الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 183الرجوع إلى "الثقافة"

من النافذه :، عدونا الأكبر

Share

قال لي الأمريكي الفاضل الذي كان يحدثني : " إن رقى شعب لا يقاس بما نراه من مظاهر المدنية والغني في المدن الكبرى ، بل بما تجده في منازل الملايين من عامة الفلاحين والعمال وما نراه في قري الريف ووسائل الحياة فيها "

وخجلت أن أطيل معه الحديث والجدال ، إذ تمثل لي ما اعرفه من مظاهر الحياة في ريف مصر بين طبقات أهله من الفلاحين والعمال . ولقد هممت بعد ذلك أن أستعير نعرة القومية ، وأن أنقل ميدان الجدل إلي المعنويات الشائعة في الفلسفة الشرقية ، فخانني قلبي، إذ أنني اعتقد في قرارة نفسى أن التعلل بالمعنويات لا يغني عن حقيقة الواقع في حياتنا المادية .

وإنه لمن حسن حظ مصر أن عقلية أهلها قد تغيرت فاتجهوا في الوقت الحاضر إلى وجهة جديدة ، كانت المسائل السياسية من قبل تصرفهم عنها ، ولا تدع لهم فراغا

للاقبال عليها . كان المضربون منذ حين يكتفون بأن يفاخروا بقوميتهم وبمجدهم الماضي ، وبجدارتهم للحياة بما لهم من ذكاء وما لبلادهم من مركز ممتاز في العالم ، لخصبها وحسن موقعها بين الأقطار . كانوا يتعمدون ان يفاخروا بهذا كاد عندما كان النضال السياسي يتطلب منهم مثل هذه المفاخرة ؛ ولكن حدة ذلك النضال السياسي قد زالت أو اضمحلت وأخذت الأمور تستقر . فجعلهم ذلك ينظرون إلى الحقائق ويفرون بها ، ويلتمسون بالبحث مواضع ما يحسونه " من ضعف لكي يلتمسوا بعد ذلك له الدواء ، وكانت أول الخطي نحو التوفيق انهم علموا علم اليقين أن المجتمع المصري مريض يوشك أن يبلغ مرضه مبلغ الخطر .

اهتدي المفكرون إلي أن في الشعب المصري عيوبا كثيرة ، وإلى ان فيه نقصا عظيما في كل نواحي حياته ، وإلى أن هناك أدواء كثيرة تفتك بجسمه وبروحه وبعقله

وعادوا بعد أن دققوا وبحثوا إلى نتيجة واحدة صارت اليوم عقيدة عامة تسمع صداها يتردد على السنة الشبان والشيوخ وعلى السنة المتعلمين والجهلاء ، وعلي السنة أهل السياسة على اختلاف نزعاتهم ، وفي مباحث أهل العلم علي تباين مذاهبهم . وهذه العقيدة هي أن شعب مصر فقير فقرا مدقعا ، وان مصر بلاد لا تتسع مواردها الحاضرة لستة عشر مليونا يعيشون فيها ، وان هذه الموارد مع قلتها قد شاركهم فيها جماعة ) من غير اهل البلاد ففازوا منها بحظ الأسد ، وتركوا لهم الفضلات

ولقد سمعنا صدي هذه العقيدة من وزير خطير من وزراء الحكومة الحاضرة ، وهو وزير الشئون الاجتماعية ، إذ قال في مناسبة من المناسبات : " إن علة العلل هو الفقر فعلينا به إذا أردنا إصلاحا ؟.

إذا لقد عرف المصريون أنهم شعب يشكو من علل كثيرة ، وأنهم لا يستطيعون مفاخرة الامم ، وانه هو الفقر عدوهم الأول ، وهو الفقر داؤهم الاكبر الذي يفتك بالصحة ويسلب الفقير ثوبه وكرامته وخلقه ، ويخيم بالجهالة على عقله ، ويهبط بروحه إلى مستوي يجعله لا يعبأ بالمعنويات السامية . عرف المصريون أنه هو الفقر إذا الذي يجب عليهم أن يحاربوه وأن يقاتلوه بما استطاعوا من قوة ، وأن يجعلوا كل همهم في مطاردته والقضاء عليه إذا ارادوا ان تكون لهم بين الأمم مكانة . وإنه لكسب عظيم لنا ان ندرك هذه الحقيقة التي كنا غافلين عنها أو تمنعنا العزة القومية من الإقرار بها . ولن يمنع علينا التماس الدواء بعد ان عرفنا الداء ، وإن كان الحصول عليه شاقا أو كان بلوغه يكلفنا الجهد القاطع والهم المتصل .

لن يمتنع علينا أن يجد الدواء متى التمسناه من مظلاته                                                                                                                                                                                          كما التمسه الأمم الآخرى التي كانت في مثل حالنا منذ قرن ثم صارت اليوم في صدر العالم ثروة وعظمة

وتستطيع من هذه النافذة ان نشير إلى بعض امور نرجو أن نشارك بها في التفكير وأن نرمى بسهمنا في ذلك الجهاد الشريف . ولن ننقطع عن التحدث بهذا الحديث ما بقيت فينا قوة على ترديد القول مع الانفاس .

