الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 181 الرجوع إلى "الثقافة"

من النافذة :، ضرورة التنظيم الدقيق، لمواجهة حال الحرب

Share

تجتاز مصر في هذه الآيام مرحلة من أدق مراحل تاريخها الطويل ، مرحلة لم يسبق لها ان مرت بمثلها منذ مئات أو آلاف من السنين مع كثرة ما شهدته مصر من الحوادث الجليلة ، بين عصور شدة وعصور رخاء ، وبين عصور مجد وعصور شقاء . . ولكنها مع كل ذلك تسير سيرا هينا هادئا ، كأنها لا تشعر بخطورة حالها ، أو كان تاريخها الطويل الحافل بالحوادث قد علمها الاستهانة بكل ما يأتي به الدهر . وهي اليوم تنظر إلي المستقبل عالمة ان هذه الأيام الحاضرة تتحكم فيه وتقرر مصيره في مئات

السنين ومع ذلك لا يبدو منها ما يدل على أنها تدرك حقيقة الموقف ، ولا انها تريد ان تسير على منهج معين لتحقيق الخير في ذلك المستقبل وتجنب ما قد يأتي به من الشر

حقا أن مصر ليست معممة للحرب الطاحنة التي تدور رخاها في أطراف الأرض ، وليست محاربة بالمعنى المفهوم من هذا اللفظ في عرف الدول ؛ ولكنها مع هذا في وسط العالم المضطرم بالحروب ، ولا تملك ان تكون بمعزل عن حوادثه ، ولا أن تتجنب الآثار الخطيرة التي

تنجم عن هذه الحروب ؛ فهي إن لم تكن محاربة في ميدان الدماء والنيران تشهد آثار المعركة الطاحنة وتحس صداها في جيشان روحها ، وفي إجهاد مواردها وسواعدها وكل طاقة مجتمعها ، هي تقاسي شدائد الحرب وتبذل جهود الحرب ، وتميل بعاطفتها إلي نصرة السلام والحق والديمقراطية ، وتتطلع إلي اليوم الذي تنتهي فيه هذه الحرب بنصر مبادئها وتحقيق آمالها الوطنية ، فعواطفها متأثرة بالحروب ، وكل مظاهر حياتها تنعكس فيها صورة الحروب .

وقد اثرت الحرب في مصر أثرا آخر غير كل هذا وبعد كل هذا ؟ فقد حرمت من اشياء كثيرة كانت تجد نفسها في ايام السلم في اشد الاحتياج إليها وذلك نتيجة صرف كل المجهود العالمي نحو الحرب والاستعداد لها ، وحصر كل جهود النقل في البحر والبر على معداتها ومؤونها . فمصر التي اعتادت منذ سنوات طويلة أن ترى نفسها مركزا للتعامل الدولي ، تري نفسها فجأة وقد انقطع عنها هذا التعامل ، فلا هي ترسل كل ما اعتادت ارساله إلي غيرها من الدول ، ولا هي تتلقى كل ما اعتادت أن تتلقاه من غيرها من الدول ، مع أنها قد جعلت كل نظمها قائمة علي أساس ذلك التعامل الطليق

ولكن اعجب ما في امر مصر انها مع هذا الشعور العميق بالحرب ، ومع شدة تأثرها المادي والنفسي بالحرب ، لم تظهر بعد انها قد ادركت حقيقة موقفها أو فطنت إلى ضرورة مواجهة الواقع . وهي من هذه الناحية أسوأ حالا من كل الدول المحاربة ، لان تلك الدول قد علمت انها تحارب ، وانها ستقصر كل جهودها على الحرب والاستعداد لها ، فبادرت بتحوير كل نظمها لتجعلها تتناسق مع حالة الحرب ؛ في حين أن مصر مع كل إحساسها بما يدور في نفسها وفيما حولها تتجاهل الأمر

الواقع ، فلم تبادر بتحوير نظامها وتدبير شئونها لتجعلها متناسقة مع احوال الحرب . والأمثلة كثيرة على ذلك في كل نواحي حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، فلن نجد صعوبة في إلتماس الأمثلة للدلالة على هذا الأمر ، ولعل مثلا واحدا يؤدي إلي الغرض المقصود .

