" لنا في كل مكرمة مجال ومن فوق السماك لنا رجال
ركبنا للمكارم كل هول وخضنا ابحرا ولها رجال
اذا عنها توانى الغير عجزا فنحن الراحلون لها عجال
سوانا ليس بالمقصود لما ينادي المستغيث : الا تعالوا
فلا جزع ولا هلع مشينا ومنا الغدر او كذب محال
سواعنا " الفرنس " يخبروكم ويصدق اذ حكت منها المقال
فكم لي فيهم من يوم حرب به افتخر الزمان ولا يزال "
انها ترنيمة واهجة تتحامل الي وتهجس بنفسي كلما مر ذكر لكفاح الجرائر وكلما رددت الانباء وقائع مختلفة لهذا الصمود الذي يبديه شعب الجزائرى فى مكافحة الاستعمار العنيد.
انها لا تثير الشعور بطرافة اللحن وبجاذبية الايقاع ولا تبعث على الاعجاب بسحر البلاغة وابداع الفن ولكنها تتملك العاطفة اذ تعود بالذكرى الى فجر هذا الكفاح الى العهد الذي نهض فيه الامير عبد القادر الجزائرى يكافح جيوش الاحتلال بعد ان استسلمت الحامية التركية بعاصمة الجزائر فى ٥ سبتمبر ١٩٣٠ تعود بالذكرى الى ذلك عهد الذي قام فيه هذا البطل ينشب معركة الحرية بالحزائر ويثبت للعالم ان هناك شعبا عربيا يقدس الحرية ويبذل النفس دفاعا عن الكرامة ويحمى الوطن من غائلة المستعمر
تعود بي الذكرى الى ذلك العهد وتنشر امامى مواكب الايام سائرة فى مراحل الكفاح جادة في اعمال البطولة الى هذه الايام التى تحتدم فيها المعركة لتحرير المغرب الكبير وتشتد فيها الثورة ضد فرنسا التى ما فتئت تحلم بامكان استعباد الشعوب هي ترنيمة واهجة كانت تنطلق من فم هذا الامير الذي لم يكن قوام بطولته
انه استطاع ان يعمل كل ما امكنه جمعه من عتاد ورجال فى قتال العدو والذياد عن الوطن ما يزيد عن ١٥ سنة وانما كانت بطولته مثلا اعلى من البطولات وكان جهاده صورا رائعة من صور الجهاد . وكان سلوكه نماذج نادرة للرجل الذى يريد ان يملا مركزه من الوجود .
انه جمع بين البسالة والفداء وبين العزة والايمان وبين الحكمة والذكاء جمع بين عبقرية القلب والعقل واللسان .
كان ذا قلب عظيم لم تهنا له الحياة بدون حرية ولم يطمئن به مهاد من دون عزة ولم يهدأ له بال من غير كفاح .
كان يقتحم معارك الجهاد بنفسه وينقذ ابطاله من ايدي عدوه وكان وهو يتفانى في سبيلهم ينشد :
ومن عادة السادات بالحيش تحتمي وبي يحتمي جيشي وتحرس ابطالي
وبي تتقي يوم الطعان فوارسي تخالينهم في الحرب امثال اشبالي
كان فارسا مغوارا لاعلى نمط فروسية القرون الوسطى فروسية خمر وميسر ولهو وعتاوة ولكنها فروسية بذل والتضحية والشهامة فروسية نبيلة نستطيع ان نتلمح بعض خصالها من قوله :
سلي الليل عني كم شققت اديمه على ضامر الجنبين معتدل عالي
سلي البيد عني والمفاوز والربى وسهلا وحزنا كم طويت بترحالى
فما همتي الا مقارعة العدى وهزمي لابطال شداد بابطالى
كان ذا عقل اريب دبر شؤونه في حنكة وساس امارته في سداد وداور اعداءه في دهاء واضطرهم الى الاعتراف بسيادته في معاهدة " دى ميشل " ٢٦ فيفرى سنة ١٨٣٤ وفى معاهدة التفنة ٣٠ ماى سنة ١٨٣٧
وغالب الاوضاع التاريخية التى كانت تجتازها البلاد وقد افسدها الجهل ومزقتها العصبيات وانهكتها رعونة " الدايات " وحماقاتهم واستطاع ان ينظم الصفوف ويحقق الوحدة بين عدة من القبائل ويكون منهم جيشا منظما " على نمط جيوش الدول وقسمه الى مشاة وفرسان ومدفعية واستجاد لتعليمه وتدريبه ضباطا من الجيش التونسي ومن الجند التركي الذي بطرابلس ومن الفارين من الجيش الفرنسى وسن لهذا
الجيش نظاما يتعلق بماكله وملبسه ورواتبه ومدة التعليم وشروط الترقى فيه ونيل الاوسمة . . وجعل دهاليز لادخار الحبوب واناببير الاقوات ومعامل للسلاح ورمم القلاع ولم يغفل عن شىء مما يلزم لتأسيس الحكومات الشرعية (١) "
كان ذا لسن وفصاحة ادبية يستلهم عبقر الشعر لم تلهه القيادة والسياسة عن ان يعيش مع الحب والاحلام والطبيعة ولكنه لم تنحرف به الشاعرية الى التوفر على العيش المرح في المواطن اللينة من آفاق عبقر بل انه جاهد بشعره كما جاهد بسيفه ناشد روح السلف الصالح واستلهم روحانيتهم الطاهرة وتوسل بالصحابة واهل بدر وابتهل الى الله ان ينصر المسلمين ويعز رايتهم ويهديهم لمراشد امورهم استنفر بشعره السلطان الغازى عبد الحميد خان :
فالمسلمون بارض الغرب شاخصة ابصارهم نحوه يرجون اقبالا
كم ساهر يرتجي نوما بطلعته وحائر يرتجى للحزن تسهالا
نعم انه استنصر السلطان الغازي ولكن التاريخ كان يسير ب الرجل المريض " نحو الهاوية .
كان ذا لسن وفصاحة كاتبا يعنى بالبحث ويكد في حقول المعرفة ويرتوى من موارد الحكمة ويسلك سبيل العارفين من اهل التصوف ويعمل الفكر فى مطاوى المجهول ويذكر العاقل وينبه الغافل ويحاول ان يكون مقراضا حادا (2) لقطع لسان الطاعن في دين الاسلام .
كان مخلصا لدينه بطلا من ابطال الجهاد ولكنه لم يكن متعصبا فقد ملا دوره كانسان يؤمن بالاخوة الانسانية وله المواقف المشهورة فى ذلك فقد اجار جماعات من المسيحيين في المقاتل التى نشبت بينهم وبين المسلمين فى مدينة دمشق سنة ١٨٦٠ فضرب للعالم مثلا آخر من امثلة بطولته العالية ومكرماته الجليلة
اجل انها لمكرمات جليلة سجلها هذا البطل العظيم فى جهاده كما سجلها فى سلمه وانها لمكرمات تبعث على الفخر والاعتراز مكرمات سجلها فى تاريخ الحزائر التي ستخلد ذكراه لانه كان اول الابطال الذين بذلوا انفسهم فى سبيل حريتها .