ونحن وإن كنا نشارك الباحثين في مشاكل الفقر في مجمل آرائهم ، نخالفهم في أمر هام ، وهو انهم جميعا يميلون إلي أن يحسبوا الفقر نتيجة لتوزيع الثروة في البلاد ، أو لاستيلاء الأجنبي عليها ، أو لقلة موارد الطبيعة في بلادنا ، في حين أننا نري أن السبب الاكبر في الفقر عندنا يرجع إلى عامل واحد ، وهو قلة فرص العمل امام هذه الملايين المكدسة فى الوادي الضيق . ونظرتنا هذه تؤدي إلي تجنب الاصطدام بين طوائف الامة ، ونتحاشي ما لاداعي له الآن من مشاكل خطيرة لا قبل لنا اليوم بحلها .

ويمكن أن نلخص العوامل التي نظنها أسباب الفقر الكبرى في ثلاث شعب تلتقي جميعا عند نتيجة واحدة : أما الشعبة الأولى فهي ان عدد سكان البلاد اعظم بكثير من قوة الانتاج الحاضرة ، فأفضي هذا إلى ان الفلاحين يتزاحمون على العمل المحدود تزاحما عظيما ادي إلي قلة الاجور ، فأصبح أجر العامل لا يكفي لأن يحفظ رمقه . وأما الشعبة الثانية فهي أن الفلاحين لا يجدون العمل إلا في أيام قليلة من السنة ، وقد قدر الباحثون أنهم لا يجدون عملا إلا في ثلث أيام السنة ، ويقضون الثلثين الباقيين عاطلين

وقد ساعد علي ذلك التمطل أن الانتاج الأكبر في البلاد إنتاج زراعي ، والزراعة بطبيعتها لا تحتاج إلى عمل متصل كل أيام العام .

فالفلاح إذا حرث وبذر كان عليه أن ينتظر حتى تهتز الأرض ويظهر نباتها ، وينمو العود ويحتاج إلى ري أو إلي ) عزق ( أو إلي رعاية

فالانتاج الزراعي تشترك فيه الطبيعة والفلاح ، ومن

المحتوم على العامل ان يقبع في داره حينا بين ادوار عمله حتى تتم الطبيعة دورها في العمل .

وأما الشعبة الثالثة فهي أن قوة الانتاج عند الفلاح محدودة لا تكاد تتعدى الزراعة ، فالفلاح الذي لا يجد عملا في موسم زراعي ، يضطر إلى البطالة ولا يجد أمامه ميدانا آخر يتجه إليه بنشاطه . فهو في كل حياته لم يعبأ بغير الزراعة ، ولم تعبأ الدولة بإعداده لانتاج آخر غير هذه الصناعة الموروثة الآتية في الزراعة ، يتوارثها ابناء الشعب ولدا عن والد بغير تفكير ولا حماسة ولا استعداد صالح

ولسنا بحاجة إلي تناول أسباب الفقر الآخري التي أشرنا إليها آنفا ، فهي تعرضنا لنزاع الطبقات ، إذ نحن في حالنا الحاضرة في غني عن التعرض لها

وبكفي أن نقول إن الشعب الثلاث تلتقي كما قدمنا في مسيل واحد يؤدي إلى نتيجة واحدة ، وهي ان جمهور الشعب المصري من الفلاحين لا يجدون عملا كافيا يعود عليهم بما يكفي لسد حاجاتهم ، ولا يستطيعون ان يؤدوا عملا آخر غير الزراعة مع كثرة فراغهم وشدة رغبهم في العمل وحاجتهم اليه .

ويقيقي ألا ننسي أن العمل أهم عنصر من عناصر الانتاج ، ويمكن للشعب العامل أن يستغني به عن الثروة الطبيعية إذا توفرت له الفرص الباعثة عليه فكثير من اغني أمم الأرض لا تستمد ثروتها من وفرة خيرات طبيعة بلادها ، بل من حسن استعدادها للعمل وتوفر الفرص فيه فإذا نحن عرفنا أن هذا هو الداء كان من السهل أن نفكر في التماس الدواء ، وهو يسير في التفكير وإن كان من أشق الأمور إذا أردنا بتحقيقه ، ولكن صعوبة الحصول علي هذا الدواء لا ينبغي أن تعوقنا عن العمل على بلوغه مهما تكلفنا من الشقات . فالواجب الأول هو أن توفر أبوابا جديدة للعمل ما استطعنا إلي ذلك سبيلا ، وان

نعد الشعب في الوقت عينه لكي يكون قادرا على الانتاج الصالح في هذه الأبواب الجديدة ، حتى يستطيع ان يلجها ويفتح الميادين التي وراءها بقوة وإتقان ، وحتي يمكنه ان ينتج فيها إنتاجا اقتصاديا سليما

هذا هو البرنامج الذي يجب أن تضعه الدولة نصب أعينها ، وأن تعمل على تحقيقه بكل الوسائل التي تقدر عليها ، وان تبدأ منذ اليوم بذلك ، فتضع سياسة للانشاء والتعمير كما تفعل الأمم الأخرى التي تكبتها هذه الحرب الطاحنة في حياتها وهددتها بأن تصير إلي مثل ما نحن فيه من أمراض

وسنحاول أن ندلي براينا في رسم هذه الخطة ، وان اشير إلى الطريقة التى نظنها تكفل النجاح فيها . وموعدنا لذلك في مقال نال إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية