إلى حضرة الدكتور زكى نجيب محمود :
تحية حب وإعجاب . . إذا كنا موقنين أن " الثقافة " وهى التى تكاد تكون إنجيل المثقفين فى البلاد العربية ، لا تمنح الشعر ، ذلك الفن الجميل ، المكانة اللائقة به كيفية المجلات ، فلا أقل ما دامت تعودت نشر بعض المقطوعات أن تكون لهذه العلاقة الوثيقة بالفن من ناحية التجربة والصدق والغاية - وإلا دعنى أسألك : ما هى قيمة قصيدة كقصيدة " إلى شمعة" فى العدد ٦٧٢ وما قيمة زميلاتها من الوجهة الفنية الخالصة فى العدد ٦٧١؟ اللهم لا تدفعنى إلي اتهام مجلة أحترمها ، وأحترم وأعجب بكتابها ، بأنها تؤيد الأدب الأنخلالى الملفيت ، وأنها تشجع أدب الآهات والتأوهات والنواح ، ذلك الأدب الرخيص الميت ، ونحن نواجه حراب البغى والعدوان وجها لوجه .
(كلية الحقوق - بغداد )
" الثقافة " إننا نشكر الناقد الفاضل على رسالته ، وترحب كل الترحيب بنقذ تفصيلي يقوم على أسس فنية ، للقصائد التى لم يجد فيها جمالا شعريا ، لأن كتاب الثقافة وشعراءها وقراءها أسرة واحدة ، يتبادلون الرأى على صفحاتها فى إخاء وود ، ونحب أن نؤكد له أن " الثقافة " تفصح من مجالها ما استطاعت ، لكل شعر جيد ، بل تحاول ألا تهمل قصيدة فيها ما يبشر لصاحبها بالجودة إن سار على الطريق .
إلى الأستاذ إدوار منسى صاحب قصة " تيانو " :
لا تدهش يا سيدي إذا كثرت الآراء والأسئلة حول فنانك " تيانو " فمأساته خليق بها حقا أن تروع نفس كل فنان ناشئ يمتلئ قلبه بالأمل وتفيض نفسه بالحرارة . وله عذره فى ذلك ، فمن يدرى ؟!! لعله تيانو آخر . ولكن من بين هذه الآراء والأسئلة يلوح لنا سؤال واحد اعتقد أن جوابه قد يعيد الطمأنينة إلى القلوب اللهيفة
والنفوس المروعة : هل كان تيانو فنانا حقا؟ . . فنانا يمتلئ قلبه بالنغم ويفيض بالآلحان ، أم مجردها و أخذ برأسه سحر الفن ومجد الفنان .
إنى أشك - ولعلك أنت أيضا تشك - فى أن تيانو كان فنانا حقيقيا ، كل ما كان عليه هو نفس فتية سحرها الفن وبراعة فى الأداء كانت عليها اليد التى مرت على أوتار الكمان ، حمل تيانو كمانه كما أمسك دون كيشوت سيفه ، ولكن كليهما فى الجهل سواء بطبيعة القوة التى اعتزم كل منهما أن يقف أمامها ليناضلها .
كتب شوبرت " السمفونية الناقصة" وهو فقير محطم ضائع ، ولم تشفع لبتهوقن عبقريته فكتب أغلب موسيقاه وهو فى شبه فافة ، وانطلق شكسبير إلى لندن ليقف أمام المسرح يعمل كسائس خيل ، وقضى برنارد شو تسع سنوات عجاف قبل أن يصل إلى شئ فى الفن ، محتملا قسوة الفقر الدفع على وظيفته كصراف فى محل أقمشة بدبلين .
أكان من الممكن أن يظل هؤلاء - وأضيف إليهم عشرات غيرهم من العباقرة الفنانين - انتظارا للنجاح ؟ ولكن حذار أن نرضى بنصف النجاح ، فكل شئ فى الفن يختلف ؛ فالقلب إما فارغ خاو أو فياض ممتلئ . وهو حينما يكون فارغا خاويا ، فإنه حقا قد يبدأ من الصفر ولكنه ينتهى إلى الصفر أيضا .
من حقك يا سيدي أن لا ترضى ولا تقر نصف النجاح ، وكل فنان حقيقى لا يقبل نفسه هذا الوضع المتوسط الذى تأباه الطبيعة البشرية السليمة .
هكذا أحس " ليست " الموسيقى العظيم على الرغم من أنه كان النجم اللامع فى سماء الفن وسط سالونات باريس . أحس أنه ليس إلا مجرد عازف ، وأن هذه الشهرة التى حظى بها سرعان ما يخبو بريقها بمجرد أن تقف بدء عن العزف على البيان ، ومن يومها راح يؤلف موسيقاه التى ضمنت له الخلود .
أيها الفنان تيقن أولا من قلبك ، أما بعد ذلك فلا يهم .
(هندسة السكة الحديد بالتيارى)

