الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 670 الرجوع إلى "الثقافة"

من بريد الثقافة

Share

إلى الدكتور زكي نجيب محمود :

سيدي الأستاذ زكي نجيب محمود . أكتب إليك لتكون حكما في نظرية اختلف فيها أنا والأستاذ إدوار منسي فيما كتبه في عدد الثقافة الأخير حول " تيانو الموسيقي ، ولست أدري أكان شخصية " تيانو شخصية خيالية أراد بها أن يقنع صديقه الفنان أو أنها شخصية حقيقية ، إنما المهم في هذا الموضوع الذي أثاره الأستاذ إدوار منسى يتناول الفنان الذي يصل إلى الكمال في فنه والفنان الذي يحترف بالفن ويعيش بائسا وكان الأولى به أن يشق طريقه صرافا في بنك ، كما كان " تيانو " في مستهل شبابه مادام لا يستطيع أن يجعل الناس ينحنون أمامه إجلالا لفنه ولعبقريته ويجعل من فنه ما يشبه العدوي في سمع العالم ، وهو بهذا يريد أن يقول إن الفنان الناجح هو الفنان الأصيل الواصل حتى بوسائل منحرفة ، ونسي أن الناس يقبلون على أكل الرغيف المخلوط كما يقبلون على الرغيف الأبيض مادام هذا الرغيف قد فرض عليهم وان الناس يسيرون في الدنيا كما يرسمها لهم آباؤهم وأمهاتهم وحكوماتهم وثقافتهم وفنهم المتأرجح بين زحل وبين الزهرة ، وأريد أن أقول للأستاذ إدوار إن العيب عيب الزمن الذي يعيش فيه الفنان البائس .

فقد تري حمارا خفيف الظل والخطو يركبه إنسان ركب وجهه على الشمال كما يقولون . وقد ترى زوجة تفيض رقة وحنوا أسيرة كلب قذر من الذين يعدون آدميين ، وقد نري إنسانا علا شانه ، وهو حقير وإنسانا آخر تجثو أمامه الجياه ويقبلون يده بينما هو لص اثيم أو عتل زنيم . هذا في الحياة العامة . أما الفن فهو جنون ابلت به الطبيعة أناسا أحبوه والحب أعمي كما يقولون هم أشبه بالفراشة تحوم حول النور إلي أن تحترق ، أوهم " تيانو " يعيش في حيز " ياجانيني " ولم يسعده الناس أن يعزف ويشرق ويؤلف، وإذا نحن حسبنا حساب الوصول أو عدم الوصول والكمال أو عدم الكمال فإننا سينتهي بنا الأمر أن لاننصح محبا للفن أن يحترف الفن . لا يا سيدي فإن الفنان المحكموم عليه بهذا الوعد الجبري قد

ركب فيه حب الفن فلا مناص له ولا حيلة

قد يكون بين الناس نقاد يفوقون بمواهبهم المبدعين من الفنانين ، ويستطيع هؤلاء النقاد أن يوجهوهم في كل سبيل ولكن لا يستطيعون أن يعزفوا قطعة " لباجانيني " فرحمة بهذا الفنان " تيانو " الذي كبا به، الحظ فأصبح يتسول بكمانه وهو هو نفس " نياتو صراف البنك ولكنه أحب كمانه وكره عد النقود .

من قال إن الفنان الأصيل كانت له كرامة في وطنه الا بعد موته ، فيبنون له مقبرة كان يتمناها سكنا له في حياته .

لا ياسيدي . إن الكمال ليس له حدود ، وليس هناك كمال ، إنما الثمن بحر خضم ليس له شاطئ ، لكنه يعجبك في لمحاته كما يعجبك تغريد البلبل الذي لا يغير نغماته ، فكيف " بتيانو وهو يعزف قطعة الرومانس بهذا الفن الآخاذ الذي وصفته في قصتك .

وشخصية  تيانو " شخصية منكسرة ، وهي شخصية الفنان الأصيل الذي لا يعجب بنفسه ويقيم الدوي حوله .

هذه الفراشة التي أخذت بمجامع نفسي ووددت أن أكون أنا نفس هذا الفنان فإني لست خيرا منه وعقباي لن تكون خيرا من عقباه ، والإنسان لن يبلغ الجبال طولا ، وحسبك منه تغريدة يغردها بطبيعة فنان بسيط والبساطة هي الفن وهي القرين للنفس التي يخيلها الالتواء والتعقيد ويجعلها عقدة يبحث الإنسان الناظر إليها على أنها عقدة ، ولكنها ليست فنا تحتوي كل ما هو غريب يربك النفس ولا يهزها ، وتجعل الفن غريبا عنك .

حسبك أنك أعجبت به كفنان وأنك ذهبت إلي حجرته لتسأل عنه وأنت غريب عنه ، وانك دونت قصته فكتبت له الخلود ، وإن كان شخصا حقيقيا ، فرحمة الله على تيانو .

تيانو آخر سيدي الأستاذ زكي نجيب محمود ، كنت أود أن أري مظهرك كما أقرأ مخبرك ، وربما نلتقي ، ولو أننا نلتقي دائما في الفن ، والسلام عليكم ورحمة الله . وإلى الملتقي

إلى الدكتور زكي نجيب محمود :

سيدي الدكتور زكي نجيب محمود . بعد التحية : لقد صادفني أثناء قراءتي في الأساطير الإغريقية أسطورة لا أقول إنها غريبة - فكل الأساطير في نظرنا نحن الآن ، خرافات غريبة - ولكنها جعلتني أتأمل قليلا . .

لقد كانت حياة الإنسان في وهم الإغريقي القديم معلقة بمزاج الأقدار . . والأقدار في الأساطير الإغريقية تمثلها ثلاث نسوة مسنات يقمن في ركن من أركان كهف حيد يعمل لا يتوانين في أدائه : أولاهن . " كلوتو " وهي صغراهن ، تضم مندوفا بين أصابعها ، فتتناوله منها لاشيزي فتغزله خيطا ، فتقيس " أنرويوس من الخيط بعضه وتقصه بمقصها وتلقيه إلى العالم السفلي . عالم الأموات ، مملكة ياونو . تخيل كل ذلك ميخائيل أنجلو وأثبته في لوحته " الأقدار " وقد رأيتها في صيف هذا العام في إحدي قاعات متاحف فلورنسه بإيطاليا .

فكلوتو مسئولة عن العناصر التي تشترك في تكوين الإنسان : فهي تفتقي المندوف من هنا ومن هناك ، فتضم بعضه إلى بعض ؛ وهي بهذا قادرة على أن تجعل من مخلوقها جميل الوجه أو قبيحه ، طويل الجسم أو قصيره ، ذكي العقل أو غبيه ) مثلا ( ١ وبإمكانها أن تعطي مخلوقها شعرا أصفر أو أحمر أو أسود مثلا . . ولا أظلم الإغريقي القديم بظني أنه كان يلوم كلوتو دون لاشيزي ويثور عليها . فقد كان يرهب الأخيرة أيضا ويخشاها ، ألم تكن لاشيزي تعنى بهذا الإنسان طيلة حياته ! ألم تكن تأخذ مندوف كلوتو فتغزله خيطا . . وقد تقصر أصابعها عن اتقان هذا الغزل فلا ينضبط سمكه بين أصابعها ، فيأتي هنا ضعيفا متخلخلا ، وهنا قويا متماسكا ، وتبعا لهذا يأتي المخلوق وبه نواح من الضعف وبه نواح من القوة ، فيري نفسه قسمة بين التخاذل والتماسك ، بين الإحجام والإقدام ، بين النجاح والسقوط . . ثم يأتي دور أنرويوس ، ونصيبها من لوم الناس أكبر ومن ثورتهم عليها أعظم ؛ أليست الهيمنة على عمر الإنسان ، تطيله إذا أرادت له الطول ، وتقصره إذا أرادت له القصر ، لا قانون عندها لإطالة هذا العمر أو تقصيره . إنما هي القانون والقانون هي ، لا أحد يراقبها في عملها ، فلا تخشى لومة لائم

ولا ثورة ثأثر . أليست هي المتحكمة في أعمار الناس ، تهب السنين من تشاء وتقتطع السنين ممن تشاء .

هذا هو الإنسان في عين الإغريقي ، لا حول له ولا طول أمام هذه الأقدار التي كانت تسيطر على حياته منذ يولد حتى يموت ؛ فهو لعبة في يدها ليس له حق التفكير في حياته ، ولكن عليه فرض الخضوع والخنوع لما تمليه عليه هذه الأقدار .

