الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 190 الرجوع إلى "الثقافة"

من النافذة :، مستقبلنا على البحث العلمى

Share

نحن نعيش في القرن العشرين ، لا بل نعيش في أواسط القرن العشرين ما في ذلك من شك ونريد أن نحيا بين الأمم المتحضرة وأن نجاريهم ، ونعاملهم ونعاهدهم ، ونشاركهم في الانتاج والتجارة والتفكير ، أو بقول آخر نريد أن نساهم بسهمنا في جهود الحياة مع أمم العالم المتحضر ونحن اليوم نعالج موقفا متناهيا في الدقة ، فقد أخذنا في أيدينا أعنة الحكم لمصر المستقلة ، وعلينا أن نحقق الحياة الحقيقية لمصر المستقلة ، وسيكون حتما علينا أن نشترك مع أمم العالم فيما بعد الحرب ، لكي تقيم النظام المشترك في الانتاج والمعاملة والتفكير ، بصفتنا دولة مصر المستقلة ، فالحمل الملقى على عواتقنا حمل

عظيم ، والمسئولية التي على هذا الجيل الحاضر من المصريين مسئولية عظمى نحو كل الأجيال المقبلة من أبنائنا وحفدتنا ؛ إذ علينا أن نفكر لنا ولهذه الأجيال ، وأن نبتكر الخطط التي تؤدي إلى تحقيق مصلحتنا ومصلحة تلك الأجيال ، وأن نضع الأساس الذي تبني عليه حضارتنا الحديثة ، لكى نسلمها أمانة في أعناق ورثتنا من تلك الأجيال ؛ ولكنا إذا اردنا أن نضطلع بهذا العبء . العظيم ، وبهذه المسئولية الكبرى وجب علينا أن نتخذ الوسائل التي تتخذها سائر الأمم المتحضرة عندما نريد أن تضع خططها ، وأن تبني أساس مستقبلها . نحن كما قدمنا نعيشي في أواسط القرن العشرين التي

يقوم فيها كل تفكير على العلم ويبني فيها كل تنظيم على العلم ، ويستند كل مشروع إلى العلم . فإذا أرادت الدول المتحضرة أن تستعد لنضال حربي كان أول همها أن تتجه إلى العلم لتتخذه أداتها إلى الفوز في النضال ؛ وإذا أرادت أن تشرع في عمل صناعي كانت أول خطوة هي استشارة العلم لتعرف أمثل السبل وأسهلها وأقربها إلى الاقتصاد والكمال . وإذا هي عزمت على إصلاح في الانتاج الزراعي

أو الصحي أو التعليمي ، كان أول همها أن تلجأ إلى المعمل والتجربة والبحث ، حتى إذا ما أوضح العلم لها الطريق وضعت الخطة المنظمة ، ثم سارت في سبيلها نحو تحقيق أغراضها ؛ وهي في كل خطوة من خطواتها تستشير العلم وتشجع البحث ، وتستفيد بكل كشف جديد في معاهدها ومعاهد زميلاتها من الدول الأخرى ، تعطى لهن ثمار ما بلغه البحث عندها ، وتأخذ منهن ما آتاه يجنيهن من ثمار أخرى .

وإذا نحن ألقينا نظرة بسيطة إلى الأمم العظمى وجدنا أنها قد أقامت كل عظمتها وقوتها على العلم والبحث ، سواء أكان ذلك في ميادين الحرب أم في ميادين الانتاج الاقتصادي . وقد برهنت روسيا على فائدة البحث العلمي برهانا لا يقبل الجدل ، لأنها رسمت لنفسها خططا متعاقبة كل خطة منها ترمي إلى إنقاذ جانب من جوانب الاصلاح في مدة معينة ، وكانت في كل مرة تجعل البحث

العلمي أساس خطتها ؛ فاستطاعت بذلك أن تنقل روسيا من حالتها التي كانت عليها في أول القرن العشرين إلى حالة أخرى تنافس فيها أعظم الأمم في إنتاجها وتنظيمها ، وكل ذلك في مرحلة لا تتعدى عشرين سنة

وقد يخطئ البعض ، فيحسب أن النظام الروسي السياسي هو الذي أحدث هذا التغيير الذي تشهد آثاره أمم العالم جميعا في هذا النضال الحربي العظيم في هذه

لأيام ولكن الحقيقة هي غير ذلك ؛ فإن الذي أحدث الانقلاب الهائل في حالة روسيا إنما هو أمر واحد : أنها أقامت خططها جميعا على العلم ، واستفادت في كل خطوة من خطواتها بالبحث العلمي ، وعملت على إشاعة البحث بجميع أنواعه وتشجيعه ، ومساعدة أصحابه من العلماء والصناع بكل وسيلة من الوسائل الممكنة .

