الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 673الرجوع إلى "الثقافة"

من بريد الثقافة, بين هواية الفن واحترافه

Share

إلي الفنان " تيانوآخر "

قرأت كلمة الفنان" تيانوآخر "  في عدد سابق من الثقافة تعقيبا على قصتي " تيانو " التي نشرت أخيرا بالمجلة . ولم أكن أظن أن قصة بسيطة كقصتي هذه ستثير آراء تخالف رأيي الذي ناديت به في هذه القصة ومازلت أنادي به .

قلت : إني لا أقر ، كما أن العالم كله لا يقر ، نصف النجاح ، إني لا أحب لك يا صديقي مبدأ " بعض الشئ ولا نقصه كله . في الفن على الخصوص إن لم يكن النجاح فيه كاملا والانتصار كليا شاملا فقد ضاع وضاع صاحبه . . إلى آخره .

فأنا لا أصبغ مطلقا أن أضيع عمري في فن لن أصل به إلى الحد الذي يجعله يبقى بعد موتي مثلا قرنا من الزمان أو قرنين على الأقل ، وله بعد ذلك أن يندثر أولا ينثدر ، فأنا اقيس نجاح الأثر الفني بمدى تأثيره في الناس من حولي وتأثيره في العصر الذي أعيش فيه ، أعني بذلك تأثيره خارج حدود بلادي بالإضافة إلى بلادي في الأصل ، فإذا ذاع الأثر الفني في محيط الفنان ، وإذا ذاع في بلد هذا الفنان ( دعنا من ذيوعه حتى بوسائل منحرفة ...) كان الفنان ناجحا ، وكان بغتة قد " وصل " (وفي هذه الكلمة شئ كبير من التجاوز) . ولكن إذا ذاع هذا الآثر الفني ذاته في قطر

آخر وبلد آخر ، أي إذا تعدى حدود بلاده كان نجاحه أعظم ، وإذا ذاع هذا الآثر نفسه في العالم أجمع كان نجاحه كليا شاملا .

انظر إلينا في مصر . كم من الكتاب كتبوا ، وكم من الموسيقين وضعوا الألحان . وكم من الفنانين رسموا الصور ونحتوا الحجر؛ انظر كم من المهندسين المعماريين أقاموا الابنية ، وكم وكم . . أيمكن أن تدعي أن أثرا من هذه الآثار سواء في الكتابة أو الموسيقى أو التصوير أو النحت أو العمارة سيبقى؟ وأنا اعني بكلمة " سيبقى " كما قلت ، قرنا من الزمان أو قرنين على الأقل . . كل هذا الجهد مآله إلى اندثار ، لأن نجاحه نجاح عصر واحد من العصور وبيئة واحدة من البيئات .

إن أدباءنا - باستثناء أديبين أصبحا الآن عالميين - لا يكتبون إلا لأنهم قد " تعودوا " الكتابة ، وهم يعرفون ان انتاجهم لافن فيه ، ولكنهم ماضون في هذا الإنتاج ، لا تدفعهم غير عادة إمساك القلم عمال على بطال إني أقول في هؤلاء إنهم يضيعون حياتهم هباء ، ويبعثرون وقتهم في باطل .

وإن موسيقيينا - وأستثني منهم واحدا أو اثنين تعدى نجاحهما حدود هذا القطر - لا يؤلفون الحانهم إلا لأنهم قد " تعودوا ، التلحين . وهم يعرفون أن انتاجهم غث فارغ لا قيمة له ولافن فيه ، ولكنهم ماضون في هذا الانتاج

لا تدفعهم غير عادة " الدندنة " على اوتار آلاتهم " عمال على بطال " إن أقول في هؤلاء أيضا إنهم يضيعون حياتهم هباء ، ويبعثرون وقتهم في باطل .

وهكذا أقول في مصورينا ومثالينا ومهندسينا المعماريين . قد ينفق أحدهم عشر سنين أو خمس عشرة سنة في فن من الفنون وهو متيقن أنه لن ينتهي به هذا الجهد إلى شئ ولكنه يمضي ذليل الفن حتى يموت وينسى كأن لم يكن .

لا تؤاخذني ياصديقي " تيانو آخر " فيما أقول كما أرجو الا يخيب ظنك في ، فأنا ايضا محب للفنون أهواها بكل قلبي ، إن معرضا للتصوير والنحت لا يقام بالقاهرة إلا واكون في طليعة زائرية ، وقد اختلف إليه مرتين أو ثلاث مرات ، وإن حفلة موسيقية لايقيمها عازف عالمي أو فرقة عالمية لا يقيمها - أولا تقيمها - إلا وأكون في طليعة حاضريها . وإن فرقة أوربرا إيطالية أو فرقة تمثيل فرنسية لا تأتي القاهرة إلا وأكون في طليعة من يتمتعون بها ، وإن كتابا ممتعا عالميا لا أسمع بظهوره إلا وأبعث في طلبه من ناشره رأسا إذا لم أجده بالقاهرة . أجل ، إني أهوي الفنون ، ولكن لا كما يهواها المتحمس المتهوس بل كما يهواها المتحمس العاقل ، أقول الحق يا استاذ " تيانو آخر " ؛ لقد بدأت أنا نفسي كاتب قصة " تيانو " أتعلم العزف على البيانو ، وكنت قد تجاوزت العشرين ، وكنت متحمسا ودءوبا على التمرين اليومي حتى بدأت قبل نهاية العام الأول أعزف بعض مقطوعات بتهوفن وموزار المبسطة والبسيطة في نفس الوقت ، ولكنى توقفت بعد عام ونصف ، وقد أدركت - وكنت مازلت أعمل بوظيفتي لحسن الحظ ! - أن هذا عبث ، تقول لماذا هذا عبث ؟ ! فأقول إني شعرت باستحالة وصولي إلى شئ ، وإن غاية ما كنت سأصل إليه هو أن اكون عازفا محلياً متواضعا ، وهذا لا أرضاه ، على الأقل لنفسي .

لنأخذ مثلا آخر . كنت قبل عشر سنين من هواة جمع طوابع البريد وكنت أراسل عدة أشخاص بأوربا وأمريكا حتى اجتمع عندي عدد " وافر " من الطوابع العالمية ؛ وذهبت ذات يوم إلى محل لبيع الطوابع معروف لأبتاع منه طابعا مصريا قديما رأيته في كتالوج قديم ، وإذ كنت أساوم الرجل في قيمة الطابع لينزل من قيمته خمسة قروش أو عشرة ، دخل المحل وجيه تدل هيئته على الثراء ، فتركني

البائع ورحب بمقدم الرجل ، وعرفت من حديثهما أن الرجل زبون دائم من زبائن المحل ، سمعت الرجل يقول : أوصلتك مجموعة الطوابع التي سألتك عنها في الأسبوع الماضي  فقال البائع : أجل ، وصلت أمس فقط . إنها مجموعة فريدة . إن " ... " ( نسيت اسم البلدة التى ذكرها الرجل ) نائية جدا ويندر أن نجد هذه الطوابع بمصر . وأتى إليه بمجموعة الطوابع الفريدة فتناولها الوجيه شاكرا وأعطاه ثمنها عشرين جنيها نقدا وعدا أمامي ، عشرين جنيها في مجموعة طوابع لم يتجاوز عددها خمسة . . خمسة طوابع بعشرين جنيها ، بينما كنت أساوم  الرجل في قروش خمسة أو عشرة في طابع مصري قديم . .

منذ هذا اليوم تركت هذه الهواية غير آسف ، فقد قلت لنفسى : ماذا أكون أنا بجانب هذا الثرى الذي يبتاع الطوابع القديمة والحديثة بجنيهات يبعثرها بعثرة دون حساب ؟ من أنا الذي أجمع طابعا بطابع بشق النفس

لا أدري أتوافقني على هذا المبدأ أم لا . ولكني أحب النجاح الكامل ، أحب إن تناولت شيئا فإما أنجح فيه كل النجاح أو أتركه غير آسف إني لا أحب الماء الفاتر الذي ليس هو بالساخن ولا بالبارد . لا أحب المبنى المتوسط الارتفاع ، ولكني أحب الشاهق . لا أحب المرأة المعتدلة الأنوثة . ولكني أحب هذه التي كلها انوثة . لا أحب الشارع المتوسط النظافة ، ولكني أحب الشارع الذي لا أري فيه ذرة من تراب أو قصاصة من ورق ( وأظنني أطلب المستحيل من مصلحة التنظيم ؛ كان الله في عونها ! ) لا أحب المدرس المعتدل النشاط . ولكني أحب المدرس الذي هو مائة في المائة مدرس ... إلى آخره . ولكني مع ذلك لا أحكم على الفنان بهذا الوعد الجبري ، هذا الفنان الذي ركب فيه الفن فلا مناص له ولا حيلة . . ولكني أرجو منه أن يكون أكثر حكمة ، ارجو منه أن يحكم عقله كما يجرى وراء عواطفه فيما ينهج من سبل .

فتيانو لم يكن حكيما عندما ترك وظيفته كصراف ناجح في بنك ، ولكنه كان يكون حكيما حقا إذا كان درس الموسيقى في وقت فراغه وهو وقت طويل يصرفه الناس عادة في القعود في القهوات والذهاب إلى السينما . كان تيانو يكون حكيما حقا إذا كان اتخذ الفن في مبدأ الأمر " وهواية "

لا " حرفة " حتى إذا نجح فيه - وهو ما زال هاويا - ترك عمله الأصلي وهو متيقن من أنه لن يجوع باحترافه الفن . فكثير من الهوايات يمكن أن تنقلب إلى حرف إذا نجح أصحابها فيها . وكثير من فناني العالم المشهورين بدأت فنونهم هوايات .