إننا اليوم نشعر بنتائج خطيرة في مسائل التموين ، كان من الممكن تلافيها بقليل من ضبط النفس والتنظيم فقد كانت في السنة الماضية مسألة كادت تكون مشكلة بين الحكومة القائمة وبين البرلمان عند ما عرضت فكرة تحديد زراعة القطن وزيادة المساحة المزروعة بالحبوب والحاصلات الغذائية ، ولسنا ندري كيف غاب عن الكثيرين أن هذه السنوات لا يحتاج فيها العالم إلي القطن مثل حاجته إلي الأغذية ، ولا ندري كيف لم يفطن الجميع إلي أننا نستطيع أن نجد أسواقا كثيرة مستعدة لشراء كل ما قد ننتجه من المواد الغذائية بأسعار فيها ربح كثير ، في حين أننا لا نجد أسواقا مستعدة لشراء القطن ، وإذا وجدنا هذه الأسواق لم نجد الطريق إليها سهلا ولا آمناً . كان التفكير السليم الذي يتفق مع ظروف الحرب أن نسارع إلي حصر زراعة القطن في أضيق حدودها ، وأن نسارع إلي تلبية من ينصحون بالاكثار من زراعة مواد التغذية بغير تردد ، والعمل علي الحصول علي أكبر فائدة من هذه المواد بتنظيم تصدير ما يفيض منها إلى حيث تشتد الحاجة إليها . ولكنا مع ذلك ترددنا كثيرا ، ولم تنفذ السياسة الاقتصادية السليمة إلا في أضيق حدودها ، وقد كان الحساب المجرد يؤدي بنا إلي نتيجة حاسمة ، وهي أن العالم الآن يحتاج إلي الغذاء ، وأن أسواق هذه المواد أضمن وأوسع وأقرب من كل الأسواق الأخرى ، وأن الربح الذي يعود علي المنتج من زراعة هذه المواد أوفر وأقرب إلي التحقيق .

وليس هذا التردد في إدراك الواقع هو النقص الوحيد الذي نعانى آثاره السيئة الآن ، بل هناك نقص آخر بدأنا نحس أول آثاره ، ولا ندري إلي أين ينتهي بنا إذا نحن لم نتداركه .

فقد بدأت الأزمة الغذائية تشتد منذ أواخر السنة الماضية حتى كادت البلاد تقع منها في كارثة ، لولا ما بذلته الحكومة المصرية من جهود ، ولولا ما بذلته الدولة الحليفة من مساعدة مشكورة في توفير القمح في وقت المحنة . ولا شك في أن مجهود الحكومة يستحق كل تقدير ، كما أنه لاشك في أن مساعدة الليفة وإخلاصها يستحقان كل اعتراف ويزيدان في توثيق المودة المتبادلة بيننا وبينها . ولكنا مع ذلك لم نزد على أن تداركنا الازمة بعد وقوعها ، ولا نزال نخطو كل يوم خطوة تكفينا مؤونة اليوم بغير ان ندبر تدبيرا منظما يكفل لنا السلامة في المستقبل . فلم لا نستفيد بنظم البلاد التي واجهت حالة الحرب ، ونقلدها في تطبيق تلك النظم عندنا لكي نقابل الآزمة ونجتازها بأقل ما يمكن من المتاعب ؟

لقد لجأت البلاد جميعها مثلا إلي نظام البطاقات في كل حاجات الحياة ، حتى في الملابس وأدوات المنزل . فخصصت لكل فرد حصة تكفيه ، وسمحت له بأن يحصل على تلك الحصة دون زيادة فوقها ؛ وبهذة، الطريقة عينها أمكننا نحن أن ندبر أمر البترول في تجربة نجحت نجاحا يدعو إلي الارتياح العظيم .

فلسنا ندري العلة التي تمنعنا من أن نعمم نظام البطاقات منذ الآن في كل ضروريات الحياة بلا استثناء حتى يستطيع الجميع أن يجدوا حاجتهم من الضروريات دون زيادة ؟ إن ظروف الحروب تستدعي التفكير والتنظيم في كل شئ ، فالنظام ضروري في صفوف القتال وهو كذلك ضروري وراء صفوف القتال بين جماهير الشعوب ذاتها.

فإذا كانت لنا صيحة نرسلها من هذه النافذة ناصحين مشفقين فهي الدعوة إلى التنظيم والتنسيق ومواجهة ظروف الحرب بما تستدعيه من تدابير دقيقة حازمة . ف

اشترك في نشرتنا البريدية