الترجمة لون من ألوان الرسم منقولا عن الحياة ، بحيث يستطيع كل واحد أن يسلم بأن هناك نوعين من المشابهة : مشابهة مليحة حسناء ، ومشابهة قبيحة شوهاء
وعمل المترجم ينقسم قسمين : أولهما أن يجيد رسم الخطوط الرئيسية ، وأن يتقن تصوير الملامح ، وأن يجعل التناسب بين أجزاء الصورة تاما ، وأن يعمل على أن تكون الألوان منسجمة متناسقة
وثانيهما أن يلبس تلك الأشياء الجافة الجامدة سترا رقيقا يشف عما تحته من الرقة والظرف ، وذلك فى القعدة أو الوقفة ، وفى رسم الظلال التى تحيط بالصورة ، وأن يضفى على تلك الأشياء كلها روحا تبعث فيها الحياة
وإنى لتعرونى هزة من الاشمئزاز والكره إذا نظرت صورة شوهاء منقولة عن صورة رسمها مصور صناع اليدين فأجاد فى تصويرها وأبدع .
وكذلك يتنابنى الهول والفزع كلما ألفيت ( فرجيل ) و ( هومير ) ومن لف لفهما يبصق فى وجوههم أحد المترجمين الملفقين . و ( فرجيل ) و " هومير " وأمثالهم هم أولئك السادة الأفذاذ النوابغ الذين قضيت حياتى كلها فى محاكاتهم والنقل عنهم .
وكيف يصدقنى القراء أو يصدقون أمثالى إذا قلنا لهم إن أولئك النوابغ هم الذين اغترفنا من منابعهم كل رائع من النثر ، وكل بارع من الشعر ، إذا قرأوا ما نقله عنهم أولئك المترجمون الجهال الذين أشبههم بالواقعين فى أعراض الناس .
وإنى لأستطيع أن أؤكد القول لأولئك القراء أن لا وجه للمشابهة والمشاكلة بين الشاعر وهو حى يملأ الدنيا دويا ، وبين جيفته وهو رمة تحت أعواد
ومن الناس كثيرون يعرفون اليونانية واللاتينية ولكنهم يجهلون لسان قومهم ، فخصائص اللغة الأنجليزية ودقائقها لا يعرفها إلا القليلون ، وإنه لمن المستحيل حتى على من كان ذكيا أن يحسن فهم تلك الخصائص والدقائق ولا أقول أن يحسن استعمالها ، إلا إذا أوتى حظا عظيما من التعليم والتثقيف ، وإلا إذا أدمن القراءة ، وتمثل ما يقرؤه من آثار المجيدين القلائل . وإلا إذا درس طبائع الناس وأخلاقهم وعاداتهم ، وإلا إذا قصر التحدث على النوابغ من الرجال والنساء ، وإلا إذا أزال عن نفسه صدأ ما علق بذهنه من علم قد أصابه الركود .
وليس مطلوبا من الدارس للغة أن يعرف ما بتلك اللغة من أساليب صافية عذبة ، ولا أن يعرف من من
الكتاب قد برع أسلوبه ، ومن منهم قد كان أسلوبه غثا رديئا ، ولكن المفروض على دارس اللغة أن يعرف محاسن كل كاتب ومعايبه .
وإنى لأرى الكثرة من الدارسين قد غفلوا عن هذا ، بل إنى لأرى كثيرا من أذكياء الشباب يتخذون بعض الكتاب والشعراء قدوة لهم وإماما ، وهم يغدقون عليهم فيوضا من الإعجاب والتقديس ، ويأخذون فى محاكاتهم ، غير ملقين بالهم إلى ما فى نثر أولئك الكتاب أو شعر أولئك الشعراء من مآخذ وعيوب .
من أجل ذلك أرى لزاما على كل دارس أن يتخذ من نفسه ناقدا لكل ما يقرأ فى لسان قومه ، قبل أن يحاول النقل من لغة من اللغات إلى لغة قومه .
وعلى الدارس أن يجيد معرفة لسان الكاتب الذى ينقل عنه ، كما أن عليه أن يعرف لسان قومه هو معرفة تامة شاملة ، فإن حاول ترجمة قصيد شاعر مجيد كان لزاما عليه أن يكون هو شاعرا مجيدا .
