الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 668الرجوع إلى "الثقافة"

من بريد الثقافة, من قارئ إلى قارئ :

Share

معذرة يا سيدي إذا اضطرني نقدك للدكتور زكي نجيب محمود أن أشبهك بطلابنا في أول عهدهم بالجامعة ، وقد جهلوا تماما أن رسالة الأستاذ الجامعي تنحصر في التوجيه دون التلقين ، وراحوا يطالبونه بصب العلم في عقولهم صبا . فأنت تريد من أستاذنا الجليل أن يصب لك روائع العلم والفن الغربي في مقال ادبي قصير ، ليعرض على من يريد الإطلاع ومن لا يريد ؛ وأنت لا تقدره حق قدره حينما يكتفى بتوجيه قرائه . وكلهم في مستوي علمي يتيح لهم الإطلاع على ما يرغبون . ومع ذلك فمن يستطيع أن يحكم بأن مقالات هذا الكاتب القدير صفر من مثل هذه الروائع ، وكيف ثم تفطن إلى سيادة هذه الروح العلمية والفنية في كل مقالات المجلة ، وما ذلك إلا بفضل توجيهه ، وحسن اختياره !.

أنت ، يا سيدي ، تطالبه بسرد النظريات سردا ، وكأن المقالة الأدبية فصل علمي في كتاب مدرسي . . وهنا أرجو معذرتك مرة اخري إذا صارحتك بأنك لا تعرف شيئا عن أستاذنا الجليل . . لا تعرف أنه حين يهوي كتابة المقالة الأدبية لا يترك قلمه يتخبط على غير هدى ، وإنما هو ما يزال يبحث آراء كبار كتابها ، ويفحص مذاهب كبار نقادها .

حتى يخلق لنفسه آخر الأمري مذهبا جديدا يسير على هداه ، وفنا مكينا يتغلغل في نفسه ويوجه قلمه . . ولو أنك كلفت نفسك الاطلاع على مؤلفه القيم " جنة العبيط أو أدب المقالة " ما جشمت قلمك مطالبته بالكف عن الثورة ، لأنك كنت ستعرف أن ( شرط المفالة الادبية أن يكون الأديب ناقما ) . ثم ما حملت نفسك سؤاله السفيا بروائع العلم والفن ، لأنك كنت ستتبين أن المفالة الأدبية يجب أن تكون ( أقرب إلى الحديث والسمر ، منها إلى التعليم والتلقين ) .

وأخيرا ألتمس معذرتك - باسيدي - إذا اتهمتك بأنك لم تسمع عن انتاج علمى أو فني لأستاذنا الجليل ، ولو أنك ألممت بشيء منه لعلمت أنه حين فرق بين المقالة الأدبية والكتابة العلمية لم يفعل ذلك تهربا من نقد الراسخين في العلم أمثالك ، وإنما فعله ليفصل بين الاثنتين : فيبدع في الملك ، وينتج في هذه أعظم الإنتاج . فاقرأ له -ياسيدي - كل ما ترجم عن الحضارة الغربية . . اقرأ له منطقه الوضعي الحديث الذي ضمنه نقدا دقيقا لنظريات كبار الفلاسفة ومناهجهم . . اقرأ كل هذا ثم اخدع نفسك إذا شئت وقل : إنه لا يفعل إلا أن يثور . . أو ابغ الحق واهتف مع ذلك القارئ الذي علق على مقالاته ، وكان في تعليقه أكثر منك توفيقا : " إنما هذا هو الرجل الذي عرف بحق كيف يفرق بدقة بين حدود الأمور ، أين ينتهي كل منها ؟ وأين يبدأ ، وكيف يمتد ، وما علاقته بغيره ، وعلى أي أساس يقوم " .

اشترك في نشرتنا البريدية