ونحن اليوم واقفون عند مفترق الطرق ، فأمامنا طريقان : أحدهما أن نترك الاصلاح والنهضة المأمولة تسير سيرها الطبيعي بغير تدخل أو قيادة من جانب العلم ، وعند ذلك ستكون حركة الاصلاح والنهضة معرضة لكل الطوارئ ، ومعرضة لأن يعتريها الخمول والفتور ، بل معرضة لأكثر من كل ذلك وهو الخطأ ؛ فإننا إذا هممنا بمشروع غير قائم على أساس متين من البحث العلمي

كان مهددا بأن يفضي بعد قليل إلى الفشل ، لأن لم يكن قائما على حقائق ثابتة . فالحماسة في الاصلاح وحدها لا تكفي لانجاح المشروعات ، ولا بد إذا أردنا النجاح لها أن نطمئن قبل أن نخطو فيها خطوة واحدة إلى أننا قد ضمنا رأي العلم فيها في أول الأمر ، وضمنا أن يسايرها البحث في كل خطواتها ، لكى يسددها ويوجهها إلى الوجهة السليمة .

نحن في حاجة إلى هيئة علمية صحيحة تشرف على البحث من جميع نواحيه . كشف على البحث في مادة الأرض ، وفي مادة الهواء ، وفي أسرار البحر ، وضوء الشمس ؛ وتشرف على البحث في أفضل طرق الوقاية من المرض ، وطرق العلاج فيه ، وفي أفضل طرق تنظيم المدن

وبناء الأبنية من الصروح العظيمة إلى الأكواخ الصغيرة ، وفي خير الوسائل لتعبيد الطرق وتعميمها ، وتوليد الكهرباء حيث يمكن توليدها ، وأسهل الطرق الصناعة وأجدر الصناعات بالتشجيع . وتشرف على تجارب في

التعليم لتعرف خير النظم التي يمكن أن تسير عليهم المدارس لتحقيق الأغراض التي ترمي إليها ، وفي الاقتصاد لتعرف خير النظم التي تسير عليها في حياتها ومعاملاتها . بل إن عليها أن تشرف على البحث العلمي المحض الذي قد يرى البعض أنه بعيد عن الحياة العملية ، كالبحث في الذرة

ومكوناتها ، وفي الضوء وكنه حقيقته ، وفي الرياضيات العليا ، وغير ذلك من الابحاث النظرية التي قد يظن البعض أنها لا تدخل في نطاق الحياة العملية ، فان كل بحث ضروري لفائدته العملية إن وجدت ، وإلا فهو ضروري لذاته ، لأنه لا شك يفضي إلى تقدم العلم وتحقيق الاستفادة منه بعد حين .

وواجب علينا بعد أن تنشأ هذه الهيئة العليا أن نعمد إلى تشجيع البحث في هيئات أخرى فرعية كل منها يتجه في اتجاهه الخاص ويتفرع بحسب خاصته إلى شعاعات وفروع . واجب علينا أن نحقق ذلك كله حتى تكون الهيئات العلمية عندنا تعد بالمئات ، ويكون العلماء والباحثون فيها على اختلاف فنونهم يعدون بالألوف . فهذه الهيئات وهؤلاء العلماء هم لواء الأساس

الذي نستطيع أن نبني عليه نهضتنا الحقيقية .

ولنرجع إلى الوراء قليلا لنضرب مثلا صغيرا ، وهو البحث العلمى الذي قامت به هيئة العلماء في الحملة الفرنسية عند غزوها لمصر ألم تكن هذه البحوث التي قامت بها تلك الهيئة الصغيرة نواة كل تقدم في مصر في القرن التاسع عشر ؟

هذا مثال صغير نستطيع منه أن ندرك مقدار ما يمكن أن يجنيه البلاد من تنظيم البحث العلمي بأوسع معانية وتشجيعه وتشجيع أهله بكل وسائل التشجيع ولذلك ندعو بقوة إلى بذل المال في سخاء على العلم وأهله ، وعلى معامله ومعداته ، حتى يشعر أهل البحث أنهم قد

كفوا مؤنة الحياة ، وأنه قد كفل لهم مكان ملحوظ بمثابة المجتمع كله ؛ فإذا كان هذا يكلف مصر شيئا من النفقة ، فليعلم الجميع أن النفقة على العلم والعلماء لا يمكن أن تضيع سدى ، بل إنها تؤتى ثمارها أضعافا مضاعفة ، كما تنبت الحبة سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة .

اشترك في نشرتنا البريدية