إلى أين يا ولدي ؟ إلى بواتييه يا سيدتي . وهل اشتريت تذكرتك ؟ لم أشترها بعد ، فإن القطار يغادر باريس بعد الظهر بقليل ، والساعة الآن العاشرة .
كلا يا بني ، أترك حقيبتك هنا ، وأسرع إلى شراء تذكرتك .
وعدت إلى " البوفيه " في محطة " أورساي " فبدأت صاحبتي العجوز تتحدث وأنا أصغي إلى حديثها ، قالت : " لعنة الله على الحرب ! لا أزال أذكر مثل هذا اليوم من سنة ١٤ ، حين سافر ابني الوحيد إلى الميدان ! كان ضابطًا في الطيران ، كان في عنفوان شبابه وزهرة العمر ! كان جميلا رشيقًا ، يحبه كل من يراه ! ذهبت معه إلى المحطة ، إلى محطة " سان لازار " ، فوقفت بجوار نافذة القطار باكية . كانت آخر كلماته إليَّ : " علام تبكين يا أماه ؟ سوف أعود قريبًا ، إن هي إلا رحلة قصيرة المدى لن تبعد الشقة علينا ، وسنحمل معنا آذان البوش ( الألمان) وأنوفهم وأصابعهم ! " إلى أن كان ذات يوم
وسكتت السيدة العجوز هنيهة ، ثم نظرت إليَّ فأطالت النظر وقالت : " لن أنسى أبدًا ذلك اليوم ! في صبيحته أخذتني سنة من النوم ، فرأيت ولدي يحلق بطائرته في الجو ، وكنت أراه من نافذتي ، كان يحييني بمنديل الذي أخذه مني وفيه دموعي يوم الوداع ! عبثًا حاولت أن أغريه بالدخول إلى غرفتي ؛ كنت أناديه فيشير إليَّ ويصد عن ندائي !
وفتحت عيني فإذا الساعة العاشرة من الصباح ، وإذا بي في غرفتي بعيدة عن ولدي .
" لم أستطع المكث في البيت فخرجت إلى أختي وأنا ضيقة الصدر ، مشتتة الفكر ، وخيال الطائرة يتراءى إليَّ وفيها " ألبير " alberr ! قصصت الرؤيا على أختي فحاولت أن تسري عني ما أنا فيه من القلق والهم ، وأخذت تتندر بدخول طائرة من نافذة !
" في مساء هذا اليوم عرفت أن ولدي قتل في الحرب قتل في ساحة الشرف ، قتل دفاعًا عن الحرية ، قتل من أجل فرنسا ! قتله الألمان ! آه ، لعنة الله على الحرب لعنة الله على الحرب ! كان في الثلاثين من عمره ، قوي البنية ، باسم الثغر ، واسع الأمل ، عظيم الهمة بعيد النظر . ألم تر إليه وقد أوقع طائرتين ألمانيتين في يوم واحد ، ولما كانت الثالثة أخطأه الحظ فوقع واحترق ! "
وأخذت بدوري أذم الحرب وأواسي صاحبتي ، فكانت تنصت إليًّ وتؤيد كلامي بآيات تحفظها من الإنجيل .
