ثرث على أكثر من وضع . ولاشك أنك تحب أن يقبل من ثرت عليهم ثورتك . فهل تقبل ثورة من يثور عليك ؟ . إن كنت قابلها فانشر هذا الكلام ورد عليه ؛ إذ أنا أنتقد مسلكك فى الكتابة ، ومسلكك فى اختيار المواضيع التى تثور عليها .
فأنت يا سيدى تثور على هذا الشعب الذى يقضى عمره بعيدا عن العلم ، منقطع الأسباب بالغرب وما ينتج من كتب وأبحاث . وأنت ياسيدى تثور على هؤلاء الكتاب يداهنون ويتملقون ويسعون إلى إرضاء دور للصحف لا تعرف لها مقياسا إلا مقياس إقبال الجماهير على القراءة .
وأنت يا سيدى تثور - ولو أن هذا منطقيا لا يدعو إلى الثورة ، وإنما يدعو إلى راحة اليأس ، لأن بارقة أمل لا تبدو للإصلاح .
ولكنك يا سيدى لا تفعل إلا أن تثور . . بمعنى أنك تذكر المشاكل وبجانبها عواطفك التى تتدفق من روح لا شك وئاب ، ونفس مليئة بحب الإصلاح ، تفعل هذا ولا تقدم ، وأنا أعلم أنك قادر على الإقدام ، على الإصلاح بنفسك ،
والإصلاح يقتضى أن تترك الكتابة عن فساد فى الأمة متفش بين كتابها ، وقوم يفرض أنهم من مفكريها ، وبين غير الكتاب وغير المفكرين ، تترك هذا بعد أن أعدت كتابته مرات ومرات حتى لأحسب أنك أفرغت ما فى نفسك كله ، وإلا فنفسك أكبر من نفس المتنبى التى بها أنف أن تسكن اللحم والعظم . تترك هذا لتكتب فيما تعتقد أنه حرى بالكتابة من روائع العلم والفن الغربى . لك أن تعرفنا بكبار الكتاب والمفكرين ، ولك أن تسرد لنا بعض نظريات لهم ، ولك أن تعلق على ما يكتبه هؤلاء المفكرون الأوربيون ، ولك أن تختار غير هذه الطريق أو تلك وأنت اكثر اطلاعا منى - أو هذا ما أعتقد - مما يفيد فى تزويد من يطلع بما يكتب الغرب ووصلهم بأفكاره .
أما أن تظل هكذا بعيدا عن العلاج ، وأنت مستطيع أن تكون معطيه ، فذلك ما يدخل تحت عموم قول المتنبى :
ولم أر فى عيوب الناس عيبا كعجز القادرين على التمام

