هل قدر للفن والفنانين في مصر أن يعيشوا معذبين حياري ، يبحثون عن أبصار نافذة متأملة ، ومصائر مرهفة متذوقة ، فيعودون بالخيبة الممضة والإخفاق المرير ؟ وهل كانت الفنون والآداب من التفاهة بحيث يعزف عنها الأثرياء وذو النفوذ . . فلا يجودون عليها بنصيب من الرعاية والاحتفاء ؟ إن مما لا ريب فيه أن الفنون ترمومتر لمجد الأمم وعبقريتها ، ومقياس لعظمتها وسيرها في مدارج الكمال . . فليت شعري ما يكون مصير بلاد تغفل الأصالة الفنية وتقبل على مروجي الغثاثة والدجل والتهريج ؟
في هذه المسألة سأحاول أن أروي للقراء قصة فنان عراقي مرموق . وفد إلى مصر . ليعرض مجهود السنين ، وزهرة العمر ، وعصارة الفكر والأعصاب . آملا أن يلقى حظا من التقدير والتأييد ، فجاء وكله أمل . وعاد وكله ألم .
هو السيد يوسف محمود علام . مدير اصلاحية الأحداث ، والمهندس العملي للفنون العربية الأندلسية ببغداد . أخذ يهتم بالرسوم والكتابات الأندلسية منذ عشر سنوات ، واستوعب الكثير مما كتب وصور في هذا الصدد ، ثم خطا خطوة عملية جريئة حين أقام دارا خاصة زينها بالرسوم والنقوش الأندلسية البديعة ، فأخرج للجماهير تحفة فنية رائعة يحق للعرب أن يباهوا بها وبصاحبها الفنان العظيم غير أنها بيعت تحت ظروف شخصية ، فكان هذا البيع محنة كبرى ، لأن حضرة المشتري الهمام طمس النقوش الأندلسية الخميلة ليحل محلها طلاء ، معتادا
لم يعرف اليأس سبيلا إلى قلب ذلك الفنان الجبار . فرحل إلى أسبانيا ليدرس الآثار الأندلسية عن كثب ، وقضي هناك أربعة أشهر ، شهد خلالها كثيرا من تلك الآثار الباقية على الزمن . والتقط طائفة كبيرة من الصور ، ولم يفته أن يشتري مجموعة أخرى من الصور النادرة التى تسجل قوة الفن في أعظم المظاهر .
وقد أقام معرضه الأول في كلية الآداب ببغداد فكان حظه من التوفيق والنجاح خطيرا ، وقد قال لى إن عددا كبيرا من فناني العراق ، وألوف المشاهدين المثقفين ، كانوا يغمرونه كل يوم بالإعجاب والتقدير والتشجيع ، مما أنعش فيه الأمل وبعث الاغتباط .
وأقام المعرض الثاني في مدينة الإسكندرية بكلية الآداب أيضا في أثناء انعقاد المؤتمر الثقافي العربي الثاني ، فلم يلتفت إليه إلا عدد قليل ، وهذا شيء يؤسف له حقا وحضر إلي القاهرة عله ينال ما يطمح إليه وما يستحقه ، فلم يكن نصيبه هنا أكثر من نصيبه في الإسكندرية وشد ما تألمت وهو يقول لي : أين الفنانون المصريون ؛ أين الأدباء والشعراء والمؤرخون ؟ أين الصحفيون ؟ أين تلاميذ مدرسة الفنون ؟ والواقع أن أديبا مصريا واحدا هو الذي اهتم الاهتمام اللائق بهذا الفنان البارع ، هو الأستاذ عباس خضر المحرر الفني لمجلة الرسالة الغراء . وكم للأستاذ من لفتات تذكر فتشكر . .
والعرض عنوي علي ٢٥٠ قطعة ، بعضها من الصور والرسوم التخطيطية ، والبعض الآخر نماذج من الخشب والجبس تمثل أبواب القصور والمدافئ العربية . ومن بين ما عرض ، صور مئذنة جامع قرطبة ، وجوانب من قصر الحمراء ، وواجهة من قاعة محبس الملكة إيزابلا ، والنافورات وبهو الأسود ، والبساتين ، وامرأة أسبانية من جزر كنارية ، وفتاة قروية أسبانية ، وبنت أشبيلية في ملابس الأعياد الوطنية ، ونعش كرستوف كولمبس محمولا على اكتاف أربعة من ملوك الأسبان تقديرا لخدماته . ومما يذكر أن بعض الصور كانت مصحوبة بأيات من الشعر الأندلسي ونصوص من التاريخ . أما بعد ، فإن من المخجل أن يعود هذا الفنان المكافح إلى وطنه دون أن يظفر بما ينبغي نحو النابغين من تشجيع مادي وأدبى . وإذا كنا لا نقدر الفنون والآداب فكيف نسينا فروض المجاملة نحو ضيف عزيز من أبناء العراق الشقيق ؟ ولأدع الفنان يختم القصة الدامية : " سأعود إلى موطني بغداد ، غدا أنا ونجلي ، وبي ما بي ، من الآلم المشبوب والأمل الحابي ، وعزائي الوحيد أنني أديت واجبي ، وما أقل الذين يؤدون واجباتهم في هذا الزمان . . " .

