هذا المقال هو خلاصة دراسات قام بها الكاتب فى السنين الست الماضية وهو رئيس شعبة العلاقات الإنسانية ، التابعة لجامعة مدينة نيويورك . وقد دون الكاتب ملاحظاته بعد خمس حالات موطنى أربعين مؤسسة .
قال الكاتب : أعرف رجلا يظن أنه الرئيس الأمثل بين الرؤساء ، وأنه عادل فى حكمه غير جائر .
وهو يجلس إلى مكتبه كل أسبوع ، يأخذ من بين أدراجه كتيبا صغيرا أسود . ثم يفتحه ، ويدون فيه أمام أسماء موظفيه وعماله ما يعن له من ملاحظات وآراء
وهو بعمله هذا يظن أنه يجعل مرؤوسيه دائمى اليقظة . ولكن الواقع أن هذا العمل يجعلهم دائمى القلق . ويعوقهم عن اتقان العمل ، وقد كانوا إذا تحدثوا عن رئيسهم هذا نعتوه بالجاسوس لا الرئيس .
وأعرف رئيسا تختلف طريقته عن طريقة زميله السابق ، فقد ارتقى من بين " الصفوف " إذ كان أول أمره عاملا ، فظن أن الرئاسة المثلى تقوم على " التودد " فكان كل مساء يشارب العمال ويؤاكلهم ليريهم أنه مازال زميلا طيبا .
وكان إذا بدا من أحدهم نقص أو إهمال فى عمله أو مخالفة لقوانين المصنع لم يزد على أن يغمز بحاجبه . فإذا أصبح توقيع الجزاء حتما مقضيا أسر القول لمرؤوسيه بأن هذا الجزاء لم يكن عن أمره ، إنما هو أمر صدر من كبار الرؤساء فى الطابق الأعلى .
من أجل ذلك كله كان لزاما أن يقال هذا الرئيس من عمله ، وان يزاح عن منصبه . فقد هبط انتاج المصنع ، وليس هذا فقط ، بل إن عماله لم يكونوا ليوقروه .
وإنى لأستطيع أن أتحرر أن آلاف الرؤساء الذين تحدثت إليهم قد ثبت عجزهم عن الاستفادة من مجهود عمالهم . وقد يرجع السبب فى هذا إلى أن غالبية الرؤساء تنتخب فى العادة من بين الفنيين أو من بين الذين طال عهدهم بالوظائف . دون التفكير فى هل هم قادرون على أن يوسوا العمال وان يوحوا إليهم .
وقد أثبتت التجارب العديدة التى أجريت على أن العمال يتضاعف عملهم ويزيد إنتاجهم إذا تولى أمرهم رجل رشيد . وقد أجرى جماعة من الخبراء الباحثين تجربة فى مصنع تعددت أقسامه ، وتشابهت أعماله ، وتساوى عدد عماله .
واختلفت صفات رؤسائه ؛ وذلك بأن عمدوا إلى المقارنة بين أحسن الأقسام إنتاجا وبين أسوئها ، فثبت لهم أن فى القسم الأحسن كان كل واحد من عماله يمدح رئيسه ويثنى عليه ، بينما فى القسم الأسوأ لم يثن على الرئيس إلا ٢٦ % . وإنى لأقرر أن الرئاسة المثلى والرئاسة السيئة إنما مرجعها إلى صفات أكبر رئيس فى العمل . فقد جاءنى مرة واحد من هؤلاء ، وقد أغاظه وأهمه نفص الإنتاج ، وطلب
إلى أن أرسم الخطط لرؤساء أقسام مصنعه . وبعد بحث دام بضعة أيام تحققت أن الرئيس الأكبر هو المشكلة الكبرى ولا مشكلة سواء ؛ فقد كان من عادته أن يصدر أوامره ثم لا يتبعها بكلمة ، كما كان من عادته أن يبت فى كل أمر دون مشورة . كما كان من عادته أيضا أن يسب الشمس والقمر كلما أخطأ مخطئ أو هذا .
وما راعنى إلا أن جاءنى يوما وهو يقول فى سرعة البرق الخاطف : هل جاءك أنى قد أستطيع الآن أن أمشى على بعض سنتك ! فقلت لنفسى : إنى لمول هذا الرجل ثقتى . والحق أنه قد غير من أساليبه ، فى صدق وإخلاص ، وانه سرعان ما جاء بمقترحات دقيقة محكمة ، وسرعان ما أفاض على مرؤوسيه فيوضا من الثقة كلما أتقنوا عملا .
