الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 242الرجوع إلى "الرسالة"

من برجنا العاجي

Share

يدهشنى فى حياة الملكة فكتوريا تلك الإرادة التى  استطاعت بها أن تفصل بين   (واجبها)  كملك تحكم،  وبين   (قلبها)  كامرأة تحب. إنها كانت مشغوفة بزوجها الأمير    (ألبرت) ، ومع ذلك أقصته أول الأمر فى قسوة عن  دفة الملك وشئون الحكم، وهو الرجل الذكى الواسع الاطلاع،  فكانت تدرس هى معضلات الدولة وتتركه هو يقتل الوقت  بالقراءة وعزف الموسيقى. آه! ما أحوجنى أنا إلى مثل هذه  المرأة التى تتركنى أقرأ وأكتب وأسمع الموسيقى، وتنصرف  هى إلى حمل المسؤوليات وحل مشاكل العيش. . . شىء آخر  يعجبنى فى تلك الملكة العظيمة: إنها كانت تقرأ. إنى أحب  الملوك والقادة الذين يقرأون. تلك هى الوسيلة التى بها يعرفون  حاجات شعبهم. لقد قرأت فكتوريا بعض قصص   (ديكنز)   التى يصف فيها شقاء الطبقات الفقيرة، وأحست وهى فى أبراج  قصرها ما يعانيه ألوف من البشر يطؤهم ظلم أرستقراطية  جامحة بعرباتها الفخمة وخيولها المطهمة، فأدركت من خلال  سطور ذلك الأديب كيف أن فى بلادها عالماً آخر مهملاً يئن  من الجوع والبؤس ولا يلتفت إليه أحد. فتركت الملكة  الكتاب وقامت صائحة مرتاعة لم يهدأ لها قرار حتى مدت  يدها إلى أولئك المناكيد، فرفعت عن أعناقهم نعال الفئة  الباغية، وأطلقتهم يعيشون في هواء الحرية والرخاء كما يعيش  الآدميون. فى مصر والشرق أيضاً بغى وبغاة، وظلم وظالمون  من جميع الأنواع؛ وفيهما كذلك فقر وشقاء وجهل وظلام  فى كل ركن من الأركان. ولقد يسألنى سائل: أين هو  الأديب الذى يصف كل هذا البلاء، ويصور هذه الدنيا التعسة  المهملة التى لم تمتد إليها يد إصلاح منذ أجيال؟ جوابى على هذا  السؤال بسيط: هات لى من يقرأ، أحضر لك من يكتب.  إن الطاهى لا يوجد إلا إذا وجد الآكلون. إن الشرق لن  يتغير حتى يعلم قادته كيف يملئون أدمغتهم بكل ما يمكنهم من  فهم حال شعوبهم. إن ربان السفينة لا يركب البحر قبل أن  يعرف بعض أسرار الريح والماء ونجوم السماء. فلنرج دائماً ممن  يمسك بالزمام أن يمسك أيضاً بالكتاب

اشترك في نشرتنا البريدية