ما تعودنا أن نصفق استحسانا إلا أن يكون للأمر الجليل والموقف النبيل ؛ فإذا ما رأينا شيئا من ذلك رأينا واجبا علينا أن نجهر بالثناء في غير تحفظ ، وان نعلي صوتنا قائلين : " مرحي يا صاحب الموقف النبيل " .
ونحن اليوم نطلع من هذه " النافذة على حركة مباركة ، تحدثنا عن بعض جوانبها بالشكر في كلمات سابقة ، وتحدثنا عن بعض جوانب أخري منها بالنقد ، فطالبنا ان تضع الدولة برنامجا شاملا للاصلاح ، ترسم فيه صورة لما ينبغي ان تكون عليه مصر في مستقبلها ،
ثم تتخذ الوسائل التي تؤدي بعد أمد محدود من السنين إلى تحقيق تلك الصورة وإبرازها في عالم الوجود ، على أن يكون ذلك الأمد المحدود وسطا بين القصر الذي لا يتسع للإنفاذ الجدي ، وبين الطول الذي يهدد الإصلاح بالنقض و الهدم على تعاقب السنين وتغير الحكومات .
وجدير بهذا الأمد أن يكون خمسة أعوام ، أو عشرة ، لكي نعرف ما ينبغي لنا ان نبذله من جهد ، وما ينبغي ان نتمه من الإصلاح في كل عام من اعوامه .
ولكنا مع مطالبتنا برسم هذه الصورة ، وبالعمل على تحقيقها في أمدها المحدود ، لا نتردد في أن نشكر ما يبذل من الجهود في سبيل الإصلاح ، أيا كان نوعه ، وأيا كان ميدانه ، فان الإصلاح في ذاته مشكور ، ومن اليسير أن ينظم ويكون شاملا ، وعلينا ان تستزيد منه ونشجع عليه ، وننادي بضرورة وضع خطة التى تجعله متناسقا قويا متساندا .
بالأمس القريب اهتزت أفئدتنا عند ما رأينا مشروع اصلاح القرية الذي قدمه الوزير العالم الهكتور عبد الواحد الوكيل ، فحمدنا وطربنا ؛ ولكنا لم نتردد أن نقول إن ذلك الإصلاح لا يمكن أن يؤتى ثماره الناضجة المليئة
بالحياة إلا إذ صاحبه إصلاح يسايره في مرافق الحياة الأخرى ، كاصلاح التعليم الريفي ، وإصلاح طرق الريف ، وتحسين الصناعة الريفية
وبالامس القريب اهتزت قلوبنا مرة ثانية ، وكانت هزة تجمع بين طرب للاصلاح نفسه ، وطرب اخر يفوق كل سرور يحسه من يريد الاصلاح ، فهو طرب تمازجه كبرياء العزة القومية ، وتخالطه صور مختلفة تنبعث من ثنايا التاريخ الماضي ، بعضها واضح وبعضها غامض وبعضها قوي الالوان وبعضها حائل من مر السنين
تلك هي الهزة التي شعرنا بها عند ما راينا وزير الشئون الاجتماعية يعلى صوته بانصاف اللغة العربية الشريفة . ويحتم ان تكون اللغة العربية لغة التعامل مع مصالح الحكومة المصرية ، ولغة الكتابة في الدوائر الخاضعة لرقابة الحكومة المصرية .
حقا لقد مر زمن طويل كانت القلوب تدمي ، والنفوس تتلوي من المذلة كما تمثل المصري ان لغته الشريفة غريبة في ميادين الاعمال في بلاده ، وان حائلا قويا يقف بينها وبين عالم الحياة الحقيقية في وطنه ، فان كل ميادين الانتاج الصناعي ، وكل مبادئ النشاط التجاري ، كانت محجوبة عن العربية وراء ستار كثيف
لا يقدر أحد على أن يستشف ما وراءه ، ولا يجد فيه منفذا يستطيع أن يلج منه المساهمة في تلك الميادين ، فكانت نفس المصري تشعر حسرة وذلة ، على حين كانت حياته تشعر بالقيد الثقيل الذي يقيده عن مجاراة ابناء الامم الآخرى التى جعلت مصر ميدانا لجهودها ، والاستفادة مما في بلاده من نشاط اقتصادي .
كان المصري محروما من ان يستفيد مجهود الاستثمار التى يستغل فيها بلاده ، وتقتصر الفائدة على من يأتي من وراء البحار . فاذا كان وزير الشئون الاجتماعية يتقدم اليوم بمشروعه العظيم ، فإنا نري واجبا علينا ان نسجل له الشكر مزدوجا : شكرا عن العربية التي أعاد إليها
اعتبارها وأقال عثارها ، وشكرا عن هذه الشبيبة التي تتطلع إلي ميادين العمل ولا تجد الفرصة للولوج فيها ، لقيام عقبة اللغة الأجنبية في وجوههم
وفي الأمس القريب كذلك سمعنا قصة استرعت آذاننا ، ولا ندري بعد كيف انتهت ولا ما يؤول إليه امرها ، وإن كان أغلب ظننا انها قصة ظاهرة واضحة ، أن يرضي وزير مصري بأن يسمح لأي اعتبار ان يزلزل يقينه فيها . فقد قيل إن بعض المدارس الأجنبية طلبت ان تعترف الحكومة المصرية بشهاداتها ، ونشرت الصحف
اليومية ذلك النبأ وعلقت عليه قائلة إن هناك قانونا قديما منذ عام ١٨٩٧ يمنع الاعتراف بالشهادات الأجنبية ، إلا إذا كانت صادرة عن مدارس في مواطنها الاصلية
وليس في البلاد المصرية من يجهل الحكمة في ذلك القانون ، فان الاعتراف بالشهادات التي تصدرها المدارس الأجنبية المقيمة ، بمصر فيه كل الضياع على نظم تعليمنا الوطنية ، وفيه إفساح لكثير من ابواب النشاط الذي يضر بقوميتنا . ولكن هذا الموضوع دقيق ، وفيه مجال
للقول الكثير ؛ فحسبنا اليوم أن نرجو وزارة المعارف أن تحذر ، وأن تفحص وسنعود إلي توفيته حقه في كلة أخري خاصة به.