ومن العيوب التى تؤخذ على الرئيس أن يبيح لنفسه الدخول فى جدال ومحاجة مع مرؤوسيه ؛ فهو إن فعل ذلك فقد كشف عن عجزه وضعفه . ذلك أنه من المستحيل استحالة تامة أن تلزم إنسانا الحجة وأن يقبل هذا منك طواعية واختيارا .
والذى تجادله إنما هو مشغول بالدفاع عن نفسه ؛ فهو لا ينصت لقولك مهما أطلت وأطبت .
ونجاح الرئيس فى البرهنة على أنه كان محقا ، وأن مرؤوسه كان مخطئا إنما هو نجاح خير منه الإخفاق . ذلك لأنه يكون بذلك قد خسر واحدا من المعجبين به ، الظانين به ظن الخير .
ومن أخطاء الرئيس غير الكيس إجراؤه التغيير والتبديل بين مرؤوسيه قبل أن يمهد لهذا التغيير والتبديل ، وقبل أن يعد مرؤوسيه لما يراد بهم ، وقبل أن يبرهن لهم على ضرورة هذه القلقلة .
والرئيس الرشيد هو من يجنى من عمل مرؤوسيه أطيب الثمرات ، وذلك بأن يبعث فيهم ما خمد من كبريائهم ، وأن يجرى فى معاملتهم على أنهم أشخاص ذوو قدر وقيمة ، وأن يجعلهم يحسون أن بذل أقصى الجهد سوف يعود على المؤسسة بالخير والنفع ، وهذا هو لب القيادة الحسنة وروحها . والطريقة الأخرى هى - بالطبع - أن يسوق المرؤوسين سوقا ، وكثير من الرؤساء يلجأون إلى هذه
الطريقة ، وهى إغراء يوسوس به فى صدور الرؤساء الذين يعرفون أنهم أصحاب حول وطول .
ولا شك أن المرؤوسين يقابلون هذه السياقة بأن لا يعملوا عملا إلا ذلك القدر الذى ينأى بهم عن موجبات العقاب . وهم لا شك سوف يولون الأدبار فى أول فرصة تتاح لهم .
وأشد الناس غلظة وفظاظة يحن - فى قرارة نفسه - إلى شىء من الاعتراف الصادق بكفاءته وبراعته . والرئيس الرشيد قادر على أن يجد فى أقل مرؤوسيه كفاءة شيئا يستأهل الحمد ويستحق الثناء .
والرئيس الرشيد يعرف أن فى استطاعته أن يحصل على نتائج باهرة بالثناء على مرؤوسه حتى قبل أن يبدأ ذلك المرؤوس عمله . كان يقول له مثلا : يافلان إنك واحد من الأدلة القائمة على أن عندنا رجالا أكفاء . فهل لك أن تدلنا على طريقة فى ترتيب أضابيرنا ومكاتبنا لنجد فسحة فى المكان تساعد على تيسير الانتقال بين صفوف المكاتب . أو يقول له : ألح هذا النحو يا فلان ! وفلان هذا بعد سماعه هذا الكلام لابد باذل أقصى الجهد .
والناس يقبلون دائما على الدخول فى مباريات ما دامت لا يلازمها العنف . وقد تستطيع أنت أن تصور لنفسك أنك واحد من الرسامين فى مؤسسة لتصميم المبانى قد كثر العمل فيها وتراكم . فاذا قال لك رئيسك : إن عليك أن تبقى ثلاث ليال لتفرغ من عملك هذا ، فإنك لابد تادب سوء حظك . ولكن هيه قال لك : يا فلان إن عندنا عملا هاما علينا أن نتجزء قبل ظهر يوم الخميس ، وإنى لتارك هذا الأمر لك ، تتصرف فيه كيف تشاء . فهل أنت ناظر فى هذا الأمر نظرتك ؟
فما إن تسمع أنت هذا القول حتى تقبل - إن كنت رجلا رشيدا - على العمل إقبال الغيور المتحمس . لا يهدأ بالك حتى تتجز العمل فى دقة وإتقان .
وخير امتحان لقدرة الرئيس الرشيد هى الطريقة التى يستقبل بها أولئك المقبلين على العمل الجديد . والطريقة التقليدية عند الرؤساء من أصحاب الطريقة القديمة هى أن ينظر الواحد منهم إلى مرؤوسه ثم يصعد
النظر فيه وبصوبه ، ثم يقول له : ها هو العمل الذى سوف يوكل إليك . فأرنى مدى قدرتك على القيام به . ثم ينظر إليه نظرة الصقر للطائر الصغير . ثم لا يجد بعد ذلك المدة إلا فى تتبع سقطاته وغلطاته .
