الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 189 الرجوع إلى "الثقافة"

من النافذه، مشروعات الاصلاح، في أيامنا هذه

Share

ما تعودنا أن نصفق استحسانا إلا أن يكون للأمر الجليل والموقف النبيل ؛ فإذا ما رأينا شيئا من ذلك رأينا واجبا علينا أن نجهر بالثناء في غير تحفظ ، وان نعلي صوتنا قائلين : " مرحي يا صاحب الموقف النبيل " .

ونحن اليوم نطلع من هذه " النافذة على حركة مباركة ، تحدثنا عن بعض جوانبها بالشكر في كلمات سابقة ، وتحدثنا عن بعض جوانب أخري منها بالنقد ، فطالبنا ان تضع الدولة برنامجا شاملا للاصلاح ، ترسم فيه صورة لما ينبغي ان تكون عليه مصر في مستقبلها ،

ثم تتخذ الوسائل التي تؤدي بعد أمد محدود من السنين إلى تحقيق تلك الصورة وإبرازها في عالم الوجود ، على أن يكون ذلك الأمد المحدود وسطا بين القصر الذي لا يتسع للإنفاذ الجدي ، وبين الطول الذي يهدد الإصلاح بالنقض و الهدم على تعاقب السنين وتغير الحكومات .

وجدير بهذا الأمد أن يكون خمسة أعوام ، أو عشرة ، لكي نعرف ما ينبغي لنا ان نبذله من جهد ، وما ينبغي ان نتمه من الإصلاح في كل عام من اعوامه .

ولكنا مع مطالبتنا برسم هذه الصورة ، وبالعمل على تحقيقها في أمدها المحدود ، لا نتردد في أن نشكر ما يبذل من الجهود في سبيل الإصلاح ، أيا كان نوعه ، وأيا كان ميدانه ، فان الإصلاح في ذاته مشكور ، ومن اليسير أن ينظم ويكون شاملا ، وعلينا ان تستزيد منه ونشجع عليه ، وننادي بضرورة وضع خطة التى تجعله متناسقا قويا متساندا .

بالأمس القريب اهتزت أفئدتنا عند ما رأينا مشروع اصلاح القرية الذي قدمه الوزير العالم الهكتور عبد الواحد الوكيل ، فحمدنا وطربنا ؛ ولكنا لم نتردد أن نقول إن ذلك الإصلاح لا يمكن أن يؤتى ثماره الناضجة المليئة

بالحياة إلا إذ صاحبه إصلاح يسايره في مرافق الحياة الأخرى ، كاصلاح التعليم الريفي ، وإصلاح طرق الريف ، وتحسين الصناعة الريفية

وبالامس القريب اهتزت قلوبنا مرة ثانية ، وكانت هزة تجمع بين طرب للاصلاح نفسه ، وطرب اخر يفوق كل سرور يحسه من يريد الاصلاح ، فهو طرب تمازجه كبرياء العزة القومية ، وتخالطه صور مختلفة تنبعث من ثنايا التاريخ الماضي ، بعضها واضح وبعضها غامض وبعضها قوي الالوان وبعضها حائل من مر السنين

تلك هي الهزة التي شعرنا بها عند ما راينا وزير الشئون الاجتماعية يعلى صوته بانصاف اللغة العربية الشريفة . ويحتم ان تكون اللغة العربية لغة التعامل مع مصالح الحكومة المصرية ، ولغة الكتابة في الدوائر الخاضعة لرقابة الحكومة المصرية .

حقا لقد مر زمن طويل كانت القلوب تدمي ، والنفوس تتلوي من المذلة كما تمثل المصري ان لغته الشريفة غريبة في ميادين الاعمال في بلاده ، وان حائلا قويا يقف بينها وبين عالم الحياة الحقيقية في وطنه ، فان كل ميادين الانتاج الصناعي ، وكل مبادئ النشاط التجاري ، كانت محجوبة عن العربية وراء ستار كثيف

لا يقدر أحد على أن يستشف ما وراءه ، ولا يجد فيه منفذا يستطيع أن يلج منه المساهمة في تلك الميادين ، فكانت نفس المصري تشعر حسرة وذلة ، على حين كانت حياته تشعر بالقيد الثقيل الذي يقيده عن مجاراة ابناء الامم الآخرى التى جعلت مصر ميدانا لجهودها ، والاستفادة مما في بلاده من نشاط اقتصادي .

كان المصري محروما من ان يستفيد مجهود الاستثمار التى يستغل فيها بلاده ، وتقتصر الفائدة على من يأتي من وراء البحار . فاذا كان وزير الشئون الاجتماعية يتقدم اليوم بمشروعه العظيم ، فإنا نري واجبا علينا ان نسجل له الشكر مزدوجا : شكرا عن العربية التي أعاد إليها

اعتبارها وأقال عثارها ، وشكرا عن هذه الشبيبة التي تتطلع إلي ميادين العمل ولا تجد الفرصة للولوج فيها ، لقيام عقبة اللغة الأجنبية في وجوههم

وفي الأمس القريب كذلك سمعنا قصة استرعت آذاننا ، ولا ندري بعد كيف انتهت ولا ما يؤول إليه امرها ، وإن كان أغلب ظننا انها قصة ظاهرة واضحة ، أن يرضي وزير مصري بأن يسمح لأي اعتبار ان يزلزل يقينه فيها . فقد قيل إن بعض المدارس الأجنبية طلبت ان تعترف الحكومة المصرية بشهاداتها ، ونشرت الصحف

اليومية ذلك النبأ وعلقت عليه قائلة إن هناك قانونا قديما منذ عام ١٨٩٧ يمنع الاعتراف بالشهادات الأجنبية ، إلا إذا كانت صادرة عن مدارس في مواطنها الاصلية

وليس في البلاد المصرية من يجهل الحكمة في ذلك القانون ، فان الاعتراف بالشهادات التي تصدرها المدارس الأجنبية المقيمة ، بمصر فيه كل الضياع على نظم تعليمنا الوطنية ، وفيه إفساح لكثير من ابواب النشاط الذي يضر بقوميتنا . ولكن هذا الموضوع دقيق ، وفيه مجال

للقول الكثير ؛ فحسبنا اليوم أن نرجو وزارة المعارف أن تحذر ، وأن تفحص وسنعود إلي توفيته حقه في كلة أخري خاصة به.

اشترك في نشرتنا البريدية