد ذلك إلي ضرورة تسديد خطي العمل بطرق البحث العلمي الحديث ، بأن يؤلف معهد للأبحاث العلمية ، يكون بمثابة الرائد لفتح الميادين الجديدة للعمل ، وإرشاده إلي احسن السبل في الانتاج
ولسنا نشك في أننا إذا استطعنا أن نوجه إرادتنا في هذه الوجهة ، امكننا ان نظفر بالعنصر الأساسي الذي يتكون منه الدواء الشافي لأمراضنا كلها .