وعلى العكس من ذلك نجد الرئيس الرشيد ، فهو يعرف ما يعيش به صدر كل مقبل على عمل جديد من هم وكرب . ولذلك فإن الرئيس يلقى صاحبنا لقاء ترحيب . ثم يأخذ بيده ويطوف به المكاتب والمصانع ، ويشرح له أنواع العمل ويجعله يحس أنه بين أهله وإخواته .
وهو يمتدح كل ناحية نقرب من الصواب فى كل عمل يصله ذلك المقبل الجديد . وإذا أخطأ صحح له خطأه بطريقة تحفظ عليه ماء وجهه . كأن يقول له مثلا : أظننى لم أشرح لك هذا من قبل . أو : إن كثيرا من الناس يعملون هذا العمل بهذه الطريقة أول أمرهم ، ولكنهم يعرفون فيما بعد أنها طريقة خاطئة..
وأشد ما يفت فى عند العاملين هو الطريق الذى يسلكة بعض المتفقين من الرؤساء ، فهو يترك الحبل على الغارب لاثنين من العمال من المرضى عنهم ، يسرحون ويمرحون فى أرجاء المصنع أو المكتب .
وإنه لشئ غريزى فى طباع بنى آدم أن يحنوا على من أوتى الذكاء من عمالهم أو على من تربطهم ، صلة من قرابة أو جوار .
ولكنى رأيت هذه العادة سببا فى خلق المشاكل . ذلك لان الذين لا تضمهم دائرة تلك الصلة أو وشيجة تلك القرابة . يحسون فى قرارة أنفسهم بالقلق وفتور الهمة . وهم - وقد فاضت نفوسهم بالمقت والكره - خليقون أن يقولوا عن صاحب الحظوة لدى الرئيس : إنه يعرف من أين تؤكل الكتف . .
وكلما سمعت رجالا أو نساء يبالغون فى مدح رئيسهم ويجمعون على وصفه بالرجل العظيم الذى يسعدهم أن يعملوا تحت رئاسته ، أحاول دائما اكتناء سر هذا المديح ، ذلك لأن مثل هذا الرئيس هو من القلة النادرة . وهناك أجوبة مختلفة للرد عن هذا السؤال ، ولكنها
تجتمع كلها فى جواب واحد وهو : إن الولاء يولد الولاء . وإن الوفاء ينتج الوفاء
والرئيس الرشيد يعرف معرفة مؤكدة أن الناس كلهم أسارى الولاء وحسن التقدير ، وهو يعرف أيضا أن بعض الحوافز هى أكبر جدوى وأكثر نفعا عند بعض القوم دون الآخرين ، وهو من أجل ذلك يحاول أن يعرف من من بين مرؤوسيه هو فى حاجة أكثر من سواء إلى المديح أو الطمأنينة أو الترقية أو المال .
وإنه لمن القلة النادرة ذلك الرجل الذى يعمل من أجل المال وحده . وإنه لمن الخطأ كذلك أن نقول إن كل رجل يعمل من أجل الترقية وحدها .
أما عن النساء العاملات فإن الرئيس الرشيد يعرف أن النساء اللاتى أمضين فى العمل حقبة من الدهلا أكثر مطالبة بما يرينه حقا لهن من امتيازات بسبب طول الخدمة . وقيادة العاملات من النساء تحتاج إلى مقدار من المهارة والسياسة أكثر مما تحتاجه قيادة زملائهن من الرجال .
ولكن الرئيس الرشيد يوفى ديونه فى هذه الناحية أكثر مما يوفها إن كان الدائنون رجالا
والرؤساء من أصحاب الطريقة القديمة سوف يؤكدون لك أن كل هذه الحماقات التى تقوم على إزجاء الثناء إلى المرءوسين واتباع طرق الداورة معهم ، إنما هى سخف له نتائجه الخطرة .
وهم يقولون لك : ربت كتف واحد من مرءوسيك اليوم ، وهو لا شك ضاربك غدا ، وهو لابد مطالبك بزيادة فى الأجر بعد غد .
وليس الأمر كما يظن صاحبنا الرئيس من أصحاب الطريقة القديمة ، فإن مرءوسى اليوم هم أناس واقعيون ، يعرفون أن الرئيس فى عصرنا هذا تقيده قواعد الميزانية وتحد من حريته أصول الاستخدام .
والرؤساء المثاليون فى نظر مترجم المقال هم الذين لا يبخسون الناس أشياءهم .
( ولا يجزون عن حسن بسىء
ولا يجزون عن غلظ بلين)
( عن الإنجليزية )
