الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 675الرجوع إلى "الثقافة"

من بريد الثقافة, إلى الإستاذ إدوار منسي :

Share

" إن تيانو آخر " قد ربي نفسه حينما توجع و " فضفض " وزفر بوجبعته لقصة "تيانو" فنفض عن نفسه لما كتب غبارا تراكم في حيزه كما تراكم في حيز " تيانو " تماما وهو في غرفته فوق السطوح في حي السبتية

إني في خريف العمر وأظنك تجهل ذلك يا أستاذ إدوار ، وأنت تمثل مبدأ القوة والشباب ، فتقول كما قال الدكتور زكي نجيب محمود كل فكرة لا تحول إلى عمل ليست فكرة ويجب إبعادها ، وتريد أن تضمن النجاح في معبد الفن قبل ترك معبد المال فإن لم تخلد قرنا أو قرنين من الزمان بعد موتك فلا يجب أن تحترف الفن إلا لهذا الضمان . لا ياسيدي إن محراب الفن به مجهولون ولكنهم هم هم الواصلون الذين خلدوا أنفسهم قرونا طويلة . نحن يا سيدي نردد عبادنا التى تهدف للخير والجمال والتي ورثناها عن آبائنا الروحيين ممن سبقونا وكانوا أساتذتنا وأصواتهم مازالت ترن في آذاننا وهم في القبور - وكذاك الأنبياء - وإن التعاسة التي يحيا بها حواريو الفن لهي السعادة لمن يحب الله والخير والجمال والمثل العليا .

على الفنان أن يغرد لأن سعادته في هذا التغريد حتي لو كان بلا طائل ، فاعاظم القوم لا يشبعون من زمانهم إلا تصقيفا هو كل حياتهم وأجرهم وما فيه سرورهم ورضاهم عن أعمالهم ، كما ان آخرتهم تسوي بين أميرهم وحقيرهم ، إن لذة الفنان هي في الفن نفسه كما أن السعادة لا تنبع إلا من نفس الإنسان . والفن السامي هو كلمة الحق والخير والجمال التى يعذب فيها كل عذاب يراه الفنان إذا قسا عليه الزمان وكان سابقا لأوانه كمن يضرب في حديد بارد ، والفنان متصوف بطبعه لا يخدم سيدين ، إما طريق الفن أو الوعد الجبري وإما طريق المال . قال قائل من أهل أوربا حينما سئل عن الفن " الفن يبحث عن القمة ولكنه ، رغم ذلك يوجه الشعوب وهو مجروح محزون . وقد يموت بعلته شهيدا في

معبده كذلك الجندي المجهول "تيانو" لكنه يموت مبتسا ابتسامة الأبرار الذين عشقوا الفن وماتوا في سبيل تلك المثل الفنية التي كرسوا أنفسهم سدنة لها ، فإن لم تكن السدانة فالعبادة ولا يشترط أن نكون كلنا خالدين .

هذا هو الفن الذي نعبده والذي هو عنوان الشعوب . فإن جاء زمان غلبت فيه الغرائز وطغت على الفن السامي فمعني ذلك أن الشعب قد انحلت أخلاقه

وليس العيب عيب الفنان إذا الشعب قد انحلت أخلاقه فأصبح تعسا بائسا مثل " تيانو " ولكن هو تأرجح الزمن من الزهرة إلى زحل ، ألست تقول إن الزمان رحل إذا تطاحن آلهة الفن وحطموا أنفسهم وتحطم معهم ما أقاموه من جهد في سبيل هذا الخلود الذي يحارب بعضهم البعض من أجله ، ومصير "تيانو" ومصيرهم واحد لو كانوا يعقلون ، ولكنه الاستعلاء ، كلنا نستعلي ونلوح بصفح بعضنا لبعض وهذا هو نجم زحل ، أما نجم الزهرة فهو رمز الحب والحب هو الخلود الإنساني يتساوي فيه الناس فلا يتخاصمون .

قلت إني في خريف العمر ، ولقد رأيت كثيرا من التقلبات التي رفعت والتي هدمت ، وأقول للأستاذ إدوار منسي إن الهادمين دائما هم الذين أرادوا لأنفسهم الخلود قرنا او قرنين من الزمان وان يصل صيتهم إلى خارج حدود بلادهم ، ورأيت الفن دائما يرفعه الجنود المجهولون أمثال " تيانو " المحب لفنه القانع بلقمته والذي خلدته على صفحات الثقافة إن لم تكن الصورة من خلق خيالك .

لقد أعجبت بفن الموسيقي في أوروبا وهم هم " تيانو " ينتظرون منك فرنكا كما في مصر على قهوة قصر النيل .

هناك فنان كبير مازال يعيش إلى الآن منطو علي نفسه مع أن آثاره الفنية تشهد له أنه أبلغ الكتاب ولكنه بقيم في غرفة حقيرة في الدور الأرضى وإن " ليانو لأسعد منه حظا ، ولولا كرامة الرجل في نظري لصرحت لك بآثاره وباسمه ، لكنه سعيد بينه وبين نفسه التي تعيش في محراب الفن

من قال إن الفنان الأسبل يكون ذا مال ومدخر ؟ إنه إذا عني يجمع المال فارقه الفن لأن الفن غيور .

هل يكون فنانا من يكتب فنا ويدور ، ليبيعه ويتاجر به هل يكون في فترة البيع والتجارة فنانا ؛ لا ، إن نصب وتعب لا يطيقه الفنان . فإذا لم يجد من يبيع له ويتاجر فقد بارت بضاعته ، وهنا يتدخل الحظ عند أناس من أهل الفن ويتنكر لآخرين ، فيسكن أحدهم في عمارة شاهقة ويسكن الثاني فوقي سطوح البنية ، وكثير أما يكون ساكن السطوح هو الفنان الكبير وساكن القصور هو المهرج الذي يخدع الناس ويدلس عليهم .

وثق يا استاذ إدوار أن الاثنين صنوان يغمرهما فيض ما قدمت أيديهما إلي الفن ؛ فلا تتخذ المجد والغنى والخلود " ترمومترا " للفنان الذي يحب الفن وإلا أجدب الفن ، إذا راعينا القياس الذي حددته بين الهواية والاحتراف والذي اشرت إليه من الجنود المجهولين امثال " تيانو " ومن الخالدين الذين تدعو لهم .

اشترك في نشرتنا البريدية