الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 296الرجوع إلى "الرسالة"

من برج بابل

Share

أسعد ساعاتى وأحفلها بالعبر والتأمل، حين أجلس إلى  طفلى. فأعمد أنا إلى إبرتى الطويلتين دائبة على صنع قطعة  من النسيج، ويفرغ هو إلى الدُّمى واللُّعب كأنه ملك عابث،  فهو منهمك أبداً فى تدبير دولة من لُعب، فتارة يقسم فصائل  جيشه وينصب عليهم القواد ويدعوهم إلى القتال والجهاد،  وطوراً يزف الملك إلى الملكة، وأحياناً يحرك القطار على القضيب. وهو فى هذا كله نشيط دائم الحماسة والحركة، يزمزم  بلغة غريبة عنا، كأنما لا يفهمها غير عالمه الصغير ورعيته الجامدة!

ثم لا يلبث أن يعتريه الملل والسآمة وتسيطر عليه غريزة  عجيبة، فيهدم عرشاً نصبه، ويبعثر جنوداً مدربة منظمة،  ويصدم عربات قطاره، ويهرع إلى محتجاً متبرماً، يطلب  عالماً جديداً أو إن شئت لعبة جديدة. وبأى قدرة أستطيع  أن أمده على الدوام بعوالم لا متناهية متجددة فى كل لحظة! فإذا شعر منى بالعجز عن الخلق والإبداع انصرف  إلى دنيانا نحن الكبار: فيجذب الزهرية المستقرة  فى رشاقة على المنضدة ويهوى بها إلى الأرض؛ وإلى الورد فيعبث بأوراقه، ويعمد إلى الستار المسدل على النافذة فيهدله. وإلى زجاجها فيحطمه؛ ويسعى إلى القط الجميل الوديع فلا يزال يستدرجه، حتى إذا تمكن منه حاول خنقه بيديه الدقيقتين.

لشد ما يجهد أعصابى هذا المخلوق الصغير الجبار! إنه لا يهدأ،  إنه لا يستقر. ولا يحلو له غير التدمير والعبث بنظامنا. لا توقفه نظرتى الحادة المهددة، ولا تهدئه بسمتى الحنون  الرقيقة، ولا يثنيه ما أقدم من حلوى.

ألا إن فى الأطفال حافزاً عجيباً يدفعهم على الدوام إلى هدم ما هو قائم، وإفساد ما هو كائن، وتحليل ما هو مركب.  وحين ألقى النظر على يديّ وهما دائبتان فى نسج الحياة، وعلى آثار الحطام التى أنزلها بعالمى طفلى الصغير، أشعر بالفارق الهائل بين الأمومة العاملة والطفولة الهادمة

هؤلاء الصغار، فلذات أكبادنا، يولدون فى الحياة بمشاعر  جديدة، وطبائع جديدة، وأفكار جديدة، وآمال جديدة..  فلا يطيب لهم أن يبقوا على ما صنعت الأمهات وما بذل الآباء؛ فتراهم يحطمون فى لحظة عالمنا، ثمرة كدنا وعمرنا وجهدنا،  كما لو كان صنماً قديماً سخفت عبادته!

اشترك في نشرتنا البريدية