أحييك وأحيي فيك هذا العقل الحر ، وتلك النفس الواعية ، وضمير العلم النزيه . .
أحييك لأنك الرجل الذي عرف بحق كيف يفرق بدقة بين حدود الأمور . . أين ينتهي كل منها . . وأين يبدأ وكيف يمتد وما علاقته بغيره - وعلى أى أساس يقوم . . ثم وضعت كل أمر في مكانه ، فلم تخلط بين هذا وذاك . . ولم تجمل - إلا لشئ واحد - فلا يمتد على كل هذه الأمور . . هذا الشئ . . هو العقل الذي لا يؤمن إلا بنفسه . العقل الذي ينظر متحررا تمام التحرر من كل قيد ، بريئا كل البراءة من كل أثر ، فإذا رأى الامر حقا جهر به ، وإن اصطلح ) السواد ( على أنه باطل ، وإذا راه باطلا ، نادى ضده ولو اتفقت العامة على أنه حق . .
ذلك العقل الذي قمت تنادي بإطلاقه من أغلاله في مؤتمر ثقافي لجامعة عربية . . حيث ناديت بأن ندع النشء احرارا يهتدون إلى الطريق بأنفسهم وأفكارهم ، ولا نفرض عليهم دليلا معينا يلزمهم طرفأ خاصة ، بحجة الإرشاد والهداية ، حتى إذا ما خلوا إلى أنفسهم رأوا الفرق بعيدا بين ما يدور في نفوسهم وصدورهم وبين ما أريدت نفوسهم وصدورهم أن تدور حوله .
وها أنت ذا يا سيدي تتقدم مرة أخرى لتصيح وتنادي في إفصاح ووضوح ، ولتقول في غير ما انتواه :
" تعالوا أيها ) المفكرون ( نتفق على حدود الأشياء ، فلا ندع واحدا منها يجور على الآخر ، ولا نضع فوقها جميعا شيئا بدعوى القداسة . . وتعالوا نهييء الطريق لهذه العقول الناشئة حتى تسير فيه مطمئنة لا تتبع إلا هاتف العقل "
وكم كنت انظر بكل إجلال وإ كبار لكل جامعي يعلن رأيه في عزم وقوة . . لماذا . ؟ لأنه آمن بعقله . . والإيمان بالعقل بدء الحرية الحرية الحقة التي تقوم على أساس صحيح سليم لا يتطرق إليه بلى أو فناء . . ولكنا كنا نرى في كل مرة هذه الموجات الهوج من قوم يمثلون طبقة بعينها . لا تستحي أن تظهر جهلها على الناس سافرة مكابرة . وأرجو ألا تظن ياسيدي أن جرأتي تنحصر في خطابي إليكم ، ولكني حاولت أن انتصر لحرية العقل ببعض ردود نشرتها لي مجلة ) الرسالة " مشكورة : رد على مدرس في كلية اللغة العربية ،
كتب ما أسماه بحثا أدبيا عن موازنة بين قصيدتين جاهليتين . ونشرت الثقافة " مشكورة ردا لي على أحد كبار الكتاب عالج مشكلة الحشيش وإني لا أفخر بهذا ، ولكنى أسجله لأقدمه إلى عزتكم كوثيقة حين أطلب منكم أن تعتبروني تلميذا من تلاميذكم ، ألجأ إليكم أطلب المعونة في رأي ، أو التوجيه في أمر ، لأنكم أوتيتم الحكمة - والحكمة في نظري أن يعرف الإنسان أين يبدأ الأمر وأين ينتهي . . وكيف يمتد وما علاقته بغيره - ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا . .
إن المرء لن يحيا غير حياة واحدة . . فمن العقوق لحياته ، بل ومن العقوق لإنسانيته ، أن يرضى لعقله أن يلف في خرق قذرة من الجهل والشعوذة ، بل ومن التنكر لضميره أن يجبره على أن يتخذ كل يوم وجهة ، وأن يكون على استعداد لامتثال امره طيلة حياته . . .
كم أنت عظيم أيها الأستاذ . . حييت بكل حرف خططت
في هذا المقال ألف تحية .