قطع الحديث علينا بائع الجرائد ، فقد دخل ينادي بأن الألمان زحفوا على بولونيا ، وأن التعبئة العامة قد تعلن بعد حين ! واشتريت الجريدة وأخذت أقرا وأسمعها وهي تنصت في إصغاء عجيب . حتى إذا فرغت أخبار بولونيا تكلمنا عما تم لاخلاء باريس من أهلها فقالت :
" والآن لا أدري المصير ؛ فقد كنت بالأمس مع زوجي الشيخ المريض في مصحته ، وقد ألح عليَّ أن أغادر باريس وأن أذهب إلى بوردو حيث تسكن أخته . مسكين زوجي ؛ إنه لا يعرف إلى أين يحملونه . إن المصحة بأسرها سوف تنقل من باريس إلي بلد بعيد ؛ إلى بلد
آمن ! إن كان من الطائرات أمان لا أملك إلا طاعته إنه شيخ مريض حاد المزاج ! لعنة الله على الحرب ! مات ولدي ، واليوم أبعد مرغمة عن زوجي ، ولا أعرف أين يكون مثواه ؛ وها أنا في السبعين من عمري لا أستطيع أن أساهم في الصليب الأحمر كما ساهمت في الحرب الماضية ! اليوم أنا عجوز لا أصلح لشيء ! "
وحان وقت الرحيل فذهبنا سويا إلى القطار ... في تور Tours رأينا ضابطًا وزوجته وطفلتهما ، أتى الضابط يودع زوجته الشابة وابنته الصغيرة ، هما ذاهبان إلى ( بواتييه ) حيث يقيمان مع أبيه ، كان الضابط وزوجه يتحدثان حديثًا كله عطف وكله حنان وكله حب ! كانت الزوجة تتحدث في صبر وهي ضاحكة الأسارير ! وكان الزوج متزنًا يبادلها ابتسامها في هدوء واطمئنان ، ثم صعدت السيدة إلى القطار فتخليت عن مقعدي ليتسنى لها أن تحدث زوجها قبيل الرحيل ! كانت تحدثه عن الخطابات والموافاة بالأخبار , وكان يوصها خيرًا بالطفلة وبنفسها وأذن القطار بالسير فقبلت يده وقبل يدها وسرنا . .
لم تكد هذه السيدة تأخذ مكانها حتى انفجرت تبكي أمَرَّ البكاء ! ونظرت الطفلة إلى أمها نظرة حائرة ثم بكت بكاءً يقطع الأكباد .
حاولت العجوز وحاولت معها أن نهدئ من قلق الباكية الحزينة ، فكانت تتجلد حينًا ، فتتلهى بإسكات ابنتها ، ويخونها الصبر حينًا فتنطلق باكية وفي الحالتين تنهمر دموعها في حزن عميق !
أكثرت العجوز من الثرثرة ، وكان كلامها يحمل على الصبر حينًا ، ويدفع إلى البكاء أحيانًا ! حتى إذا هدأت الزوجة الجزعة أخذت تداعب الطفلة البريئة حتى لا تنام وهي تبكي . فجأة وقف القطار . أعلنت التعبئة العامة وأصبحت
أسبقية المرور للقطارات الحربية ، ومكثنا ساعة ننتظر ! بدأت السيدة تتحدث عن زوجها ، قالت :
" هو ضابط مختص صناعته الحرب ! عرفته طالبًا في مدرسة ( البولتكنيك Polytechnique - حين التقينا منذ خمس سنوات في ضاحية (سان جرمان إن لاي ) - S. germain en laye - حيث كنت طالبة بالليسيه . بعد سنتين تزوجنا ، وها هو يلبي اليوم نداء وطنه ، فيودعني ويودع ابنته ليؤدي إلى الوطن رسالته ! "
وبأعذب الألفاظ وأرق عبارات الحنان ، أخذت السيدة تناجي زوجها وهي تحدثنا : عرفته فلم يخف عليَّ من أمره شيئًا ، لم يتكلف ، وظهر إليَّ كما هو : هذه أخلاقه ، كرجال السيف ، إنه رفيع النسب ولكنه فقير ، فقير في ماله وغني بنفسه ! هو يحبني ، يحبني من كل قلبه ؛ يغار عليَّ ولكنه يثق بي . منذ عرفني لم يسيء إليَّ مرة واحدة ، ومنذ عرفته وأنا متفانية فيه . ألم تروه ؟ أليست ( مادلين ) صورة منه ؟ وأخذت تقبل ابنتها ، والدمع يترقرق في عينيها . . . ثم قالت :
" في يونيو الماضي ذهبنا إلى (سان جرمان )لنحتفل بيوم تلاقينا الأول ، كنا أسعد مخلوقين ، سألني : هل نجدد ذكرى هذا العيد في يونيو سنة ٤٠ ؟ ! من يدري ؟ آه ، إنني خائفة ، إنني خائفة ! . . . "
قالت العجوز : - رفقًا يا بنيتي رفقًا . فقد يجمع الله الشتيتين بعد ما يظنان كل الظن أن لا تلاقيا وبلغنا ( بواتييه ) فنزلنا ، الزوجة وطفلتها وأنا . . . أما العجوز فإلى ( بوردو ) . ( بواتييه - بلاط الشهداء )