وليس يكفى المترجم من لغة إلى أخرى أن تكون كلماته منتقاة منتخلة ، تجرى على أنماط الشعر ، ولها جرس موسيقى ، على ما فى بلوغ هذا كله من صعوبة ومشقة ، ذلك أن مثل هذا المترجم قد غاب عنه سر من أخفى الأسرار . وذلك السر هو مماشاة الكاتب أو الشاعر ومحاكاته فى خصائصه ومميزاته ، وبخاصة تلك التى تميزه عن سائر أنداده وزملائه .
ولتقريب هذا من الأذهان نقرر أن الفكرة عند ( فرجيل ) تختلف عن الفكرة عند ( أوفيد ) . بل إن المذهب الشعرى وطريقة قرض الشعر عند كليهما هى جد مختلفة ؛ وعلى الرغم من ذلك فإن أرى بين أحسن شعرائنا وأقدرهم على الترجمة من يخلط - عند الترجمة - بين المذهبين ، حتى ليلتبس الأمر على - لولا معرفتى بأصول القصائد - أكان القائل ( فرجيل ) أم كان ( أوفيد ) .
ولقد نال النقاد باللوم الشديد مصورا من أبرع المصورين ، ذلك لأن صوره تكاد تكون كلها متشابهة والباعث على هذا أن ذلك المصور كان يدرس نفسه هو أكثر من دراسته لأولئك الذين يجلسون إليه لتصويرهم .
وإنى لمستطيع إذا قرأت قصائد أولئك الشعراء ، أو نظرت إلى صور أولئك المصورين أن أعرف اليد التى كتبت تلك القصائد أو صورت تلك الصور . ولكنى لا أستطيع أن أعرف الشاعر الذى ترجموا عنه ، أو المثال الذى احتذوه ونقلوا عنه .
وإنى لأومن أن يكون هاك شاعران أوتيا حلاوة اللفظ وبراعة التعبير ، ولكنى أومن أيضا أن هناك صنفين من الحلاوة : حلاوة السكر وحلاوة الشهد .
وأنا إذ انظر إلى ( فرجيل ) أجده يعنى بالإيجاز ، وبكل سرى من اللفظ ، ويكاد يزن كل كلمة ، بل كل مقطع ، كما يزن الجوهرى جواهره . وهو يلجا كثيرا إلى الاستعارة والمجاز ، حتى ليجد القارئ نفسه فى حاجة إلى معجم خاص يستعينه على تفسير ما يقرؤه .
وإنك لتحس فى شعر ( فرجيل ) ، بل فى كل شطر من أبيات قصائده ، جرسا موسيقيا يقرب إلى أذنيك الإحساس الذى يمثله ويؤديه ذلك الشطر من البيت
و ( فرجيل ) يلجأ دائما إلى التنويع فى روى قصائده ، وذلك مخافة الإملال . ويخالفه فى هذا الشاعران ( أوفيد ) و ( كلوديان ) . وإن كان كلاهما يختلف عن زميله فى الأسلوب ، ولكنهما يتفقان فى أن لكليهما لونا موسيقيا واحدا ، تلقاه فى كل قصيدة تقرؤها له .
والشاعر ( أوفيد ) على ما أوتى من حلاوة فى القول ، وبراعة فى النظم ، قليل التنويع والتلوين ، وهو فى هذا كأنه جواد لا يعرف إلا الرمحة الوئيدة ، وهو إذا جرى فكأنما يجرى فوق بساط من الأبسطة ، فشعره ناعم بالغ النعومة ، وقوله لين بالغ الليونة .
أما ( فرجيل ) ، فهو وإن كان قوله سهلا إذا احتاج المقام إلى السهولة ، فهو لا يتكلف تلك السهولة ولا يتصنعها ، بل إنه ليبدو عليه أنه يزدرى اللين من القول .
وهو فى كل حالاته ينأى بنفسه عن الإطناب الممل ، وهو يستمسك بالجمع بين خامة القول ووضوحه .
وهو يضيىء . ولكن ضوءه لا يبهر العين ، ولا يعشى البصر . .
( عن الإنجليزية )