لا . أنا لا أحكم على الفنانين بهذا الوعد الجبري ، هذا الفنان الذي ركب فيه الفن فلا مناص له ولاحيلة . . ولكني أرجو منه ألا يتخذ الفن حرفة في مبدأ الأمر وان يتخذه هواية يقتل بها وقت فراغه . أقول الحق يا أستاذ " تيانو آخر " إني اعجب كل الإعجاب بالموسقيين درجة ثانية وثالثة ولكني لا أحب لهم الجوع . ولقد أتيح لي هذا الصيف أن أعبر البحر إلى أوربا لأول مرة ، فتجولت في بعض مدن إيطاليا وسويسرا ثم في أحياء باريس ، وأعترف أنى كنت أستمع في إعجاب ونشوة وأنا جالس في بعض القهوات أو إلى مائدة الغداء أو العشاء في هذه البلاد إلى عازفين درجة ثانية وثالثة ، عازفين كتيانو أخطاهم الحظ . أجل كنت أستمع إليهم في إعجاب ونشوة . هؤلاء ، حقا هم الفنانون الأصيلون ، لأن ألحانهم تصدر عن قلوبهم مباشرة ، ولأنهم ضحوا من أجل الفن بكل شئ في حياتهم . . ولكني لم أكن أنسى وأنا استمع إليهم أنهم سيمدون إلى بعد ذلك يدا لألقي فيها ما أجود به من ليرات أو سنتيمات أو فرنكات .  إني أحب هؤلاء الموسيقيين بكل قلبي ، ولكني أضيق بمرأى بؤسهم وحاجتهم وعوزهم .

لا تنس يا صديق أننا نعيش في القرن العشرين ، قرن المادة ، وأن شغل الناس الشاغل في هذا العصر " المكهرب " هو كيف يحصلون على لقمة العيش ، لا باعتدال ولكن بوفرة . . لا كيف يعزفون على القيثارة أو البيانو مثلا أو يستمعون إليهما . كان الفنان في القرون الخوالي لا يهتم بلقمة العيش حيث كان من السهل عليه الحصول عليها ، وربما كان لا يهتم بمظاهر الحياة كما يهتم بها أخوه في هذا العصر . القرن العشرون هو قرن المادة ومن انصرف عن المادة في هذا الزمن فهو شاذ . أنا لا أقول بترك الفن أناسا أو فنانين ، تركا تاما ، فهذا هو الخطأ عين الخطأ ولكني أقول بوضع الفن في المحل الثاني بعد لقمة العيش : الحرفة التي تملأ " المعدة " أولا ثم الهواية التى ترضي القلب ثانيا . أما عكس ذلك فلا أحبذه . فالفنان الذي

يري أنه سيشحذ متسولا بفنه بينما بإمكانه الحياة كريما كما يحيا الناس ، هذا الفنان أعده بائسا مسكينا ... وإن كنت أعذره . أعذره لأنه لم يستطع تكييف نفسه بالزمن الذي يحيي فيه ! اعذره لانه يود اللحاق بقوس قزح أو الوصول إلى ما يراه سرابا ؛ اعذره لانه يحلم وانه في حاجة إلى من يوقظه .

أمامي مثل فريد أرجو الانتهاء به مقررا وجهة نظري في وجوب تبعية القلب المعدة . . هو ما نعرفه عن توفيق الحكيم فهذا الفنان ، هذا العلم من أعلام النهضة الأدبية بمصر في العصر الحديث ، كان إلى عهد قريب جدا بسلك القضاء ، وكان الفن عنده هواية ، ورغم أن فنه كان منذ البدء ناجحا كل النجاح فقد آثر أن يمضي في عمله بسلك القضاء حتى استقال منه أخيرا لينصرف بجمعه إلى فنه . هذا الفنان الأصيل الذي نجح منذ كتبه الأولى لم يغره النجاح في مبدأ الأمر بترك الوظيفة . ولكنه صر ، ويالطول صبره ، حتى اطمأن إلى أنه يترك هذه الوظيفة لن ينام ومعدته خاوية

توفيق الحكيم فنان أصيل منذ شبابه الباكر ، ولكن يمنعه فنه الأصيل من أن يحكم عقله فلا ينساق وراء نوازع قلبه ؛ لم يترك الوظيفة حال رواج كتبه ... فما بالك بتيانو الذي طلق وظيفته كصراف في بنك ليبدأ حياته من جديد والمستقبل أمامه مجهول . . أقول : يبدأ . . يبدأ من لا شئ .. من الصفر ! .

إني أحبذ الفن كهواية ، على الأقل في أول الأمر ، أما احترافه فمسألة تحتاج إلى المناقشة . . متى؟  بعد أن يكون " الهاوي " قد نجح " كل النجاح " في فنه بحيث إنه إذا احترف هذا بعد هوايته له ضمن ملء معدته ولم ينم على الطوى .

أحب لك يا صديقي " تيانو آخر " أن تكون فنانا ، بل وأشجعك على أن تحب الفن . . ولكنى لا أشجعك قط على أن " تحترفه " وانت مازلت على أولى درجاته ، بل أشجعك على أن " تهواه " وتمارسه في وقت فراغك ، حتى إذا تيقنت من نفسك كل التيقن تحولت إليه بجمعك فترضى قلبك وترضى معدتك في نفس الوقت .

أظنني الآن على حق ؛ ولكني أرحب بمناقشة جديدة

اشترك في نشرتنا البريدية