الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 688الرجوع إلى "الثقافة"

من بريد الثقافة

Share

إلى حضرة رئيس تحرير مجلة الثقافة :

حضرة الأستاذ رئيس تحرير مجلة الثقافة الغراء المحترم . بعد التحبة أرجو نشر كلمتي هذه تعقيبا علي ماجاء في المقال المنشور في العدد ( ٦٨٣ )  تحت عنوان ( اللغة العامية في الحوار القصصى ) من يوميات الأستاذ إدوار منسي .

سيدي الأستاذ . كتبتم في الكلمة المشار إليها حول الحوار القصصى والصيغة التي يستحسن أن يكون عليها : هل اللغة العامية أم الفصحى وأيهما أصدق تعبيراً وأكثر تأثيراً في القارئ ؟ هل اللغة الدارجة التي يسمعها ويتقولها باستمرار أم اللغة الفصحى العسيرة الهضم ؟ وقد ارتأيتم ضمنا أن يكون الحوار باللغة العامية ليكون أوفي توضيحا للخلجات التي تنتقل عن طريق القصة إلى نفس القارئ . وأسهل فهماً وانطباعا . مستندين في ذلك إلي أن القصة ( تصوير لمجتمع ما أو فرد ما ... إلخ ) .

وإن هذا التصوير واقعي لذلك المجتمع إلا اللغة أو اللهجة ( في الحوار ) التي يتكلم بها شخوص القصة فإنها تتخذ طريقاً آخر يختلف باتخاذه اللغة الفصحى .

انا مع الأستاذ في أن القصة تصوير مجتمع ما أو بيئة ما أو فرد ما ... إلخ ، ولكن لي مناقشة حول الحوار وأخذه .

اللغة العامية ( المحلية ) للبيئة ، فلو وضع الحوار محليا ألا يعتقد الأستاذ أنه سيكون نقطة سوداء نابية في تلك الصورة الجميلة التى تصورها القصة - هذا من ناحية ومن الناحية الأخرى : هل يظن الأستاذ أن اللغة العامية في البلاد العربية واحدة ؟ . . فإن كان هذا ظنه فالحقيقة تختلف والواقع يبين لنا في بغداد أن اللهجات المحلية تختلف في محلة عنها في أخرى ، وفي العراق مدينة عن اخرى . وهاك مثلا ( بغداد والموصل ) فلو استمعت إلي موصلي يتكلم وبغدادى يتقول ، لذهب إلى ظنك أنهما من بلدين مختلفين ، وذلك لأن لكل منهما لغته المحلية التى سمعها وتقولها .

فكيف يمكن التوفيق إذا اختلف هذان الفردان من البلدتين الواقعتين في قطر واحد مع أفراد تفصل بينهما مسافات شاسعة مثل شمال أفريقيا إلى الجزائر ؛ . فهل يقترح الأستاذ أخذ إحدى هذه اللهجات وترك الباقي ؛ أم يعتقد أن كتاب القصة المصريين أو السوربين أو العراقبين أو غيرهم كل يكتب في قطره فتصبح عندنا قصة محلية لا عربية كما تتمنى ؟ ثم هل يري الأستاذ أن اللغة العامية في مصر واحدة لا يختلف شمالها عن جنوبها ؟ .

ثم لو طبقنا اللغة المحلية المصرية على الأمثال التي اخترتموها أو اللغة العامية البغدادية ( وليس العراقية لأن اللغة العامية العراقية تختلف من لواء إلى آخر ومن مدينة لأخري بل من محلة لمحلة ) لرأينا أن ناصري لا يفهم من اللغة العامية

العراقية شيئا ، وكذا العراقى بالنسبة إلى اللغة العامية المصرية . وهاك تطبيقاً على مثل من الأمثلة التي أوردتموها .

من أقصوصة ( الباب الذهي ) لإبراهيم أفندي المصري في كتابه ( نفوس عارية ) .

بين موظف وزوجته - أليس هذا حقها . - أنا لم أقل إني سآ كل حقها . . - إذا كان يجب أن تدفعي . - كنت أريد أن أربيها - وماذا فعلت ؟ هل سرقت ؟ هل طلبت أكثر من حقها ؟ لقد اتفقتما أمامي على أجرة الفساتين ولقد أعطيتك المبلغ ولعلك تذكرين فأين ذهب ؟ فتري أنكم قد نقلتم هذه الألفاظ إلى اللغة العامية المصرية فأصبحت : - هوده مش حئها ؟ - أنا ما ألتش إني حا كلو عليها . - معني كده إنك كان لازم تدفعي - كنت عاوزة أربها . - وإيه اللي عملتوا ؛ هل سرئت ؟ هل طلبت أكثر من حئها ؛ أنتو اتفقتو أدامي على أجرة الفساتين وأنا أديتك المبلغ ولعلك فاكره راح فين ؟ .

أما لو اردنا نقل هذا الحوار القصير إلى اللهجة البغدادية فإنا نري الاختلاف بيناً ، إذ لا يمكن للقاريء المصري أو السوري أن يفهم منه شيئا إلا ما ندر . . وهاكم ( الترجمة ) . - هذا موحكها ؟ - أني ماكنت حآ كله عليها . - لعد لازم تنطين - ردت أادبها - وشوت ؟ يا كنت ! طلبت أكثر من حسابها ؟ انتو اتفقتو كدامي على أجرة التقانيف وآني أنطيتج للبلغ ويمكن تفتكرين وبن راح وكذا لو اردنا أن نكتب هذا الحوار باللهجة الموصلية - هذا ما حقه . - أنا ما قلتو غيح اكلو عليها . - لكن لازم تعطين

غدتو أأدبه - واشعملت ؟ باقت ؟ طلبت اكتغ من حسابه ؟ إنتم اتفقيتم قدامي علي حق الفسيتين وأنا طعيتوكي الفلوس ويمكن يجي إبا لكي ويصب غاح ؟ . .

وهكذا لو طبقنا هذه اللهجات على بقية الأمثلة التي أوردها حضرة الأستاذ ؟ فكيف يمكن التوفيق - هنا من ناحية الكتابة - وكيف تكون الحال في حالة الترجمة ؛ هل علينا أن نترجم النصة ونضع الحوار بلغة الكاتب لتحافظ على العنصر المفقود وتكون أكثر تشويقاً !

وعلى هذا أري أن اللغة الفصحي هي ( الترجمان ) للغات المحلية المختلفة في جميع البلاد العربية ، وكل قارئ من هذه البلاد المترامية الأطراف ( والناطقة بالضاد ) تكون اللغة العربية الفصحى لها - كالقاسم المشترك في العمليات الحسابية تنقل الإحساسات عن طريقها من لغة محيط القصة إلى العربية الفصحى ، ثم تنصب في لغة القارئ المحلية فتكون بهذا الواسطة التي لا غني عنها .

ولا اعتقد أنها تبدل شيئا من الإحساسات الدقيقة ، كما نري أن اللهجة العامية عاجزة عن التعبير الذي يعبر ، في اللغة الفصحى ، وأرجو المعذرة .

( بغداد - العراق )

اشترك في نشرتنا البريدية