ولكني برغم ذلك ياسيدي أجد أسطورة أخرى من أساطير الإغريق تحاول التمرد فيها على حكم الأقدار والتهرب منها باللجوء إلى الحيلة . تقول هذه الأسطورة : عندما كان " ميلياجر " - وهو ابن ملك وملكة كاليدون - طفلا ، قالت الأقدار : إن حياته أن تطول اكثر مما تعمر قطعة معينة من الحطب في المدفأة ، وهذا يعني أن حياة هذا الطفل لم تكن لتطول اكثر من بضع ساعات ، ولكن أمه وكانت حاضرة البديهة فائقة الذكاء اختطفت قطعة الحطب من النار ووضعتها في إناء من الفخار وعملت على أن تحتفظ بها هناك أبدا ؟ وهكذا نمي الطفل - برغم الأقدار - وصار رجلا قويا جميلا وماهرا في الرياضة والصيد ، كما كان مرموقا من أهله وعشيرته . . لم تنفذ رغبة الأقدار ! وأصبحت ملكة كاليدون ، وهي المخلوقة العادية متحكمة في مصير ابنها تتصرف في حياته كيفما يحلو لها لقد تغلبت على حكم الأقدار بإرادتها . . أعني أنها نحت الأقدار جانبا وبقيت هي الإنسانة " العاجزة " وحدها لتقرر مصير ابنها . . وحدث أن ذهب ميلياجر للصيد وهو رجل قوي في مجموعة من الصائدين في ضمنهم خالان له - أخوان لأمه الملكة - ولكن ميلياجر اختلف مع خاليه على أثر إجهازه على وحش مفترس وقتلهما بسيفه ، وعندما علمت الملكة بمقتل أخويها على يدي ابنها ثارث وأسرعت إلي إناء الفخار تخرج منه قطعة الحطب المعينة التي كانت تحتفظ بها هناك وتلقها على كومة من الأخشاب الجافة وتشعل فيها النار ، عندئذ أحس ميلياجر بالخوف وحاول أن يبعد عن نفسه هذا الإحساس ، الموت الذي أخذ يسري في أوصاله . . ولكن قطعة الحطب تشتعل وتحمر ثم تتحول إلى رماد . . وفي نفس اللحظة تفارق روح ميلياجر جسده وتدعه جثة هامدة لا حراك بها . دعنا ياسيدي من انتقام الأقدار الذي تمثل في مقتل أخوي الملكة على يدي ابنها ! دعنا من أنه لولا تمرد الملكة أول الأمر وعملها على أن يعيش ابنها برغم الأقدار . . لعاش

أخواها ولم يقتلا على يد ولدها . . دعنا من هذا فهذا موضوع آخر ، وانظر ياسيدي إلى فكرة تمرد الملكة ، فكرة تمردها على الأقدار ونجاحها في هذا التمرد . . ١

اعتقد أن الإغريقي القديم لم يفكر في فكرة التمرد هذه عبثا ولم يسجلها عفوا . فإذا كان الإنسان قد خضع للأقدار في بدء الأمر وخنع فلابد أن جاء الوقت الذي فيه ثار عليها وحاول تحطيم هذا السيف الذي كان مسلطا على رقبته دائما ، ليعيش عيشة حرة بعيدا عن أي تأثير خارجي ، لابد أن جاء الوقت الذي بدأ فيه يشك في وجود من يتسلط عليه ويخضعه ، لابد أن جاء الوقت الذي شعر فيه أنه المتصرف الوحيد في حياته ، المهيمن عليها : أي أنه كل شئ في هذه الحياة .

والناس في هذه الحياة - برغم تقدم العالم وتمدينه - فريقان : فريق كبير يفكر بعقلية الإغريقي الًقديم الذي كان يخضع للأقدار كل الخضوع ، وفريق صغير يفكر بعقلية الإغريق القديم الذي بدأ يشعر بكيانه الفرد القوي البعيد عن أي تأثير خارجي .

عقلية الفريق الأول : القسمة والنصيب ، وعقلية الفريق الثاني : الرغبة والإرادة ، تحاول إنهاض الأول فيقول : هذا ما كتب لي ؛ أما الثاني فتجده يؤكد كيانه الفرد بما بدور في رأسه من أفكار وما يقوم به من أعمال . الأول نائم مستكين ، والثاني نشط متحضر . .

وتفضلوا حضرتكم بقبول فائق شكري وتقديري .

اشترك في نشرتنا البريدية